اخبار السودان
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢ أيلول ٢٠٢٦
الحرب عمقت الظاهرة ووسعت أسبابها ومجالاتها بخاصة في ظل فقدان الآباء وظائفهم
في السادسة صباحاً، يكون الشارع في منطقة أمبدة، إحدى ضواحي مدينة أم درمان، قد بدأ في الاستيقاظ، لكن محمد، البالغ من العمر 13 سنة، يكون قد قطع بالفعل جزءاً من طريقه إلى السوق. يحمل كيساً صغيراً على كتفه، وفي يده بعض أدوات العمل التي يستخدمها لمساعدة أحد التجار في نقل البضائع وترتيبها.
تقول والدته مريم إن الأسرة لم يكن أمامها خياراً آخر، بخاصة بعد أن فقدت مصدر دخلها، وتراكمت احتياجاتها من الطعام والإيجار والعلاج. ومع ارتفاع الأسعار، أصبح الدخل الذي يوفره الطفل جزءاً أساسياً من موازنة المنزل.
تضيف مريم أن أبنها محمد لا يحب العمل طوال اليوم، لكنه يشعر بالسعادة عندما يعود للمنزل حاملاً ما كسبه، لأنه يعرف أننا نستخدم المال في شراء الطعام أو في دفع جزء من الإيجار. غير أن ما يراه محمد من مساعدة لأسرته يحمل في داخله خسارة أكبر، فكل ساعة يقضيها في العمل هي ساعة بعيداً من المدرسة، وكل يوم يتغيب فيه عن التعليم يجعل العودة أصعب.
قصة هذا الطفل ليست حالة منفردة، فمع استمرار الحرب في السودان، واتساع دائرة النزوح والفقر وفقدان مصادر الدخل، وجدت أسر كثيرة نفسها أمام معادلة قاسية: كيف توفر الطعام عندما لا يوجد معيل؟ وفي بعض الحالات، يصبح الطفل هو الإجابة الأكثر إيلاماً.
هكذا ينتقل أطفال السودان من مقاعد الدراسة إلى الأسواق والورش والمطاعم والمزارع، ومن عالم اللعب إلى عالم الأجر اليومي، فيتحول الطفل من شخص يحتاج إلى الحماية والرعاية إلى شخص يحمل مسؤولية أسرة بأكملها.
لم تبدأ قصة الأطفال المعيلين لأسرهم في السودان مع الحرب، فعمالة الأطفال كانت موجودة قبل اندلاعها، إلا أن الحرب عمقت الظاهرة ووسعت أسبابها ومجالاتها، بخاصة في ظل فقدان الآباء وظائفهم، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتفكك الأسر بسبب النزوح، وفقدان الممتلكات، كلها عوامل دفعت أطفالاً إلى سوق العمل في سن مبكرة.
وفي بعض الأسر، لا يكون الطفل مجرد عامل يساعد والده أو والدته، بل يصبح المصدر الأساس للدخل، إذ يعمل ساعات طويلة ثم يعود لمنزل يعتمد على ما كسبه من مال في توفير الاحتياجات الأساسية.
