اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ١٧ حزيران ٢٠٢٦
د.ولاء حافظ -
لم يعد التعامل مع الاكتئاب يقتصر على الأدوية والعلاج النفسي فقط، إذ تتزايد الأدلة العلمية التي تؤكد أن ما نأكله يومياً، وكيف نعيش ونتحرك وننام، يمكن أن يكون له تأثير مباشر في الصحة النفسية والمزاج. وخلال السنوات الأخيرة ظهر تخصص جديد يعرف باسم «الطب النفسي التغذوي»، يدرس العلاقة بين الغذاء ووظائف الدماغ والصحة النفسية، ويبحث في كيفية توظيف التغذية السليمة ونمط الحياة الصحي كجزء من الخطة العلاجية لمرضى الاكتئاب.
وفي مقابلة نشرتها مجلة Psychiatric Times مع الباحثة الأسترالية فيليس جاكا، الحاصلة على وسام أستراليا ودرجة الدكتوراه، وأستاذة في جامعة ديكين، قالت: إن الأدلة العلمية أصبحت أكثر قوة من أي وقت مضى في ربط نوعية الغذاء بالصحة النفسية، وإن تحسين النظام الغذائي قد يساعد في تخفيف أعراض الاكتئاب والقلق لدى كثير من الأشخاص، إلى جانب العلاجات الطبية المعتمدة. وأكدت أن الغذاء ونمط الحياة سلاحان مهمان في مواجهة الاكتئاب.
◄ الأمعاء والدماغ.. علاقة وثيقة
يشير الخبراء إلى أن الأمعاء ليست مجرد عضو للهضم، بل تضم مليارات البكتيريا النافعة التي تتواصل باستمرار مع الدماغ عبر ما يعرف بـ«محور الأمعاء و الدماغ».
وأوضحت د. جاكا ان هذه الكائنات الدقيقة تساعد في إنتاج مركبات وناقلات عصبية تؤثر في المزاج والسلوك، مثل السيروتونين، الذي يطلق عليه «هرمون السعادة» ولهذا فإن نوعية الغذاء تؤثر بشكل غير مباشر في الحالة النفسية من خلال تأثيرها في صحة الأمعاء والالتهابات المزمنة ووظائف الدماغ.
◄ النظام المتوسطي يتصدر المشهد
أجمعت عدة دراسات ومراجعات علمية حديثة على أن النظام الغذائي المتوسطي يعد من أكثر الأنماط الغذائية ارتباطاً بتحسن الصحة النفسية وتقليل أعراض الاكتئاب. ويعتمد هذا النظام على الإكثار من الخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة والمكسرات وزيت الزيتون والأسماك، مع الحد من السكريات والوجبات السريعة والأطعمة الفائقة التصنيع.
وأظهرت دراسة حديثة نشرت في PubMed التابع للمكتبة الوطنية الأمريكية للطب أن زيادة الالتزام بالنظام الغذائي المتوسطي مع خفض استهلاك الأغذية الفائقة التصنيع ارتبط بانخفاض ملحوظ في أعراض الاكتئاب على المدى الطويل.
كما أشارت مراجعة علمية حديثة إلى أن الأنظمة الغذائية المضادة للالتهابات، وفي مقدمتها النظام المتوسطي، قد تسهم في تحسين الصحة النفسية وتقليل أعراض الاكتئاب والقلق لدى بعض الفئات.
وأفاد عدد من الأشخاص الذين اتبعوا النظام الغذائي المتوسطي بأنهم لاحظوا تحسناً تدريجياً في أعراض الاكتئاب والقلق، خاصة عند دمجه مع النشاط البدني وتحسين نمط الحياة. لكن كثيرين شددوا أيضاً على أن الغذاء ليس بديلاً عن العلاج الطبي، وأن الأدوية والعلاج النفسي قد تظل ضرورية لبعض المرضى.
◄ أطعمة ينصح بها
وفق خبراء الطب النفسي التغذوي، فإن بعض المجموعات الغذائية تبدو أكثر ارتباطاً بتقليل خطر الإصابة بالاكتئاب وتحسين الصحة النفسية، ومنها:
• الأسماك الدهنية الغنية بأحماض أوميغا 3
• الخضروات الورقية الداكنة
• الفواكه الملونة والتوت
• البقوليات مثل العدس والحمص والفاصولياء
• المكسرات والبذور
• الحبوب الكاملة
• زيت الزيتون البكر
• الأطعمة الغنية بالألياف الغذائية
وفي المقابل، تنصح د.جاكا بتقليل استهلاك الأطعمة الفائقة التصنيع والمشروبات السكرية والوجبات السريعة، نظراً لارتباطها بزيادة الالتهابات وارتفاع خطر الإصابة باضطرابات المزاج.
◄ نمط الحياة لا يقل أهمية عن الغذاء
لفتت د.جاكا إلى أن الأمر لا يتوقف عند الطعام فقط، إذ تؤكد الأبحاث أن نمط الحياة الصحي يشكل جزءاً أساسياً من الوقاية من الاكتئاب والمساعدة في السيطرة على أعراضه، وتشمل أهم العوامل:
1 - ممارسة النشاط البدني بانتظام
2 - الحصول على نوم كافٍ ومنتظم
3 - الإقلاع عن التدخين
4 - التعرض المعتدل لأشعة الشمس
5 - الحفاظ على العلاقات الاجتماعية الإيجابية
6 - تقليل التوتر المزمن وإدارة الضغوط النفسية
وتشير الأدلة إلى أن ممارسة الرياضة بانتظام قد تحسن المزاج وتعزز الثقة بالنفس وتدعم وظائف الدماغ، في حين أن النوم الجيد يساعد على تنظيم الهرمونات والناقلات العصبية المرتبطة بالصحة النفسية.
◄ أطباقنا اليومية وصحتنا النفسية
شددت د.جاكا وأقرانها من المتخصصين على أن التغذية الصحية ليست علاجاً سحرياً للاكتئاب، لكنها قد تكون أداة فعالة ضمن خطة علاجية متكاملة تشمل الرعاية الطبية والدعم النفسي وتعديل نمط الحياة. ويبدو أن الرسالة الأهم التي تخرج بها الأبحاث الحديثة هي أن ما نضعه على أطباقنا يومياً قد يؤثر في صحتنا النفسية بقدر ما يؤثر في صحتنا الجسدية، وأن تبني نمط حياة متوازن قد يكون خطوة مهمة نحو مزاج أفضل وحياة أكثر جودة.


































