اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة الجريدة الكويتية
نشر بتاريخ: ١ أب ٢٠٢٦
• كيف بدأت علاقتك بالكتابة، ومتى اكتشفت أن لديك شغفاً حقيقياً بالحروف؟
- بدأت الحكاية عندما كنت في الصف السادس، جالساً في غرفة صفية شهدت ولادة شغفي الأول بالكتابة. طلب منا معلم اللغة العربية أن نكتب موضوعاً تعبيرياً عن «العيد الوطني» فأمسكت قلمي وبدأت أكتب كبقية زملائي، لكنني سرعان ما وجدت نفسي أسافر بين السطور، وأنسى كل ما حولي، شعرت وكأن روحي تحلق عالياً مع أعلام السلطنة، على وقع نغمات أغنية وطنية تتردد في أعماقي.
كنت أستمتع وأنا أخط كل كلمة، حتى انتهيت من الموضوع وقرأه المعلم، فنظر إليّ بدهشة وسألني: «هل كتبت هذا التعبير الآن؟»، فأجبته بثقة طفولية: «نعم يا أستاذ»، عندها ابتسم وقال لي عبارة ما زالت محفورة في قلبي: «لك مستقبل واعد ومشرق في مجال الكتابة يا سلطان»، ربما كانت تلك الكلمات هي الشرارة الأولى التي جعلتني أؤمن بأن الكتابة يمكن أن تكون جزءاً من مستقبلي.
• كيف تطورت هذه الموهبة بعد تلك التجربة الأولى؟
- مع مرور الأيام والأعوام، كنت أكبر ويكبر معي حبي للحروف، أصبحت أجد متعة خاصة في جمال الكلمات، وأحاول أن أنحت بها لوحات أدبية مستوحاة من الخيال والواقع، وبالطبع لم تكن كل التجارب ناجحة، فكثير من الأوراق التي كتبتها في البدايات ذهبت أدراج الرياح، لكنها كانت جزءاً مهماً من رحلة التعلم والتجربة.
أؤمن بأن الكاتب لا يولد مكتملاً، وإنما تصقله السنوات، وتراكم التجارب، والقراءة، والتأمل، والاحتكاك بالحياة، وكل تجربة نعيشها، مهما بدت بسيطة، يمكن أن تتحول في لحظة ما إلى فكرة أو شخصية أو مشهد روائي.
• ماذا تمثل الكتابة بالنسبة لك؟
- الكتابة بالنسبة لي ليست مجرد مهنة أو هواية، بل هي موعد يومي مع الذات، ومساحة أستعيد فيها ذاكرتي وأفكاري وأسئلتي، وكلما أشرقت الشمس أشعر بأن هناك فكرة جديدة تنتظر أن تولد، وأن القلم ما زال لديه الكثير ليقوله، وأؤمن بأن نهاية كل طريق ليست سوى بداية جديدة، وأن لنا دائماً مع الغد لقاءً متجدداً بين طيات السطور.
• ما الذي شكّل وجدانك الأدبي وأثر في تجربتك الإبداعية؟
- كان والدي الراحل، طيب الله ثراه، أحد أهم مصادر الإلهام في حياتي، كان يسرد علينا قصص الماضي والتاريخ، وكانت حكاياته بالنسبة لي أشبه بمعزوفة دافئة تأسر الروح وتحرك الخيال. حتى اليوم، ما زلت أشعر بذلك النسيم المحمل بعبق الذكريات، وأستعيد تفاصيل تلك الأيام وكأنها حاضرة أمامي.
ومن هذا الأثر العميق ولدت روايتي الأولى «صفحات لن تنسى»، التي خرجت من رحم الواقع وعادت إلى ستينيات القرن الماضي، كانت رواية واقعية استحضرت فيها أجواء الماضي، ومجالس المنزل القديم، وفناجين القهوة التي كانت تدور بين الحاضرين تحت ظلال النخيل، في صورة تعكس حياة الناس وذاكرتهم وتفاصيل زمن مضى.