الاختصاصية الاجتماعية عبير حمزة قالت 'الطفل الذي يتحول إلى معيل يعيش تغيراً جذرياً في موقعه داخل الأسرة، فبدلاً من أن يكون الطرف الذي يتلقى الرعاية، يصبح طرفاً مطالباً بتوفيرها، وهذا التحول يحدث بصورة مفاجئة، خصوصاً في ظروف الحرب والنزوح'. وتابعت حمزة 'المشكلة أن الطفل لا يملك الأدوات النفسية أو الاجتماعية التي تمكنه من التعامل مع هذه المسؤولية، فهو في مرحلة يحتاج فيها إلى الشعور بالأمان والاستقرار والتوجيه، لكنه يجد نفسه أمام أسئلة الكبار من أين سنأتي بالطعام؟ كيف سندفع الإيجار؟ ماذا سنفعل إذا مرض أحد أفراد الأسرة؟'. ولفتت إلى أن 'الطفل قد يشعر بالفخر لأنه يساعد أسرته، وهذا شعور مفهوم، لكن استمرار المسؤولية فترات طويلة قد يؤدي إلى إرهاق نفسي شديد، فبعض الأطفال يشعرون بالخوف المستمر من فقدان العمل، أو من عدم قدرتهم على توفير ما تحتاج إليه الأسرة'، وخلصت الاختصاصية الاجتماعية إلى القول إن 'الطفل المعيل قد يتعرض للاستغلال، لأن صاحب العمل يدرك حاجته إلى المال، فيدفع له أجراً أقل أو يطلب منه العمل ساعات أطول، والطفل في هذه الحالة يجد صعوبة في الرفض، لأنه يعرف أن وراءه أسرة تنتظر دخله'.
في الأسواق، لا يحتاج الطفل إلى إعلان للبحث عن عمل، فملامحه الصغيرة وملابسه العملية وحركته المستمرة بين البضائع تكفي لتكشف عن قصته، إذ يعمل بعض الأطفال في بيع المياه والمأكولات والمناديل، بينما يعمل آخرون في تحميل البضائع وتنظيف المحال والمطاعم، أو داخل الورش والمخابز، وفي المناطق الزراعية، ينخرط أطفال في أعمال الحصاد والرعي، بينما يعمل بعضهم في جمع المخلفات وإعادة بيعها. وتختلف ساعات العمل من طفل إلى آخر، لكنها قد تمتد في بعض الحالات إلى ساعات طويلة تتجاوز قدرة الطفل على التحمل، خصوصاً عندما يكون الأجر مرتبطاً بعدد الساعات أو كمية العمل.
جعفر الخطيب مختص في سوق العمل قال 'القطاع غير المنظم هو البيئة الأكثر جذباً لعمالة الأطفال، لأنه لا يخضع في كثير من الأحيان إلى الرقابة نفسها الموجودة في المؤسسات الرسمية، وفي ظروف الحرب يصبح الأمر أكثر تعقيداً، لأن الرقابة على سوق العمل تتراجع، بينما ترتفع حاجة الأسر إلى المال'، وأضاف الخطيب أن 'الأطفال يقبلون بأعمال لا يقبل بها الكبار أحياناً، لأنهم لا يملكون القدرة على التفاوض، فقد يعمل الطفل 10 ساعات أو أكثر في مقابل مبلغ محدود، وقد لا يحصل على أجره كاملاً إذا قرر صاحب العمل أن يقتطع جزءاً منه، وهناك فرق بين طفل يعمل ساعة أو ساعتين بعد المدرسة لمساعدة أسرته، وبين طفل يعمل طوال اليوم ويعتمد دخله عليه، والحالة الثانية أكثر خطورة، لأنها تجعل العمل بديلاً من التعليم'، وزاد أن 'طبيعة بعض الأعمال نفسها تمثل خطراً، فالعمل في الورش قد يعرض الطفل للأدوات الحادة والآلات الثقيلة، والعمل في البناء يعرضه للسقوط والإصابات، بينما قد يتعرض العاملون في الشوارع للحوادث والتحرش والعنف'، وختم المختص في سوق العمل حديثه أن 'المشكلة لا تتعلق فقط بعدد ساعات العمل، وإنما بالبيئة التي يعمل فيها الطفل وبمدى تعرضه للاستغلال، وبقدرته على العودة للتعليم والحصول على الرعاية والحماية'.
وأغلقت الحرب أو عطلت مدارس كثيرة، وأجبرت ملايين الأطفال على النزوح، لكن دخول سوق العمل يضيف سبباً آخر للانقطاع عن التعليم. وفي كثير من الحالات، يبدأ الطفل بالتغيب، ثم تتراكم الدروس، ثم يصبح الرجوع إلى المدرسة أكثر صعوبة.
