اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ١٨ أيلول ٢٠٢٦
عندما تتأمل حركة السير في أي مدينة حديثة اليوم، يتسلل إليك شعور غريب بالرتابة. السيارات التي تتنافس في سبتمبر على حمل أحدث أرقام السنوات، تبدو أحيانًا وكأنها خرجت جميعًا من قالب واحد. خطوط انسيابية متشابهة، مصابيح حادة، شاشات ضخمة، وواجهات رقمية تكاد تتكرر من سيارة إلى أخرى. المفارقة أن السباق المحموم نحو الحداثة والتكنولوجيا، الذي كان يفترض أن يمنح السيارات مزيداً من التميز، ساهم في بعض الأحيان في إذابة الفوارق بينها.
في الماضي، كان من الممكن تمييز السيارة من بعيد، وربما من دون رؤية شعارها أصلاً. شكل المصابيح، انحناءة الهيكل، صوت المحرك، استجابة ناقل الحركة، وحتى قسوة التعليق أو نعومته، كانت جميعها تعبّر عن شخصية هندسية واضحة. لم تكن السيارة مجرد وسيلة نقل، بل انعكاساً لفلسفة الشركة التي صنعتها. أما اليوم، فقد أصبحت التجربة أكثر تقارباً؛ فالتكنولوجيا المشتركة، والمنصات الهندسية المتشابهة، والمكونات التي تستخدمها أكثر من علامة، جعلت الحدود بين الشخصيات أقل وضوحاً.
ولم يكن هذا التشابه وليد المصادفة. فمتطلبات السلامة، وتحسين الديناميكية الهوائية، وخفض استهلاك الطاقة والانبعاثات، فرضت على المصممين قيوداً مشتركة. ومع تطور السيارات الكهربائية، أصبحت هذه المعادلة أكثر وضوحاً، إذ لم يعد تصميم السيارة متعلقاً بالمحرك وحده، بل بموقع البطاريات، وأجهزة الاستشعار، وإدارة الحرارة، وتحقيق أعلى كفاءة ممكنة. وفي نهاية الطريق، قد تصل شركات مختلفة إلى حلول متقاربة، لأن الهندسة نفسها تفرض بعض الإجابات.
ثم انتقلت المنافسة إلى داخل المقصورة. الشاشة الكبيرة أصبحت عنصراً شبه أساسي، وأنظمة الاتصال والذكاء والمساعدة على القيادة باتت متاحة في فئات عديدة، بينما اختفت تدريجياً بعض الأزرار والمفاتيح، التي كانت تمنح كل مقصورة طابعها الخاص. وأصبح من السهل مقارنة السيارات بالأرقام: حجم الشاشة، قوة المحرك، سرعة الشحن، عدد أنظمة السلامة، والمدى الكهربائي. لكن كيف يمكن قياس الإحساس، الذي تمنحه سيارة دون أخرى؟
هنا تحديداً تظهر مشكلة «السيارات بلا روح». وهي لا تعني أن السيارة سيئة، بل ربما العكس تماماً. السيارات الحديثة أكثر أماناً، وأكثر كفاءة، وأكثر تطوراً من أي وقت مضى. لكن عندما تصبح التكنولوجيا هي اللغة المشتركة بين الجميع، يصبح التحدي الحقيقي هو الحفاظ على شخصية يمكن التعرّف إليها وتذكرها.
فالسيارة الناجحة ليست بالضرورة الأكثر تجهيزاً، ولا صاحبة أكبر شاشة أو أطول قائمة من المواصفات. أحيانًا تكون السيارة، التي تبقى في الذاكرة، هي التي تمنح صاحبها إحساساً لا يستطيع وضعه في جدول مقارنة.
وهنا تبدأ المفارقة الأصعب: إذا كانت الشركات تستثمر الملايين لتقديم أحدث التقنيات وأرقى المواصفات في طرازاتها، فلماذا تفشل بعض هذه السيارات «الممتازة» تجارياً في الشارع؟ وكيف يمكن لقرار تصميمي واحد أو هفوة هندسية صغيرة أن تدمّر نجاح طراز مكتمل الأركان؟ لأن المشكلة أحياناً لا تكون في السيارة، التي صنعتها الشركة، بل في القرار الذي جعلها تبدو كما لو أنها لم تعد تعرف من تكون.
مشعل يوسف الصفران


































