اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة الجريدة الكويتية
نشر بتاريخ: ٢٤ أب ٢٠٢٦
الصحة هي التاج الحقيقي الذي يتربع على قمة أولويات الحياة؛ فبدونها يفقد المال بريقه، ويتعطل قطار النجاح. قد تملك الثروة، لكن إذا أدركك مرض عضال، قد لا تجد له دواءً يشفيه، وإن تعطلت عن العمل بسبب العلة، فإن بريق المال ينطفئ مع الصرف المستمر دون دخل. إن متعة الحياة وسعادة العائلة ترتبطان ارتباطاً وثيقاً ببدن معافى ونفس مستقرة. حول هذا المفهوم التقت «الجريدة» الخبير الاستشاري د. محمد لطفي مهروسة للحديث عن خريطة الطريق الصحية لكل مرحلة عمريّة، وكيفية صياغة استراتيجية وقائية وعلاجية مخصصة تحمي الفرد وعائلته. وفيما يلي نص الحوار. أولا: خريطة الطريق الصحية عبر المراحل العمرية الوقاية والتقصي* لكل مرحلة من عمر الإنسان متطلباتها الصحية الخاصة. كيف تقسمون الرعاية الطبية من حيث الوقاية والفحوصات الاستقصائية عبر فترات الحياة المختلفة؟ــ بالفعل، الرعاية الطبية ليست نمطاً واحداً يُطبق على الجميع، بل هي مجموعة عوامل وسلوكيات ومعطيات يتطلب توزيعها على الفئات العمرية بشكل محكم، وهي ستكون بهذه الطريقة: أولاً: «تفصيل» دقيق يناسب عمر الفرد وظروفه: * مرحلة الشباب والإنتاج (20 - 40 سنة): نركز هنا على الوقاية الأولية؛ تبنّي نمط حياة نشيط، في التغذية المتوازنة، ومراقبة المؤشرات الأساسية (ضغط الدم، الكوليسترول، ومؤشر كتلة الجسم). الفحوصات الاستقصائية هنا تكون دورية (كل سنتين) للتأكد من عدم وجود عوامل خطورة مبكرة.* مرحلة النضج وأوج العطاء (40 - 60 سنة): هنا تبدأ الأهمية القصوى للفحوصات الاستقصائية المبكرة (Screening). نوصي بفحوصات دورية سنوية تشمل وظائف الكلى والكبد، وفحص السكر التراكمي، وفحوصات الكشف المبكر عن الأورام (مثل تنظير القولون بعد سن الـ 45، وفحص البروستاتا للرجال، والماموجرام للنساء). الهدف هو صيد المرض في مهده قبل أن تظهر أعراضه.* مرحلة الحكمة والتقدم في العمر (ما بعد الـ 60): التركيز يتحول نحو الحفاظ على الكفاءة الوظيفية للجسم، وفحوصات هشاشة العظام، وفحص كفاءة الحواس (السمع والبصر)، ومراقبة صحة القلب والأوعية الدموية، لضمان استمرارية جودة الحياة والاستقلالية الذاتية.ثانياً: العلاجات الحديثة والجراحات المتقدمة* يشهد الطب طفرات متسارعة في أنواع العلاجات والعمليات الحديثة. كيف يتم اختيار الحل العلاجي الأمثل للمريض في العصر الحالي؟ــ الطب الحديث لم يعد يعتمد على الجراحات التقليدية الكبيرة إلا في أضيق الحدود. نحن نعيش الآن عصر «الطب المخصص لكل مريض» (Personalized Medicine) والجراحات الدقيقة. عند اختيار العلاج أو العملية، نأخذ في الاعتبار عمر المريض، وظائفه الحيوية، وظروفه اليومية. استبدلنا الجراحات المفتوحة الكبيرة بتقنيات تفتيت الحصوات بالليزر المرن واستئصال أورام الكلى بالمناظير والروبوت؛ حيث يغادر المريض المستشفى خلال 24 ساعة بعيداً عن الاختلاطات الجراحية والآلام الطويلة. تقنيات مثل المناظير المتقدمة، وتفتيت الحصوات بالموجات التصادمية والليزر، والجراحات الروبوتية المحدودة، أحدثت ثورة حقيقية. هذه التقنيات تضمن للمريض فترة إقامة قصيرة جداً في المستشفى، وألماً أقل، وعودة سريعة لممارسة حياته وعمله، وهو ما يحقق جودة الحياة التي ننشدها دون تعطيل لمسيرته المهنية أو الأسرية.