اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة الأنباء
نشر بتاريخ: ٧ أذار ٢٠٢٦
في أسواق النفط.. ليست الأسعار هي الخطر الحقيقي
تميل النقاشات حول أسواق النفط إلى التركيز على الأسعار، فالحكومات تراقب أثر النفط في التضخم، والمستهلكون ينظرون إلى تكلفة الوقود، بينما تحاول البنوك المركزية قياس انعكاسات الطاقة في النمو الاقتصادي.
لكن التجربة التاريخية لأسواق الطاقة تشير إلى حقيقة مختلفة:
فالاقتصاد العالمي يستطيع التكيف مع أسعار نفط مرتفعة، لكنه يجد صعوبة أكبر في التعامل مع اضطراب تدفق الإمدادات نفسها، والنظام الطاقي العالمي لا يقوم فقط على الأسعار، بل على حركة مستمرة للنفط عبر شبكة مترابطة من الحقول وخطوط الأنابيب والمصافي والموانئ وناقلات النفط.
وعندما تتعطل إحدى الحلقات الأساسية في هذه السلسلة، لا تستطيع الأسعار وحدها الحفاظ على استقرار السوق.
بعبارة أبسط: الأسواق قد تتكيف مع ارتفاع السعر، لكنها لا تستطيع العمل دون حركة النفط.
عندما يتقدم أمن الإمدادات على السعر
يمكن للأسواق أن تستوعب ارتفاع الأسعار بمرور الوقت، لكن نظام الطاقة العالمي يعتمد أساسا على التدفق المستمر للإمدادات.
فالمصافي تحتاج إلى وصول النفط الخام وفق جداول دقيقة، بينما تقوم تجارة الطاقة العالمية على منظومة معقدة من العقود اللوجستية والمالية، وعندما تصبح طرق النقل غير مستقرة، تتراجع قدرة الأسعار وحدها على تنظيم السوق، فالسعر قد يعيد التوازن بين العرض والطلب، لكنه لا يستطيع نقل النفط عبر البحار، لهذا السبب تبدأ الأسواق عند تصاعد التوترات الجيوسياسية في الخليج، بإضافة إلى ما يعرف بالعلاوة الجيوسياسية إلى أسعار النفط.
وتشير تقديرات العديد من بيوت الخبرة في أسواق الطاقة إلى أن هذه العلاوة قد تتراوح بين 10% و25% خلال فترات التوتر الحاد، فإذا كان سعر النفط عند 80 دولارا للبرميل، يمكن لعلاوة المخاطر وحدها أن ترفع السعر إلى نطاق يتراوح بين 88 و100 دولار للبرميل حتى في غياب نقص فعلي في الإنتاج.
وفي مثل هذه الحالات لا تعكس الأسعار ندرة الموارد بقدر ما تعكس مستوى القلق بشأن قدرة الإمدادات على الوصول إلى الأسواق، ويظهر هذا القلق أيضا في منحنى العقود الآجلة، ففي الظروف الطبيعية يكون السوق في حالة Backwardation حيث تكون الأسعار الفورية أعلى قليلا من الأسعار المستقبلية نتيجة قوة الطلب الفوري، لكن في فترات التوتر قد ترتفع الأسعار المستقبلية لتعكس احتمال اضطراب الإمدادات، وبذلك لا تسعر الأسواق النفط المتوافر اليوم فقط، بل تسعر أيضا مستوى الثقة في استمرار تدفقه مستقبلا.
مضيق هرمز: الشريان الأكثر حساسية في سوق الطاقة في قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في نظام الطاقة العالمي.
فمن خلال هذا الممر الضيق يمر يوميا ما يقارب 20 إلى 21 مليون برميل من النفط، أي ما يقارب خمس الاستهلاك العالمي ونحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرا، كما يمر عبره أيضا جزء كبير من صادرات الغاز الطبيعي المسال، خصوصا من قطر التي تمثل نحو 20% من تجارة الغاز المسال عالميا.
هذا الاعتماد الكبير يجعل استقرار الملاحة في المضيق عنصرا أساسيا لاستقرار سوق الطاقة العالمي، وعند حدوث اضطرابات في الإمدادات تعتمد الأسواق عادة على المخزونات النفطية كوسادة مؤقتة لامتصاص الصدمة.
