اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٢٠ كانون الثاني ٢٠٢٦
في المجتمعات التي يُحدَّد فيها هامش الحرية الشخصية بأعراف صارمة وعادات راسخة وقوانين ضمنية، يتحوّل الاستهلاك من مجرّد فعل اقتصادي إلى وسيلة تعبير رمزية عن الذات، ووسيلة لممارسة نوع من الحرية.
ففي ظل تضييق الخيارات الشخصية، خصوصا المتعلقة بالمسار الدراسي والمهني، واختيار الشريك، وتبنّي القناعات الفكرية الشخصية، وممارسة بعض الهوايات، وحتى تشكيل الدوائر الاجتماعية الخاصة، يجد الفرد نفسه مضطراً للبحث عن منافذ بديلة يُفرغ من خلالها رغباته المكبوتة ويعيد من خلالها الإحساس بالسيطرة على حياته.
يُعرَف هذا السلوك في علم النفس والاجتماع بـ«الاستهلاك التعويضي»، وهو نمط لا يهدف إلى إشباع الحاجة المادية المباشرة فحسب، بل إلى تعويض نقصٍ في مجالات أخرى من الحياة. فالشراء هنا لا يرتبط بالجوع أو الحاجة الوظيفية، بل بالإحساس بالاختيار، وبممارسة شكل محدود من الاستقلال الشخصي. أن يختار الفرد منتجاً بعينه، بماله الخاص، وفي زمان ومكان يحددهما بنفسه، يصبح فعلاً رمزياً لاستعادة وكالته المفقودة في مجالات أوسع.
وتشير دراسات اجتماعية إلى أن الاستهلاك في هذه السياقات يتحوّل إلى لغة بديلة للتعبيرعن الهوية. فحين يُقمع التعبير الفكري والفني، أو تُقيَّد السلوكيات الفردية بسبب اختلافها عن المألوف، يصبح المنتج المباع حاملاً لدلالات جاهزة، كالذوق، الانتماء، المكانة الاجتماعية، الفلسفة والسياسة الشخصية، والمبادئ الخاصة. وكما يعبّر البعض عن انتمائهم الوطني عبر اللباس التقليدي، يعبّر آخرون عن ذواتهم عبر علامات تجارية ترسم لهم صورة اجتماعية مُسبقة، لا تتطلب شرحاً أو نقاشاً. ومع مرور الوقت، تترسّخ هذه الدلالات إلى حدّ تتحوّل فيه العلامة التجارية إلى اختزال للشخص ذاته، فيُعرَف الفرد بما يستهلك ويقتني، وكأن الولاء لعلامة معينة هو سمة من سمات الشخصية.
بل إن مفاهيم إرثية حضارية مثل «الكشخة» ومعناها المرتبط بالأناقة والنظافة وتناسق الهندام والمظهر، تصبح تصنيفاً طبقياً رأسمالياً لا يعترف إلا بمن يملك القدرة على الدفع أكثر.
لم يعد الاكتفاء يُقاس بتوافر الحاجات الأساسية في بيوت لا ينقصها طعام ولا كهرباء ولا أمان، بل بقدرة الفرد على استنزاف دخله لاقتناء سيارة جديدة أو هاتف أحدث، وكأن الشعور بالاكتفاء لا يتحقق إلا عبر الاستهلاك المفرط لمنتجات معينة، يُنظر لها اجتماعيا بأنها اضافة معنوية واجتماعية للمستهلك.
يحذّر الباحثون من أن هيمنة هذا النمط الاستهلاكي قد تُضعف القدرة على اتخاذ مواقف أخلاقية خارج منطق السوق. فعندما يصبح المنتج هو الرمز الأبرز للهوية، يضيق المجال أمام الحوار، ويُهمَّش الفكر، ويتراجع النقاش العام لمصلحة انتماءات استهلاكية سطحية. ويصل الأمر إلى أن تُبنى العلاقات الاجتماعية نفسها على ما يُستهلك؛ فيُصادق الفرد آخر لأنهما يشتركان في «حبهم» نفس العلامة، أو يتابعان نفس المحتوى، لا لأنهما يتقاسمان قيماً أو أفكاراً أو رؤى إنسانية متشاركة.
بل أن السوق نفسه يعتمد على هكذا اختزال، فيغذّي المقارنات بين المستهلكين حول ما يستخدمونه من هواتف ذكية مثلا، عبر حوارات ومنشورات وحملات دعائية تُسهم في إضفاء طابع شخصي على المنتج وتحويله إلى امتداد للهوية الفردية.
في هذا الإطار، لا يعود الاستهلاك ممارسة اقتصادية محايدة، بل يتحوّل إلى حيّز يلامس فيه الفرد حرية منقوصة، مؤقتة، ورمزية، هي حرية اختيار ما نقتني. حرية تُسوَّق وتُباع، وتُقدَّم في صورة بدائل جاهزة داخل سوق يُتقن صناعة الوهم الاجتماعي. ومع تعاظم هذا النهج، تتآكل الهويات الفردية والمجتمعية، وتُختزل الأفكار الشخصية، وتُفرَّغ القيم والمبادئ من معناها وجذورها الحضارية التاريخية، لتُعاد صياغتها كسلع جديدة لامعة تُعلَّق كميداليات على الحقائب، بينما تتوارى الحرية الحقيقية التي لا تحتاج إلى بطاقة سعر ولا إلى خصومات مُنتَظرة قادرة على رفع المكانة الاجتماعية.
طارق الخضري


































