اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة الأنباء
نشر بتاريخ: ١٨ أذار ٢٠٢٦
كيف يمكن للطاقة ورأس المال والموقع الجغرافي أن تتحول إلى أساس لمنظومة اقتصادية تعزز الاستقرار والنمو في عالم يتجه نحو التكتلات الكبرى
الاضطرابات الجيوسياسية وانشغال القوى الكبرى بأزماتها الإستراتيجية
يمر النظام الدولي اليوم بمرحلة متصاعدة من التوترات الجيوسياسية، حيث تنشغل القوى الكبرى بإدارة أزماتها الاستراتيجية المتعددة، فيما تواجه بعض أهم ممرات الطاقة والتجارة في العالم قدرا متزايدا من عدم اليقين.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية تظهر أحيانا فرص نادرة تسمح لبعض المناطق بإعادة التفكير في موقعها الاقتصادي ودورها في النظام العالمي.
وفي عالم يتجه بسرعة نحو التكتلات الاقتصادية الكبرى، لم تعد قوة الدول تقاس بثرواتها الطبيعية أو بحجم اقتصادها فقط، بل بقدرتها على تنظيم هذه الموارد ضمن منظومات اقتصادية إقليمية متكاملة.
ومن هذا المنظور تبدو منطقة الخليج إحدى الحالات الفريدة في الاقتصاد الدولي، فهي تجمع بين أربعة عناصر قوة رئيسية: الطاقة، ورأس المال، والموقع الجغرافي، والاستقرار المالي.
فدول الخليج تمتلك نحو ثلث احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، كما تحتضن ما يقارب 20% من احتياطيات الغاز الطبيعي العالمية وفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة. وفي الوقت نفسه تقدر أصول الصناديق السيادية الخليجية بنحو خمسة تريليونات دولار، ما يجعل المنطقة أحد أكبر مراكز رأس المال السيادي في الاقتصاد العالمي.
وإلى جانب ذلك، تتمتع المنطقة بموقع جغرافي يربط أهم طرق التجارة بين الشرق والغرب.
فالممر البحري الممتد من مضيق هرمز مرورا بباب المندب وصولا إلى قناة السويس يمثل أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة في العالم. فمضيق هرمز وحده ينقل يوميا نحو 20 إلى 21 مليون برميل من النفط، أي ما يقارب خمس الاستهلاك العالمي وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرا.
ولهذا السبب لا يرتبط استقرار هذه المنطقة باقتصاداتها المحلية وحدها، بل باستقرار جزء مهم من منظومة الطاقة والتجارة في الاقتصاد العالمي.
غير أن الاعتماد الكبير على عدد محدود من الممرات البحرية يبرز أيضا أهمية بناء منظومات اقتصادية إقليمية أكثر ترابطا قادرة على تعزيز مرونة سلاسل الإمداد وتنويع مسارات التجارة.
ومن هنا يبرز سؤال استراتيجي بسيط في صياغته لكنه عميق في دلالاته: هل يمكن لمنطقة الخليج واليمن أن تتحول إلى كتلة اقتصادية إقليمية متكاملة؟
دروس التجارب الاقتصادية
تشير التجارب الاقتصادية إلى أن التحولات التنموية الكبرى لم تعتمد على الموارد الطبيعية وحدها، بل على قدرة الدول على بناء منظومات تعاون اقتصادي تعظم القيمة الاقتصادية للموارد والبشر معا.
فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند تقدم نماذج واضحة على أن التكامل الاقتصادي بين الأقاليم المختلفة يمكن أن يولد قوة اقتصادية تتجاوز مجموع قدرات كل إقليم منفردا.
ومن هذا المنظور تبدو منطقة الخليج واليمن من المناطق القليلة التي تجمع بين مقومات اقتصادية مهمة: موارد طاقة كبيرة، قدرات مالية واسعة، موقع جغرافي يربط ثلاث قارات، وقاعدة بشرية متنامية.
غير أن نجاح أي مشروع تكامل اقتصادي يعتمد في النهاية على بناء مؤسسات قادرة على تحويل هذه المقومات إلى قوة إنتاجية حقيقية.
جغرافيا الطاقة والتجارة
تمتد منطقة الخليج واليمن على مساحة تقارب ثلاثة ملايين كيلومتر مربع وتشرف على سواحل واسعة من الخليج العربي إلى بحر العرب والبحر الأحمر، في موقع يقع في قلب شبكة التجارة العالمية.
وتمر عبر هذه المنطقة ثلاثة من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم: مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، وهي ممرات يمر عبرها نحو 30% من تجارة النفط العالمية إضافة إلى جزء مهم من التجارة بين آسيا وأوروبا.
كما تنتج دول الخليج مجتمعة نحو 17 إلى 18 مليون برميل من النفط يوميا إلى جانب احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي.
