اخبار المغرب
موقع كل يوم -الأيام ٢٤
نشر بتاريخ: ٦ كانون الثاني ٢٠٢٦
أعادت التساقطات المطرية الأخيرة التي شهدتها عدة مدن مغربية فتح نقاش قديم-جديد حول اختيارات الدولة في مجال التنمية وتوزيع الاستثمارات العمومية، بعد أن تحولت شوارع وأحياء سكنية إلى برك مائية، وتوقفت الحركة الاقتصادية في بعض المناطق، في مشهد يتكرر مع كل موسم مطري تقريبا.
هذه الوقائع دفعت جمعية “أطاك المغرب” إلى توجيه انتقادات حادة لما وصفته باختلال واضح في ترتيب الأولويات، معتبرة أن ما كشفته الفيضانات لا يمكن فصله عن ضعف بنيوي في شبكات الصرف الصحي، والطرق، والتجهيزات الأساسية، خاصة في الأحياء الهامشية والمدن المتوسطة.
وترى الجمعية أن الدولة أظهرت قدرتها التقنية والمالية على إنجاز مشاريع عالية الجودة حين يتعلق الأمر بالبنيات المرتبطة بالواجهة الدولية، وعلى رأسها الملاعب والمنشآت الرياضية الكبرى، في مقابل تساهل واضح عندما يتعلق الأمر بالبنيات الأساسية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.
وتعتبر “أطاك” أن الفارق لا يكمن فقط في المستوى التقني، بل يعكس منطقا تمييزيا في تدبير الاستثمار العمومي، قوامه – حسب تعبيرها – أن “حيث توجد كاميرات العالم تُحترم دفاتر التحملات وتُصرف الميزانيات بسخاء، وحيث تغيب الأضواء يسود الارتجال وتقليص الكلفة”، وهو ما يفسر، في نظرها، قدرة ملعب على امتصاص مياه الأمطار، مقابل مدن تختنق بها.
الجمعية شددت على أن غرق عدد من المدن لا يمكن اختزاله في تغيرات مناخية استثنائية، بل يعكس هشاشة هيكلية في التخطيط الحضري وضعف الصيانة والاستباق. واستحضرت في هذا السياق ما شهدته مدن مثل برشيد وآسفي، حيث غمرت المياه أحياء كاملة وتوقف النشاط التجاري، نتيجة قنوات صرف غير مؤهلة وغياب تدخل سريع وفعال من الجهات المعنية.
وتؤكد “أطاك” أن فشل شبكات التطهير السائل في استيعاب كميات محدودة من المياه يطرح علامات استفهام حول نجاعة الاستثمارات المنجزة، وحول مدى احترام معايير الجودة في إنجاز الأشغال العمومية.
في مقابل هذا الواقع، تستحضر الجمعية أرقام الميزانيات المخصصة للمنشآت الرياضية، معتبرة أنها تعكس بوضوح أولوية سياسية موجهة نحو المشاريع ذات الطابع الرمزي. فقد رُصد، بحسب البلاغ، حوالي 1.1 مليار درهم في ميزانية 2026 لتطوير المنشآت الرياضية في إطار التحضير لكأس العالم 2030، إضافة إلى 500 مليون درهم لملاعب القرب داخل المؤسسات التعليمية، فضلًا عن تخصيص نحو 1.97 مليار درهم في ميزانية 2024 لبناء وتأهيل الملاعب الكبرى.
وفي المقابل، تشير “أطاك” إلى أن المساعدات المخصصة لإعادة بناء المنازل المتضررة من زلزال مدمر لم تتجاوز 4.6 مليار درهم، بينما فاقت الاعتمادات الموجهة لتجهيز الملاعب 20 مليار درهم، إضافة إلى توجيه أكثر من نصف الميزانية العامة لسنة 2024 نحو مشاريع البنية التحتية الكبرى.
ورغم تسجيل الرفع من ميزانيتي الصحة والتعليم إلى حوالي 140 مليار درهم سنة 2026، ترى الجمعية أن أثر هذه الزيادات ما يزال محدودًا على أرض الواقع، في ظل استمرار خصاص حاد في الموارد البشرية والتجهيزات، خاصة في المناطق القروية والنائية، وما يرافق ذلك من احتجاجات اجتماعية متكررة.
وتخلص “أطاك المغرب” إلى أن المفارقة بين ضخامة الاستثمارات في مشاريع الواجهة، واستمرار هشاشة البنيات الأساسية، تطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة النموذج التنموي المعتمد، وحول ما إذا كانت الدولة تراهن على الصورة والتموقع الدولي أكثر من رهانها على تحسين شروط عيش المواطنين وتعزيز صمود المدن في وجه المخاطر المتوقعة.



































