اخبار السودان
موقع كل يوم -أثير نيوز
نشر بتاريخ: ٢٢ أذار ٢٠٢٦
لم يكن النزوح خياراً، بل كان فعلاً قسرياً فرضته بطش المليشيا الإرهابية، حين ضاقت الأرض بما رحبت، وتحول الأمان إلى حلم بعيد، خرجنا من ديارنا لا نحمل سوى ما خفّ وزنه، وقلوب مثقلة بالحزن، نطوي المسافات بحثاً عن ملاذ يحمينا من الخوف ويعيد إلينا شيئاً من الطمأنينة.
كانت الوجهة إلى الولاية الشمالية، إلى مدينة الدبة… وهناك، لم نجد مجرد مكان نلوذ به، بل وجدنا أهلاً بقلوب واسعة، ووجوهاً بشوشة، وأيادي إمتدت إلينا دون تردد، لم يسألونا من نحن، ولا من أين أتينا، بل فتحوا لنا أبواب منازلهم قبل قلوبهم، وتقاسموا معنا لقمة العيش، ووقفوا إلى جانبنا كأننا جزء أصيل من نسيجهم الإجتماعي.
في الدبة، لم نشعر أننا نازحون، بل كنا بين أهلنا، تجلت معاني التكافل والتراحم في أبهى صورها، فكان المجتمع كله خلية عمل إنساني، يسابق الزمن لإحتواء آثار النزوح، وتخفيف وطأة الغربة عن الديار.
وكان للدور الرسمي حضوره المشهود، حيث برز المدير التنفيذي الأستاذ محمد صابر الصابر كنموذجٍ للقائد المسؤول، الذي لم يتعامل مع القضية كملف إداري، بل كواجب إنساني وأخلاقي. فتح لنا أبواب العمل بمحلية الدبة، واحتوانا بروح متضامنة، مؤكداً أن الدولة حين تقف مع مواطنيها في الشدائد، فإنها ترسخ أعظم معاني الانتماء.
لم يكن ذلك مجرد إجراء، بل رسالة قوية بأن النازح ليس عبئاً، بل طاقة يمكن أن تسهم في البناء، إذا ما وجدت الإرادة والإحتواء. وهكذا، بدأنا نستعيد توازننا، وننفض عنا غبار الرحلة القاسية، وننخرط في مجتمع منحنا الثقة قبل الفرصة.
لقد علمتنا تجربة النزوح أن الأوطان لا تقاس فقط بالحدود، بل بالناس الذين يسكنونها، ففي الدبة، وجدنا وطناً آخر، تشكل من المحبة، والتضامن، والكرم الأصيل.
ورغم مرارة البداية، ستظل هذه الرحلة شاهدة على أن في السودان وجهاً مشرقاً لا تُطفئه الأزمات، وأن الإنسان السوداني، حين تختبر معادنه، يختار دائماً أن يكون في صف الإنسانية.
الدبة لم تكن محطة نزوح… بل كانت درساً في النبل، وملاذاً أعاد إلينا الإحساس بأننا ما زلنا بخير، ما دام في هذا الوطن قلوبٌ بهذا الإتساع.
و … للحديث بقية.
__________
الأحد: 22مارس2026م


