ثالثاً: التداخلات الدوائية والتاريخ العائلي المرضي:مثال تخصصي: مريض حصوات الكلى المتكررة الذي يتناول أدوية لحموضة المعدة أو الضغط يحتاج تعديلاً دقيقاً؛ لأن بعض أدوية الكالسيوم أو مدرات البول قد تزيد تشكل الحصوات إذا لم تُضبط بدقة.* كثيراً ما يشكو المريض أمراضا متعددة، أو يتناول أدوية مزمنة وصفتها عائلته أو أطباء آخرون. ما مدى خطورة تلاؤم هذه الأدوية مع العلاجات الجديدة المقترحة؟ وكيف يؤثر التاريخ العائلي في قراركم الطبي؟ــ هذا السؤال يلمس جوهر الأمان الطبي. يجب النظر جيداّ وبتمعن دقيق جداً. التاريخ العائلي: هو بمثابة «مصباح كاشف» لنا. عندما يشكو المريض من مرض ما، أو يذكر أن عائلته تعاني أمراضا وراثية (كالضغط، أو السكري، أو أمراض القلب، أو أورام معينة)، فإننا نتعامل معه بيقظة مضاعفة، ونضع برامج فحص مبكر جينية أو دورية خاصة به. تلاؤم العلاجات (Drug Interactions): من الأخطاء الشائعة أن يتناول المريض علاجاً جديداً دون مراجعة أدويته السابقة. نحن نقوم بعمل «غربلة» شاملة لملف المريض الدوائي؛ فبعض العلاجات قد تبطل مفعول الأخرى، أو تسبب أعراضاً جانبية خطيرة إذا تداخلت. الحداثة في الطب تعني إيجاد توليفة دوائية متناغمة تتناسب مع حالة المريض المحددة وتضمن فاعلية العلاج بأقل أعراض جانبية ممكنة.رابعاً: الحماية من الانتكاسات وضمان جودة الحياة* الوصول إلى الشفاء خطوة ممتازة، ولكن كيف نحمي المريض من الانتكاسات أو التعرض ثانية للأمراض التي أصيب بها سابقاً؟ــ الشفاء ليس محطة نهاية، بل هو بداية لمرحلة جديدة نسميها «الحماية المستدامة». لمنع الانتكاسات، نعتمد على ثلاث ركائز: 1ــ الوعي والتثقيف الصحي المستمر:
الصحة هي التاج الحقيقي الذي يتربع على قمة أولويات الحياة؛ فبدونها يفقد المال بريقه، ويتعطل قطار النجاح. قد تملك الثروة، لكن إذا أدركك مرض عضال، قد لا تجد له دواءً يشفيه، وإن تعطلت عن العمل بسبب العلة، فإن بريق المال ينطفئ مع الصرف المستمر دون دخل. إن متعة الحياة وسعادة العائلة ترتبطان ارتباطاً وثيقاً ببدن معافى ونفس مستقرة.
حول هذا المفهوم التقت «الجريدة» الخبير الاستشاري د. محمد لطفي مهروسة للحديث عن خريطة الطريق الصحية لكل مرحلة عمريّة، وكيفية صياغة استراتيجية وقائية وعلاجية مخصصة تحمي الفرد وعائلته. وفيما يلي نص الحوار.
أولا: خريطة الطريق الصحية عبر المراحل العمرية الوقاية والتقصي
* لكل مرحلة من عمر الإنسان متطلباتها الصحية الخاصة. كيف تقسمون الرعاية الطبية من حيث الوقاية والفحوصات الاستقصائية عبر فترات الحياة المختلفة؟
ــ بالفعل، الرعاية الطبية ليست نمطاً واحداً يُطبق على الجميع، بل هي مجموعة عوامل وسلوكيات ومعطيات يتطلب توزيعها على الفئات العمرية بشكل محكم، وهي ستكون بهذه الطريقة:
أولاً: «تفصيل» دقيق يناسب عمر الفرد وظروفه:
* مرحلة الشباب والإنتاج (20 - 40 سنة): نركز هنا على الوقاية الأولية؛ تبنّي نمط حياة نشيط، في التغذية المتوازنة، ومراقبة المؤشرات الأساسية (ضغط الدم، الكوليسترول، ومؤشر كتلة الجسم). الفحوصات الاستقصائية هنا تكون دورية (كل سنتين) للتأكد من عدم وجود عوامل خطورة مبكرة.
