اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة الجريدة الكويتية
نشر بتاريخ: ٢٨ تموز ٢٠٢٦
لو مُنحتُ حريةً مطلقةً مُفعمةً بالفخر لفضّلتُ يا أرمينيا عبوديتكِ الساميةلو مُنحتُ أوروبا الرائعة وطناً لي لَبحثتُ عنكِ يا أرمينيا بكل أحزانكِ ربما كان يقصد، في هذه القصيدة، الشاعر ورئيس الأساقفة الأرمني خورين لوزينيان (1820 - 1892)، تلك الأحزان التي حاول الجندي القديس لونجينوس أن يخففها عن أم السيد المسيح والنساء القديسات اللواتي كن حاضرات عند أقدام الصليب، ويتألمن من التفكير بأن يسوع لا يزال حياً يعاني آلاماً رهيبة.أراد لونجينوس أن يريهم، أن يسوع قد مات بالفعل، لكي يهدأوا، ويخفف عنهنّ قليلاً، ولكي يُثبت لجميع الحاضرين أنه قد مات، فطعن جانبه برمح، فاخترق قلبه إلى أن وصل الى الجانب الأيسر، محققاً نبوءة زكريا، ومنذ ذاك الحين، اكتسب «رمح غيغارت» أو «رمح القدر» قداسته وقدرته على تغيير مصير العالم، ليستحق عناء رحلة الرسول «ثاديوس» لإحضاره إلى «دير غيغارت» أو «دير الرمح» المنحوت في قلب الصخر، هنا، في أرمينيا.دير غيغارت
لو مُنحتُ حريةً مطلقةً مُفعمةً بالفخر
لفضّلتُ يا أرمينيا عبوديتكِ السامية
لو مُنحتُ أوروبا الرائعة وطناً لي
لَبحثتُ عنكِ يا أرمينيا بكل أحزانكِ
ربما كان يقصد، في هذه القصيدة، الشاعر ورئيس الأساقفة الأرمني خورين لوزينيان (1820 - 1892)، تلك الأحزان التي حاول الجندي القديس لونجينوس أن يخففها عن أم السيد المسيح والنساء القديسات اللواتي كن حاضرات عند أقدام الصليب، ويتألمن من التفكير بأن يسوع لا يزال حياً يعاني آلاماً رهيبة.
أراد لونجينوس أن يريهم، أن يسوع قد مات بالفعل، لكي يهدأوا، ويخفف عنهنّ قليلاً، ولكي يُثبت لجميع الحاضرين أنه قد مات، فطعن جانبه برمح، فاخترق قلبه إلى أن وصل الى الجانب الأيسر، محققاً نبوءة زكريا، ومنذ ذاك الحين، اكتسب «رمح غيغارت» أو «رمح القدر» قداسته وقدرته على تغيير مصير العالم، ليستحق عناء رحلة الرسول «ثاديوس» لإحضاره إلى «دير غيغارت» أو «دير الرمح» المنحوت في قلب الصخر، هنا، في أرمينيا.
دير غيغارت
وفي دير غيغارت الذي يعد تجسيداً للصمود الروحي الأرمني والعبقرية التقنية، من وجود الرمح المقدس إلى الجمال المعقد للخاتشكار «حجر الصليب»، الذي يعبّر عن الإيمان والتاريخ والحرفية الأرمنية، بالإضافة إلى الصوتيات الأخاذة للمصليات الصخرية، لا يمكن فصل التاريخ عن الجغرافيا ولا الماضي عن الحاضر، ولا نزع المستقبل عن السياق.
ففي التاريخ، أُسس المجمع في الأصل في أوائل القرن الرابع على يد القديس غريغوريوس المنور، وهو بمنزلة شاهد رئيسي على تحوّل أرمينيا إلى المسيحية كأول دولة تعترف بالديانة عام 301 ميلادي، وهو الحدث الذي أعاد تشكيل المسار الثقافي والجيوسياسي للمرتفعات الأرمنية بشكل جذري.
