اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٢٠ تموز ٢٠٢٤
قال تقرير الشال ان التخطيط هو فعل استباقي، هدفه تعظيم النفع واجتناب غير الضروري من الضرر في المستقبل، ودور المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية، التزام أمانة التشخيص، ولكن، الأهم، عمل اسقاطات مهنية وعميقة على المستقبل لضمان استدامة الاستقرار الاقتصادي والمالي. فالمجلس، كما هو حال وزير المالية، يقران بعدم تحقيق رؤية 2035 لأي من مستهدفاتها، والواقع أنهما وإن بطريقة غير مباشرة، يقران بأن الكويت ليست فقط لم تخط خطوة صحيحة باتجاه تحقيق تلك المستهدفات، وإنما خطت باتجاه تعميق اختلالات الاقتصاد الهيكلية الأربعة.
وبين ان على المجلس الأعلى للتخطيط عمل اسقاطات لتبيان مسارات الاقتصادات المسدودة، واقتراح الجراحات اللازمة لفتحها، وكان من الممكن أن تكون رؤاه صلب إصلاحات ملتقى الموازنة الأخير، وسنذكر اجتهاداً أمثلة أو نماذج لتلك المسارات المسدودة، لافتا الى ان انحراف هيكل الإنتاج مثال، فالكويت باتت البلد الوحيد في العالم الذي يولد القطاع العام فيه نحو %70 من اقتصاده، ولا بأس لو كان القطاع العام ينتج سلعا وخدمات بجودة عالية وبأسعار منافسة وبتكلفة محتملة، ولكن، واقعه إنتاج سلع وخدمات رديئة وبتكلفة عالية وغير مستدامة.
واوضح ان كل مسارات التنمية التاريخية في الكويت تعتمد بشكل شبه كلي على خام النفط الذي راوحت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي ما بين نحو %47 و%57 في آخر سنتين، وترتفع إلى حدود %60 في المعدل لو حسبنا الصناعات النفطية الأخرى، ذلك يحدث منذ نصف قرن تقريباً رغم تصدر أولوية تنويع مصادر الدخل لكل برامج وخطط الحكومات المتعاقبة.
وتابع: من المرجح أن يتعرض النفط في المستقبل لضعف في أسعاره وهو ما أقره وزير المالية وإن توقف عند سعر 75 دولارا للبرميل، ولكن، مع الضغط إلى الأدنى على مستويات الإنتاج لدعم مستوى الأسعار، وما يصاحبه من ارتفاع متصل لتكلفة إنتاج البرميل التي تضاعفت نحو 7 أضعاف في آخر ربع قرن. إضافة إلى شيخوخة معظم المكامن ما يمنع الارتقاء بمستوى الإنتاج، وزيادة السكان ومعها زيادة الاستهلاك المحلي على حساب حصة التصدير، كلها تعني أن استدامة مساهمة النفط في تعويم القطاع العام المكلف، إلى تآكل متصل.
المالية العامة
ولفت الشال الى ان المالية العامة مثال آخر، وهي المحرك الأساس للنشاط الاقتصادي، ولأن الموازنة العامة لا زالت تعتمد بنحو %90 في تمويل نفقاتها على إيرادات النفط، ولن يتغير ذلك سوى بشكل طفيف للسنوات المالية الخمس القادمة، إذاً استدامة المالية العامة أيضاً في خطر حقيقي. ولأن القطاع العام يوظف %84 من العمالة المواطنة، ولأن معظم التوظيف اصطناعي أو بطالة مقنعة تسببت في بلوغ مستوى الإنفاق العام 6 أضعاف مستواه في بداية الألفية الحالية، فالخطر – أي فقدان الاستدامة – يمتد إلى ميزان العمالة المواطنة وحتمية نمو البطالة السافرة.
وبين ان التعليم مثال، وهو في أسوأ حالاته من حيث المستوى والقيم، ومعه يمتد الخطر إلى كفاءة رأس المال البشري، ولأن التركيبة السكانية في أسوأ حالاتها من حيث الكم والنوعية، ولأن سياسات التوسع الإسكاني الأفقي غير مستدامة ولا تخلق فرص عمل مواطنة لانفصال التعليم عن حاجة سوق العمل، فالسيطرة على معدلات النمو السكاني والتركيبة السكانية مستحيلة، وهو مثال رابع، والضغوط على البنى التحتية والخدمات العامة إلى ازدياد، ما يعني مزيدا من الضغوط لزيادة النفقات العامة.
واضاف: تلك فقط نماذج تجعل من المستحيل تحقيق استدامة الاقتصاد والمالية العامة وسوق العمل المواطن والتركيبة السكانية حال استمرار السياسات في مساراتها الحالية، أو حتى مع نوايا العلاج المتواضعة، والقائمة تطول، ما يعني أن الأهداف المعلنة لرؤية 2035 حول الاستدامة مجرد وهم، لأن تلك السياسات العامة تأخذ البلد إلى مسار معاكس تماماً. والكويت لا تحتاج إلى عون أو صدقة من أي دولة لكي تأخذ بيدها، ولا عقد مقارنات مع دول أخرى للاقتداء بها، تحتاج فقط إلى عمل الاسقاطات الصحيحة على المستقبل في حال استمرار سياساتها الحالية أو المعدلة بتواضع لتكتشف أن استمرارها مستحيل، ثم وضع خطط تصحيح جوهري لمساراتها، ونعتقد أن ذلك هو دور المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية.
