اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
وليد منصور -
قال تقرير حديث إن الشركات العائلية في الشرق الأوسط تعيد صياغة قواعد الاستدامة وطول العمر، من خلال تبنّي نماذج حوكمة احترافية، تمزج بين الإدارة المؤسسية والقيم العائلية المتجذّرة، بما يمكّنها من بناء مؤسسات لا تهدف إلى النمو فقط، بل إلى الاستمرارية عبر الأجيال.
وأوضح تقرير لمجلة «أنتربرينيور» Entrepreneur أن الشركات العائلية لطالما شكّلت العمود الفقري لاقتصادات الشرق الأوسط، إذ تمتد أنشطتها من تجارة التجزئة والضيافة إلى الإنشاءات والتصنيع والخدمات المهنية، ولا تزال العديد من أنجح شركات المنطقة مملوكة لعائلات، ومتوارثة عبر أجيال متعددة، ومرتبطة ارتباطًا وثيقًا بهوية الأسرة.
وأضاف التقرير أن تحوّلًا مهمًا بات واضحًا في المشهد الإقليمي، حيث لم تعد الشركات العائلية مضطرة للاختيار بين التقاليد والتحوّل المؤسسي، بل تعمل على إعادة تعريف العلاقة بينهما، بما يسمح بتعايشهما في نموذج متوازن ومستدام.
الاحتراف المؤسسي
وأشار إلى أنه على المستوى العالمي تتجه الشركات العائلية نحو الاحتراف المؤسسي، عبر تعيين قيادات تنفيذية خارجية، وإنشاء هياكل حوكمة رسمية، وتطوير أنظمة لإدارة الأداء وخطط للخلافة، غير أن التجربة في الشرق الأوسط تتسم بنهج مختلف في التطبيق.
وبيّن التقرير أن العديد من الشركات العائلية في المنطقة لا تتجه إلى إقصاء العائلة عن الإدارة أو فصل الملكية عن القيادة، بل تعتمد نموذجًا هجينًا، يقوم على الاحتراف المؤسسي حول العائلة لا على حسابها.
وذكر أن مجالس الإدارات باتت تضم أعضاء مستقلين، في حين يواصل المؤسسون وقادة الجيل التالي لعب دور محوري في تحديد الرؤية والقيم، كما أصبحت الدساتير العائلية وأطر الحوكمة أكثر انتشارًا، لكنها تُصمَّم بعناية للحفاظ على وحدة العائلة وإرثها وآليات اتخاذ القرار.
وأكد التقرير أن هذا التوازن ليس عشوائيًا، إذ ترى الشركات العائلية في الشرق الأوسط أن الاحتراف المؤسسي لا يعني التحوّل إلى نماذج مؤسسية بحتة، بل تعزيز القدرة على الصمود مع الحفاظ على القيادة العائلية.
فلسفة مختلفة للخلافة
ولفت التقرير إلى أن أحد أبرز أوجه الاختلاف عن النماذج العالمية، يتمثل في فلسفة الخلافة القيادية، ففي كثير من الأسواق تُعامل الخلافة باعتبارها حدثًا مفاجئًا، بينما تُنظر إليها في الشرق الأوسط بوصفها عملية طويلة الأمد تمتد على سنوات.
وأوضح أن العائلات تستثمر في وقت مبكر في إعداد الجيل القادم للقيادة، عبر إشراكهم في مختلف قطاعات الأعمال، وإتاحة فرص العمل في الأسواق الدولية، بل وحتى تشجيعهم على خوض تجارب مهنية خارج نطاق الشركة العائلية قبل تولي مناصب قيادية عليا.
وأضاف أن المسميات الوظيفية قد تتغير ببطء، إلا أن النفوذ والمسؤوليات تُوزّع في وقت مبكر، بما يضمن الاستمرارية ويحد من الاضطرابات.
نهج حذر في رأس المال
وأشار التقرير إلى اختلاف آخر يتعلق باستراتيجيات رأس المال، حيث تميل العديد من الشركات العائلية في الشرق الأوسط إلى الحذر في مسألة تخفيف الملكية، مقارنة ببعض نظيراتها العالمية، التي تلجأ إلى ذلك بوتيرة أسرع لتحقيق النمو.
وبيّن أن النمو مرحّب به، لكنه لا يأتي على حساب السيطرة أو الاستقرار الطويل الأجل، وهو ما يعكس ذهنية مختلفة تقيس القيمة ليس فقط بالعائد المالي، بل بالقدرة على الاستمرار.
التقاليد كميزة تنافسية
وأوضح التقرير أن أكثر الجوانب التي يُساء فهمها في الشركات العائلية بالشرق الأوسط هو دور التقاليد، إذ غالبًا ما تُصوَّر على أنها عائق أمام الابتكار، بينما تُظهر التجربة العملية عكس ذلك.
فبحسب التقرير، تسهم الهوية العائلية القوية في تعزيز الثقة، ودعم آفاق الاستثمار الطويل الأجل، وتمكين القيادة الحاسمة في أوقات عدم اليقين، لا سيما في منطقة تشهد تغيرات اقتصادية وتنظيمية وجيوسياسية متسارعة.
وأضاف أن أنجح الشركات العائلية هي تلك التي تتعامل مع التقاليد، باعتبارها بوصلة ترشد القيم ولا تقيد الطموح.
ملامح المرحلة المقبلة
وتوقّع التقرير أن يشهد مستقبل الشركات العائلية في الشرق الأوسط ثلاثة تحولات رئيسية، أولها أن تصبح الحوكمة أكثر تنظيمًا ووضوحًا، من خلال توثيق صلاحيات اتخاذ القرار وآليات حل النزاعات ومسارات القيادة.
أما التحول الثاني فيتعلق باستراتيجيات المواهب، حيث يتطلع الجيل الجديد إلى التقدم على أساس الكفاءة والشفافية والمرونة، مؤكدًا أن الشركات القادرة على استقطاب الكفاءات الخارجية والاحتفاظ بها هي تلك التي توفر وضوح الأدوار والتمكين والفرص الطويلة الأجل.
في حين يتمثل التحول الثالث في بدء التخطيط للخلافة في وقت أبكر وبنطاق أوسع، بحيث لا تقتصر القيادة المستقبلية على خليفة واحد، بل على فرق قيادية تجمع بين أفراد العائلة والتنفيذيين من خارجها.
خمس توصيات عملية
سلّط التقرير الضوء على خمس ممارسات عملية تميّز الشركات العائلية الناجحة، أبرزها:
1- الفصل بين الحوكمة والإدارة لتوضيح الصلاحيات وتقليل الاحتكاك.
2 - البدء المبكر في مناقشات الخلافة.
3 - تعزيز الاحتراف المؤسسي دون إضعاف الهوية العائلية.
4 - الاستثمار في القيادات التنفيذية من خارج العائلة.
5 - إعادة تعريف النجاح بما يتجاوز الأداء المالي القصير الأجل ليشمل السمعة والاستدامة وحسن الرعاية.
نموذج للاستدامة
اختتم التقرير بالتأكيد على أن الشركات العائلية في الشرق الأوسط تعيد صياغة مفاهيم التغيير والتحوّل وفق شروطها الخاصة، عبر الجمع بين الحوكمة الاحترافية والقيم الراسخة، لبناء مؤسسات مصمّمة للاستمرار.
وأضاف أنه في وقت تركّز فيه العديد من الشركات عالميًا على السرعة، تواصل الشركات العائلية في المنطقة التركيز على الاستدامة، وهو ما قد يشكّل أعظم ميزة تنافسية لها في ظل الاقتصاد العالمي المتقلب.


