وجغرافياً، يقع دير غيغارت ضمن المنحدرات الشاهقة لمضيق نهر آزات في محافظة كوتايك بأرمينيا، ويمثل أحد أرقى نماذج التمازج بين العبقرية المعمارية في العصور الوسطى والاندماج مع المناظر الطبيعية في العالم المسيحي. والمندمجة مع السياق الجيولوجي والبيئي لوادي نهر آزات.
أما في الحاضر، وفي أقدم كاتدرائية مسيحية في العالم، والمُدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو مع الكنائس والمواقع الأثرية المحيطة بها، «إتشميادزين»، فتستمع إلى إحدى هؤلاء السيدات اللواتي كن يتألمن عند أقدام الصليب، وهي ترتل الليتورجية الأرمنية في القبو الصخري «الزماتون العلوي» الذي صمم خصوصاً ليسمح للصوت بالانتقال بين المستويات، محولاً الجناح بالكامل إلى غرفة رنين للصلاة، حتى أنك تتخيل أن هذه الترانيم سيصل صداها إلى غابر العصور الوثنية التي يجسدها معبد غارني القابع على بعد بضعة كيلومترات من الدير، بينما تتبدد الأصوات الأخرى داخل قبو الدير إلى مجرد همهمات، حتى تلك الآتية من المبنى الوثني الوحيد الباقي في أرمينيا كشاهد على نهاية الحقبة الهلنستية وبداية العصر المسيحي.
معبد غارني
يعد معبد غارني تحفة معمارية يونانية - رومانية بُنيت في القرن الأول الميلادي بأمر من الملك تيريداتيس الأول، تكريماً لإله الشمس «ميهر»، تزين واجهته 24 عموداً تمثل 24 ساعة في اليوم، وسقف مثلثي مزوّد برؤوس أسود على الحواف. النقوش والزخارف المعقّدة المحفورة في البازلت الصلب تُبرز رقي الثقافة والعمارة الأرمنية القديمة.
على مر السنين، تعرّض معبد غارني للدمار جرّاء الزلازل، وأبرزها زلزال عام 1679. بعد جمع ودراسة بقايا المعبد بعناية، أُعيد ترميمه خلال 11 عاماً باستخدام نفس التقنيات والاهتمام بالتفاصيل للحفاظ على مظهره الأصلي.
يحمي المجمع وادٍ عميق من 3 جهات، مما يوفر منظراً خلاباً لنهر أزات وتشكيلات الصخور ذات الشكل الماسي المعروفة باسم سيمفونية الأحجار Symphony of Stones. التي تضفي نغماً خاصاً على المعزوفة الليتورجية ليُسمع صداها في أرجاء أرمينيا كافة، ويرقص على إيقاعها الجميع تصميماً على تبديد الأحزان.
سيمفونية الأحجار
تشكيلات البازلت العمودية، التي غالباً ما توصف بـ «سيمفونية الأحجار» لشبهها بأنابيب الأرغن. هذه الظاهرة هي نتيجة تبريد الحمم البركانية ببطء. وفرت هذه الهياكل الرأسية نموذجاً طبيعياً للأعمدة والدعامات الموجودة داخل عمارة الدير. كما كان توفر «الطوف» - وهو حجر بركاني خفيف ومسامي وسهل التشكيل - ضرورياً للمنحوتات المعقدة التي تزين المجمع. وفرت خصائص الطوف «المتنفسة» تحكماً طبيعياً في المناخ داخل الدير، مما أضفى تنوعاً بيولوجياً يعكس فلسفة العصور الوسطى التي نظرت إلى العالم الطبيعي كمرآة للنظام الإلهي.
الأم الأرمنية
أما للمستقبل، ومن أعلى تلة النصر، تراقب الأم أرمينيا العاصمة منذ عقود، لتحمي التاريخ والجغرافيا، بسيف ترفعه في غمده ودرع عند قدميها في رمزية إلى السلام النابع من القوة وتجسيداً للرمز الأنثوي للجمهورية، إذ يمثل عدد من الشخصيات النسائية في التاريخ الأرمني ممن دافعوا عن أرمينيا، بالإضافة إلى الأهمية التي توليها العائلة الأرمنية إلى الأم أو الجدة الأكبر سناً في العائلة، واللواتي يمثلن، في الثقافة الأرمنية، الركيزة الأساسية للأسرة ومحور الحفاظ على الهوية، واللغة، والتقاليد.
