اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. ولاء حافظ
مع حلول فصل الخريف، لا تتغير ملامح الطبيعة فحسب، بل قد تتبدل معها الحالة المزاجية لدى بعض الأشخاص، فتتراجع مستويات الطاقة، ويزداد الشعور بالخمول، وتتراجع الرغبة في ممارسة الأنشطة اليومية، فيما يميل البعض إلى العزلة والنوم لفترات أطول، أو يجدون أنفسهم أمام مشاعر من الفتور لا يعرفون لها سبباً واضحاً. وبينما تمثل هذه التقلبات حالة عابرة لدى كثيرين، فإنها قد تتجاوز حدود التأثر الطبيعي بتغير الطقس وقصر ساعات النهار، لتصبح مؤشراً على اضطراب نفسي موسمي يستدعي الانتباه والتقييم المتخصص.
ولا يعني الشعور بالحزن أو انخفاض النشاط مع تغير الطقس بالضرورة الإصابة بالاكتئاب الموسمي، فالتشخيص يعتمد على طبيعة الأعراض ومدتها وتأثيرها في الحياة اليومية، إلى جانب التاريخ النفسي والموسمي للشخص.
وفي المقابل، فإن اكتئاب الخريف ليس حالة ينبغي الاستسلام لها أو اعتبارها أمراً حتمياً يصاحب تغير الفصول؛ إذ تتوافر خيارات علاجية متعددة وفق تقييم الطبيب.
لكن قد يساعد تنظيم النوم، والتعرض لضوء النهار، والتغذية السليمة وممارسة النشاط البدني، والحفاظ على التواصل الاجتماعي في دعم الصحة النفسية. وهذا ما ستوضحه اختصاصية التغذية العلاجية هبة الوزان في السطور التالية.
◄ النساء الأكثر إصابة
يُعد الاكتئاب اضطراباً نفسياً شائعاً يؤثر في أكثر من 300 مليون شخص حول العالم، ويصيب نحو %5.7 من البالغين، وتزداد معدلات الإصابة به بين النساء مقارنة بالرجال. ويُصنّف طبياً ضمن الاضطرابات النفسية، وليس مجرد حالة من الحزن أو مشكلة نفسية عابرة. ويرتبط حدوثه بعوامل عدة، من بينها اختلال تنظيم بعض النواقل العصبية في الدماغ، مثل السيروتونين والنورإبينفرين، اللذين يؤديان دوراً في تنظيم المزاج. ويمكن أن يصيب الاكتئاب أي شخص، بغض النظر عن وضعه المادي أو الاجتماعي، ويُعد من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعاً، لكنه قابل للعلاج.
وأوضحت الوزان أن الاضطراب العاطفي الموسمي هو أحد أنماط الاكتئاب التي ترتبط بتغير فصول السنة، إذ تبدأ أعراضه لدى كثير من المصابين خلال فصل الخريف، وتستمر طوال أشهر الشتاء، قبل أن تتحسن مع زيادة ضوء النهار وطول ساعات الإضاءة. ويرتبط هذا الاضطراب بتغيرات في الساعة البيولوجية للجسم، واضطراب تنظيم النوم، وتأثر بعض العمليات المرتبطة بالمزاج، فيما لا تزال أسبابه الدقيقة موضع دراسة.
◄ أسباب الاكتئاب
وأوضحت الوزان أن من العوامل التي قد تسهم في الإصابة بالاكتئاب انخفاض مستوى التربتوفان، وهو حمض أميني يستخدمه الجسم في إنتاج السيروتونين، أحد النواقل العصبية المرتبطة بتنظيم المزاج. كما قد يؤدي الضغط النفسي والتوتر إلى ارتفاع مستوى هرمون الكورتيزول، مما قد يؤثر في العمليات المرتبطة بإنتاج السيروتونين وتنظيمه. وأضافت أن التغيرات الموسمية، ولا سيما انخفاض درجات الحرارة وقلة التعرض لضوء الشمس خلال أشهر الشتاء، قد تسهم أيضاً في ظهور الأعراض أو تفاقمها.
وبيّنت الوزان أن الفرق بين الحزن العابر والاكتئاب يكمن في طبيعة الأعراض ومدتها وتأثيرها في الحياة اليومية. فالحزن غالباً ما يكون شعوراً مؤقتاً يرتبط بموقف أو ظرف معين، ويتحسن تدريجياً مع مرور الوقت، وقد يتأثر لدى بعض الأشخاص بتغير الفصول، خصوصاً خلال الخريف والشتاء. أما الاكتئاب فهو اضطراب نفسي تستمر أعراضه معظم اليوم، وتشمل فقدان الشهية، والأرق، وفقدان الرغبة في ممارسة الهوايات أو التواصل مع الآخرين، وقد تؤثر هذه الأعراض في قدرة الشخص على ممارسة حياته بصورة طبيعية.
◄ علاقة التغذية بالاكتئاب
وأكدت الوزان أن التغذية تؤدي دوراً مهماً في الصحة النفسية، موضحة أن الغذاء لا يؤثر في صحة الجسم فحسب، بل يرتبط أيضاً بوظائف الدماغ والمزاج.
وأوضحت أن الدماغ يحتاج إلى مجموعة من العناصر الغذائية لإنتاج النواقل العصبية وتنظيم عملها، مثل السيروتونين والدوبامين، اللذين يرتبطان بالمزاج والنوم والشعور بالطاقة. وأضافت أن نقص بعض العناصر الغذائية، مثل فيتامين D وفيتامين B12 والحديد وأحماض أوميغا 3، قد يرتبط بزيادة احتمالات ظهور أعراض الاكتئاب لدى بعض الأشخاص. وفي المقابل، يرتبط اتباع نظام غذائي متوازن وغني بالخضروات والفواكه والمكسرات، مثل حمية البحر المتوسط، بصحة نفسية أفضل.