انفلات مالي
وتطرق تقرير الشال الاسبوعي الى عرض وزير المالية لتوصيف ما تحقق من عجز مالي منذ عام 2015 حتى السنة المالية الحالية، وما ذكره بأن حصيلة الماضي كانت صافي عجز بحدود 33.6 مليار دينار، موضحا ان العجز كان من الممكن أن يصل إلى حدود الـ 40 مليار دينار لولا الحرب الروسية الأوكرانية، ويقدر العجز المتوقع في المستقبل القريب بحدود 26.1 مليار دينار إن استمرت السياسات المالية على ما هي عليه، أو بمجموع عجز محقق ومتوقع بحدود 60 مليار دينار.
وبين ان لمواجهة ذلك الانفلات المالي، يقدم الوزير وفريقه مقترحين، الأول تثبيت سقف الإنفاق العام عند مستواه الحالي البالغ 24.5 مليار دينار، وهو مقترح صحيح ويظل غير كافٍ، والثاني زيادة الإيرادات غير النفطية من مستوى 2.7 مليار دينار حالياً، إلى 4 مليارات دينار للسنة المالية 2027 / 2028، وهو أيضاً صحيح في الاتجاه ومتواضع في حجمه أو قيمته. عجز السنوات المالية الثلاث – وليس الأربع – القادمة (2025 - 2026 - 2027 - 2028) هو 18 مليار دينار في حال استمرار السياسات المالية الحالية، ومقترح العلاج يخفض العجز المحتمل إلى نحو 11 مليار دينار، أي يوفر نحو 7 مليارات دينار.
وتابع: انتقادنا الأول لمشروع العلاج، أنه لا يتعدى النوايا ولم يصاحبه برنامج مالي ملزم لنفقات وإيرادات السنوات المالية الثلاث المذكورة. وانتقادنا الثاني، أن حصيلته في خفض العجز متواضعة قد تؤخر بلوغ نهاية الطريق المسدود سنة مالية أو نحوها ولا ترقى إلى مستوى حل جراحي. والانتقاد الثالث، أن تلك النتائج على تواضعها محكومة بمتغيرات سوق النفط بشكل شبه كامل، ولا يد للسلطة المالية في التحكم بها، فقد تهبط أسعار النفط إلى دون المقدر من وزارة المالية.
واضاف: نعتقد بسلامة التشخيص لوضع البلد الاقتصادي والمالي، وواضح من التشخيص الرسمي هذه المرة بأن الوضع تجاوز بكثير مرحلة العلاج بالمساحيق والدهانات الخارجية، وأن الأمر بات يتطلب جراحة، فما هو غير مستدام لابد وأن يتوقف حالاً ويستأصل، وهو ما لم نقرأ أو نسمع مؤشرات له في مشروع الإصلاح الحالي، ودور المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية يحتاج إلى كثير من الارتقاء بما يجعله يوفر دقة التشخيص ونجاعة الحلول.
الكويت بدأت تعميق مرحلة اللاتخطيط
قال التقرير الشال ان مواقع الهدر والفساد تشمل ما هو أكثر من بدلات الموظفين، وأن هناك نحو 50 هيئة ومؤسسة ولجنة، معظمها عبارة عن أورام لا عمل حقيقيا لها. ومتزامنا مع نوايا الإصلاح المالي، ينسب إلى رئيس ديوان الخدمة المدنية مشروع «صفر بطالة»، ما يعني توظيف عشرات الآلاف في القطاع العام تحت شعار خاطئ مفاده بأن الكويت انتقلت من مرحلة اللاتخطيط إلى مرحلة التخطيط، والحقيقة هي أنها بدأت تعميق مرحلة اللاتخطيط.
مشروع «صفر بطالة».. مسار معاكس للإصلاح
تطرق التقرير الى ما ذكره وزير المالية بأن نسبة الرواتب والأجور في الكويت تبلغ نحو %30 من حجم الناتج المحلي الإجمالي، مقابل نسبة تتراوح ما بين %7 - %13 لدول الخليج الأخرى، أي بمستوى يتراوح ما بين 2.3 ضعف و4.3 اضعاف مستوى دول الخليج، لافتا الى انه مع مشروع «صفر بطالة»، سيزداد انحراف النسبة، أي مسار معاكس لنوايا الإصلاح. ويتناقض أيضاً مع مشروع مجلس الوزراء بفرض الانضباط بساعات العمل على موظفي القطاع العام، فقبل تضخم أعدادهم، كانوا يفتقدون السعة المكانية، وإن ازداد اكتظاظ مقرات عملهم العاجزة عن استيعاب الموجودين، قد ينحدر مستوى الإنتاجية إلى أكثر من مستواه الضعيف الحالي.


