الباحث التربوي مالك محي الدين قال 'هناك علاقة مباشرة بين الفقر وعمالة الأطفال والانقطاع عن التعليم، فعندما تفقد الأسرة دخلها، تصبح المدرسة بالنسبة إليها كلفة إضافية، حتى لو كان التعليم الحكومي مجانياً، لأن الطفل الذي يذهب إلى المدرسة لا يعمل خلال هذه الساعات'، وتابع أن 'مع مرور الوقت تبدأ الأسرة بالنظر إلى دخل الطفل باعتباره أهم من التعليم، خصوصاً عندما تكون احتياجاتها الأساسية غير مضمونة'.
ولفت إلى أن 'الطفل الذي يترك المدرسة يخسر أكثر من سنوات دراسية، فالتعليم يمنحه مهارات وقدرة على الوصول إلى وظائف أفضل مستقبلاً. وعندما يغادره في سن مبكرة، تقل فرصه في الحصول على عمل مستقر، وقد يبقى محصوراً في الأعمال اليومية منخفضة الأجر'، وواصل 'هناك أيضاً خسارة اجتماعية ونفسية، فالطفل الذي يقضي يومه بين البالغين في بيئة العمل يفقد جزءاً من علاقته بأقرانه، في حين أن اللعب والأنشطة المدرسية والصداقة ليست كماليات، بل عناصر مهمة في نمو الطفل'، ومضى الباحث التربوي في القول 'يجب ألا تكون معالجة الظاهرة قائمة فقط على إعادة الطفل للمدرسة، وإنما يجب معالجة السبب الذي دفعه إلى العمل، فإذا لم تحصل الأسرة على مصدر دخل بديل، فمن الصعب أن نطلب منها التخلي عن الدخل الذي يوفره الطفل'.
قد ينجح الطفل في نهاية اليوم في العودة لمنزله بمبلغ يكفي لشراء الطعام، لكنه لا يعود بالضرورة كما خرج، فجسده يكون مرهقاً، ووقته مستنزفاً، ومستقبله أكثر غموضاً.
المتخصصة في حماية الطفل بدرية مصطفى قالت إن 'أخطر ما في ظاهرة الأطفال المعيلين أنها قد تتحول إلى أمر طبيعي داخل المجتمع، وعندما يصبح وجود طفل يعمل في السوق مشهداً يومياً، يتوقف الناس عن السؤال عن الأسباب والأخطار'، وتابعت مصطفى 'أننا بحاجة إلى النظر إلى الطفل باعتباره صاحب حق، وليس فقط باعتباره عاملاً يوفر دخلاً، فمن حقه التعليم والحماية والرعاية الصحية والراحة واللعب'، وبينت أن 'الحل يبدأ من الأسرة، لكنه لا ينتهي عندها، إذ يجب أن تكون هناك برامج لدعم الأسر التي فقدت مصادر دخلها بسبب الحرب، وأن تتوسع برامج المساعدات النقدية والغذائية، حتى لا تضطر الأسرة إلى إرسال أطفالها إلى سوق العمل'، وزادت 'في الوقت نفسه، يجب توفير مسارات تعليم مرنة للأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة، لأن مطالبة طفل يعمل طوال اليوم بالعودة مباشرة لنظام تعليمي تقليدي قد لا تكون واقعية، كما يجب توفير الدعم النفسي، لأن بعض هؤلاء الأطفال عاشوا النزوح وفقدان المنزل أو أحد الوالدين، ثم وجدوا أنفسهم أمام مسؤولية إعالة الأسرة. هذه تجارب قاسية على طفل في أي عمر'، وأكدت المتخصصة في حماية الطفل أن 'المطلوب هو منع تحول الأزمة الموقتة إلى مستقبل دائم، فالطفل الذي يخسر سنواته التعليمية بسبب الحرب قد يدفع ثمن ذلك عقوداً'.


