ومن جهة أخرى، أشارت الوزان إلى وجود علاقة بين التغذية وصحة الدماغ من خلال الميكروبيوم المعوي، موضحة أن الميكروبيوم هو مجموعة من الكائنات الدقيقة التي تعيش داخل أجسامنا وعلى سطحها، وتشمل البكتيريا والفطريات والفيروسات وغيرها من الكائنات الدقيقة.
ويُعد الميكروبيوم المعوي (Gut Microbiome) من أهم هذه المجموعات، إذ يعيش في الجهاز الهضمي، ويسهم في هضم بعض المكونات الغذائية، خصوصاً الألياف، ودعم جهاز المناعة. كما يرتبط بتنظيم المزاج والصحة النفسية من خلال دوره في إنتاج واستقلاب بعض المركبات المرتبطة بالنواقل العصبية، مثل السيروتونين، والتواصل مع الدماغ عبر ما يُعرف بمحور الأمعاء والدماغ.
◄ علاقة ميكروبيوم الأمعاء بالاكتئاب
وأوضحت الوزان أن الميكروبيوم المعوي يرتبط بصحة الدماغ من خلال محور الأمعاء والدماغ، إذ قد يؤثر اختلال توازن الميكروبات المعوية في استقلاب التربتوفان والمسارات المرتبطة بإنتاج السيروتونين، فضلاً عن زيادة بعض الإشارات الالتهابية في الجسم.
وقد تؤثر هذه التغيرات في التواصل بين الأمعاء والدماغ وتنظيم المزاج، بما قد يرتبط بزيادة أعراض الاكتئاب.
ومع ذلك، تظل هذه العلاقة معقدة ومتبادلة التأثير، ولا تعني بالضرورة وجود علاقة سببية مباشرة بين اختلال الميكروبيوم والإصابة بالاكتئاب.
◄ أهمية الغذاء في علاج المشكلات النفسية
وأوضحت الوزان أهمية التغذية في دعم الصحة النفسية والمساعدة في التعامل مع بعض المشكلات النفسية، وذلك من خلال جوانب عدة، أبرزها:
1 - دعم إنتاج النواقل العصبية: يوفر البروتين الأحماض الأمينية التي يحتاج إليها الجسم لإنتاج النواقل العصبية، مثل السيروتونين والدوبامين، اللذين يؤديان دوراً مهماً في تنظيم المزاج.
2 - تعويض نقص العناصر الغذائية: تشير الدراسات إلى أن نقص بعض العناصر الغذائية، مثل فيتامين D والمغنيسيوم والزنك وأحماض أوميغا 3 وفيتامين B12، قد يرتبط بظهور أعراض مزاجية.
لذلك، من المهم تقييم الحالة الغذائية، خصوصاً لدى الأشخاص الأكثر عرضة لنقص هذه العناصر.
◄ أطعمة تزيد الاكتئاب
وأكدت الوزان أن الإفراط في تناول السكريات البسيطة والمضافة، الموجودة في مشروبات الطاقة والمشروبات الغازية والعصائر المحلاة، وكذلك الصلصات الغنية بالسكر في الوجبات السريعة، قد يرتبط بزيادة أعراض الاكتئاب وتقلبات المزاج.
وقالت: «تشير الدراسات إلى ارتباط بين استهلاك السكريات البسيطة وزيادة أعراض الاكتئاب، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يعتمدون على تناول السكريات لفترات طويلة، ويجعلونها جزءاً أساسياً من نظامهم الغذائي».
◄ أهم الأغذية التي تحارب الاكتئاب
قدمت الوزان مجموعة من التوصيات الغذائية التي قد تدعم الصحة النفسية وتساعد على تحسين المزاج، أبرزها:
1 - تناول حمض الفوليك، المتوافر في الخضروات الورقية الخضراء والحبوب الكاملة والكبدة، لدوره في وظائف الدماغ.
2 - اختيار الكربوهيدرات المعقدة، مثل الشوفان والأرز البني والخبز الأسمر، لما لها من دور في دعم إنتاج السيروتونين.
3 - الحرص على تناول البروتين من مصادره الحيوانية، مثل الدجاج واللحوم والحليب ومشتقاته.
4 - تقليل الدهون المشبعة، المتوافرة في الأطعمة المقلية والوجبات السريعة.
5 - الحصول على فيتامين D، من الغذاء والتعرض المعتدل لأشعة الشمس، مع تناول المكملات عند الحاجة وتحت إشراف طبي، خصوصاً عند وجود نقص.
6 - تناول الشوكولاتة الداكنة، باعتدال، إذ قد تساعد في تحسين المزاج، لاحتوائها على مركبات ترتبط ببعض الفوائد الصحية.
7 - دعم صحة الأمعاء، من خلال تناول الأطعمة الغنية بالبروبيوتيك، مثل الزبادي ولبن الكفير.
8 - زيادة مصادر أوميغا 3، المتوافرة في سمك السلمون والجوز وبذور الشيا، لدورها في دعم صحة الدماغ.
9 - تنويع الوجبات، بحيث تجمع بين الكربوهيدرات المعقدة والبروتين والدهون الصحية، مع الحرص على شرب كميات كافية من الماء، لأن الجفاف قد يؤثر في الطاقة والمزاج.
10 - التقليل من الكافيين، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون القلق أو الأرق، وتجنب الحميات القاسية التي قد تؤدي إلى نقص العناصر الغذائية.
11 - الاستفادة من الزعفران، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن مستخلصه قد يساعد في تخفيف أعراض الاكتئاب الخفيف إلى المتوسط، لكن ذلك يحتاج إلى مزيد من الدراسات.


