* مرحلة النضج وأوج العطاء (40 - 60 سنة): هنا تبدأ الأهمية القصوى للفحوصات الاستقصائية المبكرة (Screening). نوصي بفحوصات دورية سنوية تشمل وظائف الكلى والكبد، وفحص السكر التراكمي، وفحوصات الكشف المبكر عن الأورام (مثل تنظير القولون بعد سن الـ 45، وفحص البروستاتا للرجال، والماموجرام للنساء). الهدف هو صيد المرض في مهده قبل أن تظهر أعراضه.
* مرحلة الحكمة والتقدم في العمر (ما بعد الـ 60): التركيز يتحول نحو الحفاظ على الكفاءة الوظيفية للجسم، وفحوصات هشاشة العظام، وفحص كفاءة الحواس (السمع والبصر)، ومراقبة صحة القلب والأوعية الدموية، لضمان استمرارية جودة الحياة والاستقلالية الذاتية.
ثانياً: العلاجات الحديثة والجراحات المتقدمة
* يشهد الطب طفرات متسارعة في أنواع العلاجات والعمليات الحديثة. كيف يتم اختيار الحل العلاجي الأمثل للمريض في العصر الحالي؟
ــ الطب الحديث لم يعد يعتمد على الجراحات التقليدية الكبيرة إلا في أضيق الحدود. نحن نعيش الآن عصر «الطب المخصص لكل مريض» (Personalized Medicine) والجراحات الدقيقة. عند اختيار العلاج أو العملية، نأخذ في الاعتبار عمر المريض، وظائفه الحيوية، وظروفه اليومية. استبدلنا الجراحات المفتوحة الكبيرة بتقنيات تفتيت الحصوات بالليزر المرن واستئصال أورام الكلى بالمناظير والروبوت؛ حيث يغادر المريض المستشفى خلال 24 ساعة بعيداً عن الاختلاطات الجراحية والآلام الطويلة.
تقنيات مثل المناظير المتقدمة، وتفتيت الحصوات بالموجات التصادمية والليزر، والجراحات الروبوتية المحدودة، أحدثت ثورة حقيقية. هذه التقنيات تضمن للمريض فترة إقامة قصيرة جداً في المستشفى، وألماً أقل، وعودة سريعة لممارسة حياته وعمله، وهو ما يحقق جودة الحياة التي ننشدها دون تعطيل لمسيرته المهنية أو الأسرية.
ثالثاً: التداخلات الدوائية والتاريخ العائلي المرضي:
مثال تخصصي: مريض حصوات الكلى المتكررة الذي يتناول أدوية لحموضة المعدة أو الضغط يحتاج تعديلاً دقيقاً؛ لأن بعض أدوية الكالسيوم أو مدرات البول قد تزيد تشكل الحصوات إذا لم تُضبط بدقة.
* كثيراً ما يشكو المريض أمراضا متعددة، أو يتناول أدوية مزمنة وصفتها عائلته أو أطباء آخرون. ما مدى خطورة تلاؤم هذه الأدوية مع العلاجات الجديدة المقترحة؟ وكيف يؤثر التاريخ العائلي في قراركم الطبي؟
ــ هذا السؤال يلمس جوهر الأمان الطبي. يجب النظر جيداّ وبتمعن دقيق جداً.
التاريخ العائلي: هو بمثابة «مصباح كاشف» لنا. عندما يشكو المريض من مرض ما، أو يذكر أن عائلته تعاني أمراضا وراثية (كالضغط، أو السكري، أو أمراض القلب، أو أورام معينة)، فإننا نتعامل معه بيقظة مضاعفة، ونضع برامج فحص مبكر جينية أو دورية خاصة به.
تلاؤم العلاجات (Drug Interactions): من الأخطاء الشائعة أن يتناول المريض علاجاً جديداً دون مراجعة أدويته السابقة.
