اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٥ أب ٢٠٢٦
أمجد جمال:
ليست كل البدايات تحتاج إلى ضجيج حتى تُلفت الانتباه، أحيانًا يكفي أن يمتلك الفنان صوتًا صادقًا، ورؤية واضحة، وشخصية تتشكل بثقة، ليترك انطباعًا بأننا أمام مشروع يستحق المتابعة. وهذا تحديدًا ما يقدمه المطرب يوسف السعدون في ألبومه القصير الأول «معاك الحق»، المؤلف من ست أغانٍ، والذي يبدو أقرب إلى بطاقة تعريف فنية.
يوسف بدأ رحلته الغنائية عبر الفضاء الرقمي، مقدمًا أغنيات Cover لمطربين آخرين على منصات التواصل ولاقت قبول كبير عند المتابعين، واكتسب منها الخبرة العملية؛ حتى أصدر أغنيته السينجل «كل الخير» عام 2021 وتعاون فيها مع أسماء كبيرة في صناعة الأغاني الكويتية. ثم خطف القلوب عندما شارك في برنامج اكتشاف المواهب «إكس فاكتور» عام 2023، حتى وصلنا اليوم لنقطة إطلاق مشروع خاص مكتمل.
منذ الاستماع الأول للألبوم الذي أنتجته شركة «ستارت ميوزك»، يتضح أن الرهان الأساسي هو على بناء الهوية الموسيقية والغنائية، فصوت يوسف يمتلك دفئًا واضحًا، لا يعتمد على الاستعراض، وإنما على الإحساس والهدوء والقدرة على إيصال المعنى، وهو من الأصوات التي تمنح الأغنية مساحة للتنفس، بعيدًا عن المبالغة في الأداء أو الزخارف المجانية.
وسط الساحة الكويتية، يكتسب هذا الإصدار أهمية إضافية، فمنذ سنوات تعاني الأغنية الكويتية من تراجع واضح في عدد الأصوات الشابة القادرة على الاستمرار، مقارنة بما كانت عليه في عقود سابقة، أو مقارنة بالحراك الغنائي في بعض دول الخليج الأخرى، لذلك فإن ظهور مطرب يمتلك الموهبة والطموح والثقافة الموسيقية لا يمثل نجاحًا شخصيًا فحسب، بل ينعش المشهد الغنائي الكويتي بأكمله، ويمنحه دماءً جديدة يحتاج إليها بشدة.
الألبوم صدر بإشراف فني للموسيقار عبد الله القعود، ويتكون من ست أغنيات تتنقل بين العتاب، والندم، والخذلان، والبحث عن الذات بعد علاقة عاطفية فاشلة، وصدرت أغنيات الألبوم بتتابع في الثلث الأخير من الشهر الجاري، صاحبها مقاطع مصورة مع مراعاة الحفاظ على هوية صوتية موحدة.
«معاك الحق».. الانفصال العقلاني
افتتحت أغنية «معاك الحق» ألبوم يوسف السعدون، وتتناول فكرة التخلي الشجاع والانفصال العقلاني المعجون بالأسى، حيث كتب الشاعر شافي السبيعي نصاً بليغاً عن بطل يشعر بخيبة الأمل في الحبيب الذي نكث بعهود الوفاء، ولكنه لا يسقط في فخ التوسل أو الضعف أو التمسك بل يترك له الباب مفتوحا، حيث يفتتح السعدون الأغنية بعبارة غير متوقعة تؤسس لكبرياء المتكلم: «معاك الحق وبكيفك ولا أنت بعشرتي مجبور».
لحن ياسر بوعلي اعتمد على الطرب الهادئ، مُستغلاً الدفء التعبيري في صوت يوسف السعدون لخدمة الدراما والكلمات، فيبدأ اللحن من مقام البياتي من درجته الأصلية (ري) في المطلع ليُضفي طابعاً شجياً، خصوصا حين تستقر الجملة في «ولا أنت بعشرتي مجبور» ليعكس الهدوء والكبرياء في تقبل الفراق.