• ماذا مثّلت لك روايتك الثانية «غرباء»؟
- بعد النجاح الذي حققته روايتي الأولى، شعرت برغبة أكبر في مواصلة الكتابة وخوض تجربة جديدة. كانت فكرة «غرباء» وليدة مشهد ظل عالقاً في ذاكرتي، فقد كنت أراقب أربعة شيوخ يجلسون تحت ظل حصن عبري الشامخ، يبيعون بعض المنتجات الغذائية المحلية، ويقاومون تقدم العمر بروح مليئة بالأمل والأنفة.
كانوا يجتمعون تحت شجرة مجاورة لتناول القهوة، بينما تتداخل أصوات الباعة من حولهم، فشعرت أنني أمام مشهد أدبي متكامل. من تلك الصورة ولدت رواية «غرباء»، التي حملت في طياتها الكثير من التأملات الإنسانية، وحققت صدى شجعني على مواصلة مغامرتي في عالم الرواية.
• كيف ولدت فكرة رواية «كيليس»؟
- أحياناً يحتاج الكاتب إلى مشهد واحد فقط حتى تتحرك داخله كل الأسئلة والمشاعر. وهذا ما حدث معي عندما شاهدت عبر منصة «إكس» صورة لطفلة سورية، كانت تحمل في ملامحها تناقضات الحياة كلها. رأيت الدموع تنساب على خديها، وفي الوقت نفسه كانت ابتسامتها تشبه ضوءاً يشرق عند الغروب.
من أعماله
شعرت أن عينيها تختصران الفرح والحزن، واليأس والأمل، والحياة والموت. ومن هنا بدأت خيوط الفكرة تتشابك في ذهني حتى ولدت رواية «كيليس»، التي استلهمت اسمها من ولاية كيليس التركية، حيث لجأ مهاجرون فروا من الحرب في سورية.
كانت «مروة» بطلة الرواية وطفلتي الأدبية التي قادت الأحداث في بحر من الألم والدموع، لكنها حملت في الوقت نفسه معنى الصمود والأمل. وقد أحببت هذه الشخصية كثيراً، كما أحببت التجربة التي قدمتها الرواية، والتي وجدت صدى لدى القراء في الساحة الأدبية.
• ماذا عن كتاب «شرفة المساء»؟
- «شرفة المساء» كان تجربة مختلفة، لأنه جاء من مساحة أكثر هدوءاً وتأملاً. كنت أجلس في شرفة المساء وأستعيد تفاصيل الأيام الراحلة، وأتأمل الأمس الذي كان يحمل ضحكاته لأصحابه، وأطرح على نفسي أسئلة فلسفية عميقة تزور كل إنسان في لحظات الخلوة مع الذات.
ومن هذا التأمل ولدت فكرة الكتاب، الذي تناول ثنائيات أزلية مثل الحياة والموت، والفقد والميلاد. حاولت أن أجعل منه واحة أدبية وفكرية يجد فيها القارئ مساحة للتأمل، وأن تكون الشرفة مكاناً يلتقي فيه الإنسان مع ذاته ومع أسئلته الكبرى.
• أين تقف رواية «ذاكرة الدم 1964» في مسيرتك الأدبية؟
- أرى أن «ذاكرة الدم 1964» تمثل مرحلة مهمة في تجربتي، وربما هي خلاصة خبرات تراكمت عبر السنوات والأعمال السابقة. كل رواية كتبتها تركت أثراً في تجربتي، وكل تجربة أضافت شيئاً إلى أدواتي وأسلوبي، حتى وصلت إلى هذه الرواية.
في «ذاكرة الدم» حاولت أن أقدم لوحة إنسانية تختزل صراع الوجود، وتجمع بين ألوان متناقضة، دفء الحب وبريق الأمل في مواجهة فجيعة الحزن وانكسار الفرح، فالإنسان يعيش دائماً بين هذه الثنائيات، وبين نهاية طريق وبداية طريق آخر.


































