اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٢٠ أب ٢٠٢٦
وليد منصور
تدخل اقتصادات الخليج مرحلة جديدة من التحوّل، تفرض تطوير أدوات التخطيط بالتوازي مع استثمارات ضخمة في البنية التحتية والتكنولوجيا والصناعة والطاقة، في وقت أصبحت فيه المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية والمناخية أكثر تداخلاً وتأثيراً في حركة التجارة والاستثمار.
ويشير تقرير حديث لـLOGIC Consulting إلى أن برامج التحول الكبرى تحتاج إلى قدر أكبر من المرونة ومراجعة الافتراضات الاقتصادية باستمرار، بما يسمح للحكومات بالتعامل مع التطورات التي قد تؤثر في تكاليف المشروعات وجداول تنفيذها وعوائدها.
ويأتي ذلك، بعدما أصبحت أدوات التخطيط التقليدية، مثل الإستراتيجيات المتعددة السنوات والموازنات السنوية ومستهدفات الأداء الثابتة، تعمل في عالم سريع التغير، تتداخل فيه المخاطر بدلاً من ظهورها بصورة منفصلة.
وتكشف اضطرابات التجارة حجم التأثير، إذ تسببت تأخيرات الشحن في البحر الأحمر في خسارة قناة السويس إيرادات وعملات أجنبية تقدر بنحو 11 مليار دولار بين ديسمبر 2023 ويوليو 2025، بينما تراجعت أحجام التجارة في دول البحر الأحمر والخليج بنحو %8 مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة.
استثمارات ضخمة
وتكتسب مرونة الخطط أهمية خاصة للخليج، حيث تعتمد برامج التنويع على مشاريع واسعة في الإنشاءات والبنية التحتية والصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة والتكنولوجيا.
وتضيف المتغيرات المناخية عنصراً جديداً إلى حسابات الاستثمار، بعدما بلغت الخسائر العالمية الناتجة عن الكوارث الطبيعية 368 مليار دولار في 2024، وشكلت الأحداث المرتبطة بالطقس %93 منها، فيما وصلت الخسائر إلى نحو 131 مليار دولار في النصف الأول من 2025. ويشير التقرير إلى أن ارتفاع الحرارة قد يؤثر مباشرة في إنتاجية العمل وتكاليف تنفيذ المشروعات الخليجية، خصوصاً الأنشطة التي تعتمد على العمل الخارجي.
ومن المتوقع أن تفقد قطر نحو %5.3 من إجمالي ساعات العمل بسبب الإجهاد الحراري بحلول 2030، مقابل %4.1 في البحرين و%2.6 في الإمارات.
ويحول ذلك المناخ إلى عامل اقتصادي يدخل في حساب الإنتاجية والجداول الزمنية وتكاليف المشروعات، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف التأمين على مشاريع البنية التحتية في المناطق المعرضة للمخاطر.
سباق الكفاءات
وتواجه برامج التحول تحدياً آخر يتمثل في المنافسة العالمية على العمالة الماهرة، مع توجّه الاقتصادات الخليجية نحو الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والصناعات المتقدمة والاقتصاد الرقمي.
ويقدّر التقرير أن العالم قد يواجه عجزاً يصل إلى 85 مليون وظيفة غير مشغولة بحلول 2030 بسبب نقص المهارات، ما يمكن أن يؤدي إلى فقدان إيرادات سنوية بنحو 8.5 تريليونات دولار.
ويجعل ذلك الاستثمار في رأس المال البشري جزءاً أساسياً من معادلة النمو الخليجي، إذ لم يعد التمويل والبنية التحتية كافيين لإطلاق قطاعات جديدة، وإنما أصبحت القدرة على جذب المواهب وتطوير الكفاءات المحلية والاحتفاظ بها عاملاً رئيسياً لتحقيق العوائد المستهدفة.
كما يشدد التقرير على أهمية مراجعة الافتراضات، التي تقوم عليها الخطط الاقتصادية دورياً، بدلاً من التعامل معها باعتبارها ثوابت، خصوصاً أن المشاريع الطويلة الأجل قد تعمل لاحقاً في ظروف تختلف جذرياً عن وقت إطلاقها.
عوائد أعلى
ولا تقتصر فوائد التخطيط المرن على تقليل المخاطر، وإنما يمكن أن تنعكس على الربحية والقيمة الاستثمارية.
ويستشهد التقرير بتجربة «شل» في استخدام تخطيط السيناريوهات مطلع سبعينيات القرن الماضي، مما ساعد الشركة على التعامل بصورة أكثر استعداداً مع أزمة النفط عام 1973.
كما أظهرت دراسة طويلة الأجل، أوردها التقرير، أن الشركات التي تمتلك قدرة أقوى على قراءة التحولات حققت ربحية أعلى بنسبة %33، إلى جانب نمو أكبر بنسبة %200 في القيمة السوقية مقارنة بنظيراتها. ويمكن للحكومات الخليجية تطبيق المنطق ذاته على الاستثمارات العامة عبر ربط التغيرات الاقتصادية بقرارات الموازنات والإنفاق، بما يسمح بإعادة توزيع الموارد عندما تتغير ظروف الأسواق.
ويعني ذلك الانتقال من التعامل مع الخطط الاقتصادية باعتبارها مسارات ثابتة إلى إدارة أكثر مرونة تحافظ على الأهداف الرئيسية، مع إمكانية تعديل أدوات التنفيذ وفقاً للمتغيرات.
قطاعات واعدة
وفي المقابل، تفتح التحولات العالمية فرصاً استثمارية واسعة أمام الخليج، خصوصاً في القطاعات التي تمتلك المنطقة الموارد المالية والبنية التحتية اللازمة للمنافسة فيها.
ويبرز اقتصاد الفضاء، المتوقع أن يرتفع حجمه عالمياً من 630 مليار دولار في 2023 إلى 1.8 تريليون دولار بحلول 2035، ما يخلق فرصاً في الأقمار الاصطناعية والاتصالات والخدمات الرقمية.
كما يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة كبيرة، لكنه يرفع الطلب على الطاقة، إذ قد يصل استهلاك مراكز البيانات العالمية من الكهرباء إلى 945 تيراواط/ساعة بحلول 2030.
ويمكن لدول الخليج الاستفادة من هذا الاتجاه عبر الجمع بين استثمارات الطاقة ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، مستفيدة من توسع البنية التحتية الرقمية ومشروعات الكهرباء والطاقة المتجددة.
وتبرز المعادن الحرجة كذلك كعنصر استراتيجي، بعدما أصبحت أكبر ثلاث دول في تكريرها تسيطر على %86 من الإمدادات العالمية، مقابل %82 في 2020، ما يعزز أهمية تنويع سلاسل التوريد.
مرونة اقتصادية
ويخلص التقرير إلى ضرورة ربط التخطيط الاقتصادي بصورة مباشرة بالموازنات والاستثمارات، بحيث تصبح مراجعة المتغيرات جزءاً دائماً من إدارة المشاريع.
ويساعد هذا النهج اقتصادات الخليج على حماية استثماراتها وتعديل الأولويات عند الضرورة، من دون التخلّي عن الأهداف الأساسية للتنويع والنمو.


