يتكون نصب «الأم أرمينيا» من تمثال نحاسي يرتفع لـ 22 متراً، ويضم قاعدة التمثال الضخمة متحفاً عسكرياً يستعرض تاريخ وزارة الدفاع الأرمينية ومشاركة الأرمن في الحرب العالمية الثانية وحرب ناغورني قره باغ ويقع على تلة عالية تطل على العاصمة يريفان، مما يجعله نقطة جذب رئيسية ومزاراً مهماً.
مدرج كاسكيد
يصل التماهي بين التاريخ والجغرافيا إلى ذروته على بعد دقائق من ساحة النصر، حيث مدرج كاسكيد الذي يعد إرثاً معمارياً من فترة الحكم السوفياتي، وتم بناؤه باستخدام حجر الترافرتين الأبيض المتوافر بكميات كبيرة تكفي لمثل هذا البناء الضخم.
ويتكون الكاسكيد من 5 مصاطب متصلة بـ 572 درجاً، ويبلغ ارتفاع المبنى 302 متراً، وعرضه 50 متراً، وتبلغ مساحته الإجمالية 13 هكتاراً بزاوية ميل 15 درجة. تُسمى المنصة العلوية بـ «التراس التذكاري»، وتضم نصب الذكرى الأربعين لأرمينيا السوفياتية بارتفاع 118 متراً. تتكون المصطبة من منطقة محاطة بـ 15 عموداً تعكس التراث التاريخي لأرمينيا. كل طابق وقطاع من السلالم الخارجية هو عمل فني فريد.
وتمتد هذه المنطقة المعمارية كمتنزه مفتوح للفن الحديث، محاطة بحديقة تحتوي على أعمال نحتية لفنانين مشهورين عالمياً، مثل لين تشادويك (النحات البريطاني)، وباري فلاناغان (النحات الويلزي)، وستانيسلاف ليبينسكي وياروسلافا بريختوفا (الثنائي التشيكي)، وبول كوكس (النحات الإنكليزي)، وجاوم بليسا (الفنان والنحات الإسباني الكتالوني)، وفرناندو بوتيرو (الفنان الكولومبي).
ويحتوي الكاسكيد أيضاً على تمثال مخصص لألكسندر تامانيان، المهندس المعماري البارز في يريفان، الذي أنشأه أرتاشيس هوفسيبيان عام 1974. يُظهر التمثال تامانيان منحنياً فوق لوح ضخم مستند على حجرين صغيرين، يرمز اليسار إلى الهندسة المعمارية القديمة واليمين إلى فترة جديدة من العمارة، مما يجسد دور تامانيان في بناء يريفان الحديثة.
سويسرا أرمينيا
في أعالي الجبال، يتجلّى السحر القوقازي في أبهى صوره، ليمنح دليجان لقب سويسرا أرمينيا بفضل غاباتها الكثيفة وامتزاج الطبيعة البكر بالتجارب الثقافية والبيئية الحديثة لتقدم نموذجاً متقدماً للسياحة المستدامة في المنطقة، في رحلة إلى المستقبل السياحي لأرمينيا.
أما ماضيها، فتجسده البلدة القديمة بتجربة متكاملة تجمع بين التراث، والثقافة، والفن، والطبيعة البشرية، وتمتد الأزقة المرصوفة بالحجارة بين المنازل الحجرية التقليدية المزخرفة بالخشب والنقوش الدقيقة، وورش الحرفيين المحليين، حيث يمكن متابعة صناعة المشغولات اليدوية، مثل النقش على الخشب، الفخار، والحرف الجلدية، ما يوفر تجربة تفاعلية تعكس التراث الحي للمنطقة.
جوهرة أرمينيا
بحيرة سيفان أو جوهرة أرمينيا تقع على ارتفاع يقارب 1.900 متر فوق مستوى سطح البحر، وتعد أكبر بحيرة للمياه العذبة في أرمينيا ومنطقة جنوب القوقاز.