وتشير التقديرات التقريبية إلى أن الطاقة التخزينية في دول الخليج قد تتراوح بين 300 و400 مليون برميل من النفط الخام، إضافة إلى ما بين 120 و180 مليون برميل من منتجات المصافي، ليصل الإجمالي إلى نحو 420 إلى 580 مليون برميل.
وبمقارنة هذا الحجم مع الإنتاج الخليجي الذي يقترب من 21 مليون برميل يوميا، فإن هذه المخزونات تعادل تقريبا 20 إلى 30 يوما من الإنتاج، لكن هذه الاحتياطيات ليست مصممة لتعويض توقف طويل في حركة التصدير، بل لتخفيف أثر الاضطرابات قصيرة الأجل ومنح الأسواق وقتا محدودا لإعادة تنظيم تدفقات الإمدادات.
كما أن البدائل الجغرافية المتاحة محدودة، فخط الأنابيب السعودي شرق - غرب الذي ينقل النفط إلى البحر الأحمر، وخط حبشان - الفجيرة في الإمارات يوفران مسارات تصدير بديلة جزئيا، لكن قدرتهما الاستيعابية لا تستطيع تعويض سوى جزء من الكميات التي تمر عبر المضيق.
وإذا طال تعطل التصدير عبر هذا الممر الحيوي، فقد يتعطل وصول ما يقارب 20 مليون برميل يوميا إلى الأسواق العالمية، حتى مع وجود خطوط الأنابيب البديلة، فإن قدرتها الاستيعابية لا تستطيع تعويض أكثر من ربع إلى ثلث هذه الكميات في أفضل الأحوال.
وفي مثل هذا السيناريو قد ترتفع أسعار النفط بسرعة كبيرة، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن الأسعار قد تتجاوز 120 إلى 150 دولارا للبرميل إذا استمر تعطل الإمدادات لفترة ممتدة. لهذا السبب لا يمثل مضيق هرمز مجرد ممر بحري في جغرافيا الطاقة، بل يمثل نقطة اختبار رئيسية لاستقرار نظام الطاقة العالمي.
الدروس التاريخية تظهر التجارب التاريخية أن أسواق الطاقة شديدة الحساسية لأي اضطراب في الإمدادات، ففي حظر النفط العربي عام 1973 ارتفعت أسعار النفط أربعة أضعاف خلال أشهر قليلة، وأدخل ذلك الاقتصاد العالمي في مرحلة من التضخم والركود.
وفي الثورة الإيرانية عام 1979 أدى تراجع الإنتاج الإيراني إلى موجة ارتفاع جديدة في الأسعار رغم أن النقص الفعلي في الإمدادات العالمية كان محدودا نسبيا. أما في العصر الحديث فقد أظهرت هجمات عام 2019 على منشآت أرامكو في بقيق وخريص كيف يمكن لحدث واحد أن يعطل نحو 5% من الإمدادات العالمية خلال ساعات وأن يدفع الأسعار للارتفاع بنحو 20% في يوم واحد.
لكن الدرس الأهم من هذه الأحداث ليس فقط ارتفاع الأسعار، بل سرعة رد فعل الأسواق عندما يصبح تدفق الإمدادات موضع شك.
الخلاصة: أمن الإمدادات قبل السعر
في نهاية المطاف لا يقوم نظام الطاقة العالمي على السعر وحده، بل على القدرة المستمرة والموثوقة لنقل النفط من مناطق الإنتاج إلى مراكز الاستهلاك.
ولهذا يمثل استقرار طرق النقل البحرية - وعلى رأسها مضيق هرمز - عنصرا أساسيا في استقرار الاقتصاد العالمي،فالأسواق قد تتكيف مع أسعار أعلى، وقد تعيد آليات السوق التوازن بين العرض والطلب بمرور الوقت.
لكن ما يصعب على الأسواق استيعابه هو تعطل التدفق المادي للإمدادات نفسها، وفي اقتصاد عالمي يعتمد على تدفق يومي للطاقة، يبقى الدرس واضحا: الأسعار قد تعكس المخاطر… لكن استقرار الإمدادات هو ما يحافظ على عمل النظام الاقتصادي العالمي.


