غير أن القيمة الحقيقية للطاقة لا تكمن في استخراجها فقط، بل في تحويلها إلى صناعات ذات قيمة مضافة مثل الصناعات البتروكيماوية المتقدمة.
وتوفر القاعدة السكانية التي تقترب من 95 مليون نسمة سوقا إقليمية واسعة يمكن أن تدعم توسع الصناعات والاستثمارات.
القوة المالية وإمكانات التحول الاقتصادي
تمتلك دول الخليج قوة مالية كبيرة، إذ تقدر أصول الصناديق السيادية الخليجية بنحو 4.5 إلى 5 تريليونات دولار.
ولو تم توجيه 5% فقط من هذه الموارد نحو مشاريع تنموية مشتركة، فقد يوفر ذلك نحو 250 مليار دولار للاستثمار في البنية التحتية والصناعة والبحث العلمي.
ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج واليمن مجتمعة نحو 2.3 تريليون دولار.
لكن الإمكانات الحقيقية تكمن في قدرة المنطقة على تعميق سلاسل القيمة الصناعية وتعزيز التجارة البينية.
فالتجارة بين دول الخليج لا تزال محدودة، إذ لا تتجاوز 10 إلى 12% من إجمالي تجارتها الخارجية مقارنة بأكثر من 60% في الاتحاد الأوروبي. ولو ارتفعت هذه النسبة إلى نحو 25% فقط، فقد يولد ذلك ما بين 300 و400 مليار دولار من النشاط التجاري الإضافي سنويا.
السعودية كحلقة الربط الاقتصادية
يصعب تصور أي مسار جاد نحو تكامل اقتصادي أوسع في شبه الجزيرة العربية من دون الدور المحوري للمملكة العربية السعودية.
فالمملكة تمثل أكبر اقتصاد في المنطقة وتشكل بحكم موقعها في قلب شبه الجزيرة العربية حلقة الربط الطبيعية بين اقتصادات الخليج واليمن.
ومع التحولات الاقتصادية الجارية ضمن رؤية المملكة 2030، تتجه السعودية إلى تعزيز موقعها كمركز صناعي واستثماري ولوجستي يربط بين أسواق آسيا وأوروبا وأفريقيا.
وقد بدأت بعض ملامح هذا الدور تظهر عمليا من خلال إطلاق مسارات لوجستية تربط موانئ الخليج العربي بموانئ البحر الأحمر عبر شبكة النقل داخل المملكة، بما يسمح بتحويل جزء من حركة التجارة إلى البحر الأحمر وإعادة ربطها بالأسواق العالمية، وهو ما يعزز مرونة سلاسل الإمداد ويقلل من الاعتماد الكامل على الممرات البحرية الضيقة.
حين تتحول الجغرافيا إلى اقتصاد ونهضة تنموية
إن التكامل الاقتصادي لا يتشكل بقرارات مفاجئة، بل يتطور عبر مسار تدريجي يعمق الثقة الاقتصادية ويعزز المصالح المشتركة بين الدول مع الحفاظ على سيادتها.
فحين تنظم القدرات الاقتصادية والبشرية ضمن إطار مؤسسي متوازن يحفظ خصوصية الدول ويعزز المصالح المشتركة، ويقوم على توزيع عادل لمكاسب التكامل بين الأعضاء في ظل سيادة القانون وقوة المؤسسات، يتحول التكامل الاقتصادي من فكرة سياسية إلى قوة إنتاجية حقيقية.
وعندها لا يقتصر التعاون بين الدول على تنسيق السياسات الاقتصادية، بل يتجسد في تكامل الموانئ وشبكات النقل وسلاسل الإمداد والاستثمارات الصناعية ضمن منظومة اقتصادية إقليمية مترابطة.
وفي منطقة تمتلك نحو ثلث احتياطيات النفط العالمية وأصولا سيادية تتجاوز خمسة تريليونات دولار وسوقا إقليمية تقارب مئة مليون نسمة، يمكن لمثل هذا التكامل أن يفتح آفاقا اقتصادية واسعة تعزز مرونة سلاسل الإمداد وتعمق سلاسل القيمة الصناعية وتزيد من حجم التجارة والاستثمار داخل المنطقة.
وعندما تتحقق هذه الدرجة من التنظيم الاقتصادي، تتحول الجغرافيا من مجرد موقع استراتيجي على الخريطة إلى اقتصاد حي ومنظومة إنتاج قادرة على تعظيم قيمة الموارد وتعزيز مكانة المنطقة في الاقتصاد العالمي.
وعند هذه النقطة تحديدا، قد لا يكون السؤال ما إذا كان التكامل الاقتصادي في الخليج ممكنا، بل ما إذا كانت التحولات الاقتصادية والجيوسياسية في العالم قد جعلت هذا التكامل أحد أهم الفرص الاستراتيجية للمنطقة في العقود المقبلة.


