نحن نقوم بعمل «غربلة» شاملة لملف المريض الدوائي؛ فبعض العلاجات قد تبطل مفعول الأخرى، أو تسبب أعراضاً جانبية خطيرة إذا تداخلت.
الحداثة في الطب تعني إيجاد توليفة دوائية متناغمة تتناسب مع حالة المريض المحددة وتضمن فاعلية العلاج بأقل أعراض جانبية ممكنة.
رابعاً: الحماية من الانتكاسات وضمان جودة الحياة
* الوصول إلى الشفاء خطوة ممتازة، ولكن كيف نحمي المريض من الانتكاسات أو التعرض ثانية للأمراض التي أصيب بها سابقاً؟
ــ الشفاء ليس محطة نهاية، بل هو بداية لمرحلة جديدة نسميها «الحماية المستدامة». لمنع الانتكاسات، نعتمد على ثلاث ركائز:
1ــ الوعي والتثقيف الصحي المستمر:
يجب أن يفهم المريض طبيعة جسده والمؤشرات التحذيرية المبكرة التي تستدعي مراجعة الطبيب.
2ــ المتابعة الدورية المبرمجة:
وضع جدول زمني صارم للزيارات والتحاليل الدورية بعد العلاج أو الجراحة للتأكد من استقرار الحالة.
3ــ تعديل نمط الحياة:
العلاج الدوائي أو الجراحي لا ينجح على المدى الطويل إذا عاد المريض إلى العادات السيئة التي سببت المرض (كالتدخين، أو الخمول، أو التغذية غير الصحية)، فالحماية من الانتكاسة تتطلب التزاماً مشتركاً بين الطبيب والمريض.
مثال تخصصي: لتجنب عودة حصوات الكلى أو التهابات المسالك بعد الشفاء، لا نكتفي بالعلاج؛ بل نلزم المريض بتحليل حصوته وتجميع البول لمدة 24 ساعة لمعرفة الملح الضار الزائد طرحه من الكلى في البول والمسؤول عن تشكيل نواة الحصية لتتراكم عليها بقية الأملاح او لمعرفة الملح المفيد الناقص طرحه من الكلى والذي يساعد على إذابة الأملاح الزائدة لتجنب تشكيل الحصية ثم تعديل حميته الغذائية وشرب 3 لترات من الماء يومياً للحد من تكرار الإدانة المرضية.
* كلمة أخيرة توجهونها للقراء الذين قد تأخذهم دوامة العمل وجني المال على حساب صحتهم؟
ــ أقول لهم بكل صدق: استثمروا في صحتكم أولاً؛ فالوقاية والفحص المبكر ليسا ترفاً، بل هما الاستثمار الحقيقي الذي يضمن لكم حياة هنيئة ومستقبلاً آمناً تديرون فيه أموالكم ونجاحاتكم بوافر الصحة والعافية.
المال وسيلة وليس غاية، والنجاح المهني يفقد معناه تماماً إذا كنت تعاني آلاما مبرحة أو أمراضا تعوقك وتمنعك من إسعاد نفسك وعائلتك والمسؤولين منك.
يقول الله تعالى: 'وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ».
ويكون ذلك في:
النية الصادقة: اجعل أعمالك كلها خالصة لوجه الله.
الإحسان للناس: انفع غيرك واقضِ مصالحهم بالعدل والرحمة.
الالتزام بالواجبات: أقم الفروض وأدِّ الحقوق لأصحابها.
-إن مفهوم الطب الحديث ليس فقط إنقاذ حياة مريض بل يتعداه الى جعل
حياة الإنسان أعم فائدة وأكثر متعة... «وعلى الله فليعتمد أولو الألباب».
_________
_______________
كادر- مراحل الحياة ومتطلباتها الصحية
* مرحلة الشباب والإنتاج (20- 40 سنة) تحتاج التركيز على الوقاية الأولية
* مرحلة النضج (40- 60 سنة) تتطلب إجراء الفحوصات الاستقصائية المبكرة
* مرحلة (ما بعد الـ 60) تستلزم الحفاظ على الكفاءة الوظيفية للجسم


































