اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦
يعدّ الإعلام الركيزة الأساسية في توجيه المجتمعات الحديثة، وتشكيل وعيها العام. ومع الطفرة الرقمية الهائلة التي غيّرت ملامح التواصل البشري، أضحى ضبط المحتوى الإعلامي ضرورةً ملحّةً لحماية النسيج الاجتماعي والنظام العام، بالتوازي مع كفالة حرية الرأي والتعبير كحقٍّ أصيلٍ كفله الدستور. إنّ الانتقال نحو التنظيم الشامل للإعلام يمثّل استجابةً تشريعيةً حتميةً لضمان نشاطٍ إعلاميٍّ مسؤولٍ يجمع بين الحرية والمسؤولية.
أولاً: أهمية قانون الإعلام في المجتمعات الحديثة.. ضبط المحتوى الإعلامي
تتجلّى أهمية القوانين الإعلامية الحديثة في وضع أطرٍ تنظيميةٍ تحمي المتلقّي من الفوضى المعلوماتية، والإشاعات، وخطاب الكراهية.
حيث إنّ ضبط الإعلام ليس وسيلةً لتقييد الحريات، بل هو إعادة التوازن بين حرية الرأي والمسؤولية عن أثر هذا الرأي في المجتمع، فالضبط الإعلامي هو أداةٌ حضاريةٌ تهدف لترسيخ المعايير المهنية الإعلامية، والتحقّق من مصداقية المواد المنشورة، وضمان احترام القيم الثقافية والدينية للمجتمع؛ ممّا يتيح بيئةً إعلاميةً آمنةً ومستدامةً.
ثانياً: ثغرات قانون الإعلام القديم بالكويت
أظهر التطبيق العملي ثغراتٍ ملموسةٍ في القوانين السابقة، مثل قانون المطبوعات والنشر رقم 3–2006، وقانون الإعلام المرئي والمسموع رقم 61–2007، وحتى قانون تنظيم الإعلام الإلكتروني رقم 8–2016؛ وكان أبرز هذه الثغرات:
1– ضعف الرقابة على المحتوى الرقمي: نظراً لتطوّر خوارزميات المنصّات، وظهور أنماط بثٍّ تفاعليةٍ تجاوزت الأطر التقليدية.
2– انفلات المحتوى التسويقي: وذلك بسبب غياب الضوابط القانونية الصارمة على الإعلانات الرقمية وممارسات مشاهير منصّات التواصل الاجتماعي؛ ممّا فتح الباب للتسويق العشوائي، والإعلانات المضلّلة دون إفصاح مالي أو قانوني واضح؛ الأمر الذي ساهم بظهور غسل الأموال وغيرها من الجرائم.
ثالثاً: قواعد ضبط الإعلام في القانون الجديد
جاءت الخطوة التشريعية الجديدة بإصدار المرسوم بقانون 102–2026 بشأن تنظيم الإعلام في الكويت، والذي وحّد القوانين السابقة المشتّتة في قانون شامل.
ومن أبرز ملامح وقواعد الضبط في هذا القانون الجديد:
1– تنظيم قطاع التواصل الاجتماعي والمؤثّرين: ألزم القانون الجديد كلّ من يمارس نشاطاً ترويجياً أو إعلانياً موجّهاً للجمهور داخل الكويت، سواءً أكان مواطناً أو مقيماً أو وافداً، بمقابلٍ أو بدونه، الحصول على ترخيصٍ مسبقٍ.
2– إلغاء الرقابة المسبقة جزئياً: عزّز القانون حرية النشر بإلغاء الرقابة المسبقة على المطبوعات والكتب المعروضة في معارض الكتاب الرسمية، في حين يخضع نشاط عرض الأفلام السينمائية والكتب وغيرها من المطبوعات غير الدورية التي تطْبع أو تنْشر داخل دولة الكويت للإجازة المسبقة من الوزارة المختصّة، قبل طبْعها وتداولها ونشرها.
كلّ ذلك في إطار ضوابطٍ واضحةٍ وفقاً لمعاييرٍ موضوعيةٍ تركّز على منع الإساءة للذات الإلهية، والأنبياء، والصحابة، وغيرها ممّا يمسّ بالنظام العام، وحماية خصوصية الأفراد والأطفال.
3– الحوكمة الرقمية: أنشأ القانون منصّةً إلكترونيةً موحّدةً للتراخيص، وفرض جزاءاتٍ مالية رادعة للمخالفين لضمان الالتزام المهني، وأوقف الانفلات الإعلاني الإلكتروني.
يمثّل المرسوم نقلةً فلسفيةً جذريةً تحوّل «البلوغرز» من فاعلين عشوائيّين في فضاءٍ افتراضيٍّ منفلتٍ، إلى مشاريعٍ صغيرةٍ اقتصاديةٍ–إعلاميةٍ.
لقد انتقل المشرّع من منهج «المراقبة اللاحقة» إلى «الحوكمة الهيكلية المسبقة»؛ حيث لم يعد الإعلان عبر مواقع التواصل مجرّد محتوىً رقميٍّ عابرٍ، بل نشاطاً تجارياً ومهنياً مقيّداً بإجراءاتٍ وحوكمةٍ، بما يوازن بين حرية التأثير وصون قيم المجتمع وحقوق المستهلك.
بالنتيجة، إنّ التنظيم الشامل للإعلام يمثّل نقلةً نوعيةً تنهي عهد العشوائية الرقمية، عبر صياغة معادلةٍ متّزنةٍ تحمي المجتمع الكويتي وترتقي بالرسالة الإعلامية في العصر الرقمي مع ضمان حماية الرأي.
المحامية فاتن النقيب


