لكن اللمحة الذكية تكمن في تلاعبه المتقن بالجنس الفرعي للمقام في منتصف الكوراس «أعيش وما استحى قلبي»؛ حيث يصنع جنس راست على الدرجة الرابعة للمقام بدلا من النهاوند، وهو التحول اللحني المرن الذي ينقلنا إلى مقام الحُسيني (أحد فروع البياتي الغنية بالشجن)، بينما يقدم الموزع خالد عز توليفة موسيقية مؤثرة تجمع بين الوتريات الشرقية والناي وإيقاعات الرومبا الخليجية.
«مالك بالطويلة».. الحبيب العائد
دراما غنائية صادقة عن الحبيب العائد والنادم؛ حيث الاعتراف بالخطأ والرغبة الصريحة في تصحيحه، بكلمات رقيقة كتبها منصور الواوان تعمر في الذاكرة سريعاً، وتتجلى هذه البلاغة في عبارته الآسرة: «والله لو يرضيك إني أعتذر.. لطرز القلب اعتذار وأرسله»، حيث تحول الاعتذار من مجرد كلام عابر إلى مجسم فني مشغول بدقة وصبر.
لحن عبد الله القعود يترجم تلك النبرة الاعتذارية في تصاعدات محسوبة من مقام الكرد على درجة (صول)، اللحن ينجح في التحرر نغميا من نظام الرباعيات التي فرضها الأسلوب الشعري؛ فيخلق مساحة تعبير أكبر لأداء السعدون الذي يضع كل عُربة وكل إحساس في مكانه الصحيح، فيما تميّز توزيع «براك المطوع» بالتداخل السلس لمردات الجيتار والبيانو والكيبورد والناي وراء الإيقاع الخبيتي الذي يغلف الأغنية، مع إحكام واضح في خطوط الوتريات التي تتصاعد من حين لآخر، وتوظيف ممتاز لأصوات الكورال.
«وتتودد».. نيران الغيرة تتصاعد
تطرح أغنية «وتتودد» موضوع الغيرة والصراع النفسي الناتج عن تهاون الحبيب في مراعاة مشاعر شريكه جراء التودد للآخرين، واعتمد النص الشعري لـ«الغيم» على لغة مواجهة قوية تتسم بالمباشرة في وصف مشهد المزاح مع الآخرين وتجاهل المشاعر الخاصة للشريك. السرد يزداد إثارة حين يحدث التصعيد من اتهام بالتودد، لاتهام بالتعمد، في: «أحس مرات تتعمد فـي نار الغيرة تحرقني».
لحن عبدالقادر الهدهود يقع في مقام الكرد من درجة (سي بيمول)، لحن يتسم بالحيوية والحركة دون إهمال للشق التعبيري. ويزداد سحره بأصوات الكورال الخلّابة التي أضافها الموزع براك المطوع في قطعة موسيقية ثرية، مع حاضنة وتريات دسمة، يؤطرها بفواصل الكمان الحسّاسة.
«تبي أكثر».. عطاء بلا حدود
أغنية «تبي أكثر» كتبها الشاعر عمر الكندري وتقوم على عتاب رقيق بين بطل الأغنية والحبيب، يمتزج باستعراض المحبة، حيث يطرح شعور الشريك المخلص الذي يسخّر كل طاقته وعاطفته وعطاؤه المطلق لحبيبه، لكنه يقابل بأن هذا لا يكفي. تقدم الأغنية حالة حب صادقة ومتسامحة ومتسامية فوق التعقيدات المشهورة عن العلاقات، فالبطل لا يُقابل شعور التقصير برد فعل فيه جفاء، بل بإعلان استعداده لمنح المزيد من العطاء، بأسلوب سمح في البيت الختامي: «وإذا تشوفني مقصر أنا آسف يجيك أكثر».
لحن إبراهيم الغانم يتصاعد على مقام الكرد من درجة (مي)، بمنعطفات لحنية محسوبة في تعبيرها عن مزيج الحيرة والعتاب الذي تحركه المحبة لا الخصومة. أداء يوسف السعدون به ثقة واستيعاب رائع لمعنى كل نبرة لحنية وكل قفزة نغمية، ومن ثم فهو أداء قادر على إيصال المشاعر بذكاء ودون تكلف. فيما اتسم التوزيع الموسيقي لعدنان عبدالله بأصوات أكثر إشراقا مقارنة بكل أغنيات الألبوم، والفضل يعود للمسات الجيتار الكلاسيكي وتداخلها المحسوب مع الآلات الشرقية والإيقاعات الخليجية.