ونشأت البحيرة نتيجةً للنشاط البركاني لسلسلة جبال جيغاما. وقد شكّل الثوران البركاني سداً في وادي النهر القديم قبل حوالي 250 ألف عام. وامتلأت الحفرة الناتجة بالرواسب البركانية من التلال المحيطة، ثم لاحقاً بمياه النهر.
وتقع هذه الجوهرة الطبيعية في قلب المرتفعات الأرمينية، في وادٍ جبلي شاسع تحيط به قمم خلابة على ارتفاع 1900 متر. تبلغ مساحة سطح البحيرة 940 كيلومتراً مربعاً، وأقصى عمق لها 95 متراً، وطولها الأقصى حوالي 70 كيلومتراً، وعرضها يتراوح بين 30 و50 كيلومتراً. تتغذى سيفان من 28 نهراً، لكن نهراً واحداً فقط يصب فيها، وهو نهر رازدا. أما أكبر نهر يصب في البحيرة فهو نهر مايريك.
الحياة البرية
يعد المنتزه الوطني في ديليجان واحداً من أبرز الكنوز الطبيعية في أرمينيا، ويمتد على مساحة تقارب 34 ألف هكتار من الغابات الكثيفة التي تتدرج بين سفوح جبال بامباق وأريغوني وميابور، على ارتفاع يتراوح بين 1070 و2900 متر فوق مستوى البحر. ويشكل هذا المنتزه موطناً غنياً بالتنوع البيولوجي، إذ تغطيه غابات البلوط والزان والأرز الجبلي، إلى جانب نباتات نادرة مثل شجرة الطقس الموروثة ورودودندرون القوقاز. أما الحياة البرية فتزدان بأنواع مثل الدب البني، والوشق، والغزال الأحمر، إضافة إلى مجموعة من الطيور المهاجرة والنسر الذهبي الذي يعد رمزاً للطبيعة الحرة في المنطقة.
ركوب الخيل
حتى تجربة الحياة البرية في أرمينيا، فلا يمكن فصلها عن السياق التاريخي للدولة، إذ توفر منطقة ميغرادزور تقاليد ركوب الخيل إلى وحدات الفرسان القديمة التي دافعت ذات يوم عن الممرات الجبلية ضد عدد لا يحصى من الغزاة، لكن كنشاط سياحي ممتع وسط الطبيعة الساحرة، التي تتميز بإطلالات جبلية خضراء خلابة، وأجواء ريفية هادئة بعيدة عن صخب المدن.
وادي الزهور
تساغكادزور، المنطقة السياحية الرئيسية في أرمينيا التي تتميز بالنشاط الجبلي المحاط بالغابات، التي يمكن استكشافها بتلفريك يوفر مغامرة على سفوح جبل تغنيس بارتفاعات تتراوح بين 1966 و2819 مترا فوق مستوى سطح البحر فوق مناظر خلابة للجبال والوديان المحيطة، كما توفر المنطقة تجربة الانزلاق بالحبل zipline للتحليق فوق التضاريس الخلابة للجبال الأرمينية.
نحو الإنسانية
وأكثر من ذلك، في تجربة سياحية متكاملة تجمع بين الطبيعة الخلابة والتراث الثقافي الغني والمعالم التاريخية، في دولة عريقة، تقع في منطقة القوقاز الجنوبية وتعتبر نقطة التقاء بين أوروبا وآسيا.
وعلى الرغم من حجمها الصغير، فإن أرمينيا تتمتع بتاريخ غني وثقافة متنوعة، كما تمتلك أبجدية من أكثر الأبجديات تطوراً، كما تُعرف بـ «أرض الكنائس» لوجود أكثر من 4000 كنيسة فيها، من بينها بعض أقدم الكنائس في العالم.
كل هذا التاريخ الآتي من وراء القوقاز، كان لا بد أن يصطدم، في رحلته نحو السلام، بالكثير من التحديات، التي كان لا بد أن يتجاوزها شعب متصلاً بجذوره التاريخية التي تمتد لأكثر من 4000 عاماً في المنطقة كشعب الـ «هاي»، أو رسول يحمل «رمحاً للقدر» وتحرسه النبوءة.


