«أجمع شتاتي».. رحلة التعافي
إذا كان الألبوم يقدم أكثر من حالة عن العلاقات العاطفية، فإن «أجمع شتاتي» تمثل ذروته الأدبية والشعرية. فهي الأغنية التي تتفوق بوضوح في ثراء استعاراتها وصورها البلاغية، إذ صاغ الشاعر بدر عبد العزيز نصًا يفيض بالشجن، لا يكتفي بسرد تجربة الانكسار، بل يحولها إلى رحلة لإعادة بناء الذات بعد علاقة عاطفية فاشلة.
وتتجلى هذه الجماليات منذ المطلع، عندما يقول:
«بجمع شتاتي وباقي النجمات
وأحلّق في فضى نفسي ولا برجع
برتبني وأرتب ما مضى والفات».
لحّن إبراهيم الغانم الأغنية على مقام الكرد على درجة صول، مستثمرًا الطبيعة الشجية للمقام في التعبير عن حالة الترميم النفسي التي تدور حولها الكلمات. يبدأ اللحن بهدوء وتأمل، قبل أن يتصاعد تدريجيًا حتى يبلغ ذروة انفعاله في جملة الكوراس «تحملتك جفى وطعون...»، حيث يتحول الألم المكتوم إلى انفجار. أما عدنان عبدالله، فقدم توزيعًا حافظ على الهوية الخليجية للأغنية، مرتكزًا على إيقاع الخبيتي، مع توظيف مؤثر للكورال والوتريات الشجية.
وأيضا، يستحق الفيديو كليب الإشادة، إذ اختار ترجمة فكرة «لملمة شتات النفس» إلى لغة بصرية ذكية واقتصادية. بعيدًا عن الإنتاج الضخم أو الرموز المعقدة.
«بعد أحبك».. قوة الاعتراف بالحب
يختتم الألبوم بأغنية «بعد أحبك»، ختام رومانسي بتوقيع العنصر النسائي، حيث تقدم الشاعرة رزان مشهدًا عاطفيًا بسيطًا لكنه بالغ التأثير؛ لحظة يسمع فيها الحبيب اعتراف محبوبته بالحب للمرة الأولى، فيمتلئ وجدانه بالفرح إلى حد يعجز معه عن النوم أو التفكير في أي شيء آخر. ويتجلى هذا المعنى منذ المطلع، في «بعد أحبك ودي أعرف كيف تبغاني أنام وأنت تدري كم لي أنطر كلمة أحبك كثير».
أيضا تقدم الملحنة سماوه خالد الشيخ لحنًا يسبح في الرومانسية، مستندة إلى مقام النهاوند على درجة ري بما يحمله هذا المقام من عاطفة جياشة تناسب لحظة الاعتراف بالحب. يبدأ يوسف السعدون الغناء من هذه المساحة بصوت حالم، معبرًا عن دهشة العاشق بعد أن سمع كلمة «أحبك» التي طال انتظارها. لكن اللحن لا يبقى في الحالة نفسها؛ إذ ينتقل بذكاء إلى مقام البيات على درجة لا في جملة الكوراس: «كنت أشوفك من بعيد»، ليضفي مسحة شجن تستحضر ذكريات التعلق القديمة للعاشق قبل أن يتحول حلمه إلى حقيقة. ثم تفاجئنا سماوه بلمسة خاطفة من مقام الصبا في عبارة «كنت أخبي عنك حزني»، في التفاتة موسيقية مؤثرة تكثف الإحساس بالألم الذي يسبق لحظة الوصال، ويبرع السعدون في التتقل بين هذه المقامات بسلاسة وتمكن، قبل أن يعود اللحن إلى دفئه الأول، محافظًا على انسجامه الدرامي وتدفقه العاطفي.


































