اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٢٩ كانون الأول ٢٠٢٥
إن تفضيل الناس للمشي داخل الحي، رغم صعوبته احيانا، ليس مجرد صدفة، بل هي رسالة اجتماعية واضحة، مفادها الحقيقي لا يقاس بالمسارات المصممة فقط، وإنما باتصالها بالحياة اليومية لأهالي المنطقة. عندها يشعر المرء أنه جزء من المكان وليس مجرد مستخدم لمسار، وعندها يصبح المشي فعلًا رغبة لا مجرد حركة.
لوحظ في العديد من المناطق السكنية تحول مثير للاهتمام، حيث يفضل السكان المشي داخل الأحياء والشوارع الداخلية بدلاً من المشي في الأماكن المخصصة على أطراف هذه المناطق، رغم أن المشي داخل الشوارع الداخلية أصعب، فالأرصفة غالبًا ما تكون متهالكة وغير مستمرة أو ضيقة، ويضطر البعض أحيانًا للمشي في وسط الشارع، ما يهدد سلامته. ومع ذلك، يظل هذا الخيار هو المفضل للعامة.
فما السبب في ذلك؟
الإجابة أكثر عمقًا مما يبدو، فالمشي داخل الحي ليس مجرد انتقال من نقطة إلى أخرى، بل هي تجربة اجتماعية متصلة بالوجود الاجتماعي ورؤية الآخرين، والتفاعل مع المحيط، حيث يشعر الناس بأن المشي داخل الحي يمنحهم أمانًا وتواصلا اجتماعياً تحت نور الذكريات الدافئة، محاطين بمنازل الجيران الطيبين، ومنتمين لروح الفريج السائدة، بخلاف المشي في الأماكن المخصصة، فيبدو المكان غالبًا مسارا معزولا لا حياة فيه، وغالبًا ما تكون تصميماته هامشية، ضيقة، مظلمة، ومنفصلة عن النسق اليومي للحياة.
هذه الظاهرة تطرح تساؤلات أكبر عن تصاميم المدن في الكويت: هل تمت مراعاة حركة المشاة عند تصميم المدن أم صممت لتكون أماكن للسكن فقط؟ وهل تم اعطاء الأولوية لخلق مساحات حقيقية للحياة اليومية، أم تم الاكتفاء بمسارات مضغوطة ومهجورة في الأحياء؟
إعادة التفكير في الممشى، ليس بإلغائه، بل بجعله جزءًا من المدينة نفسها، الحل ليس في إلغاء الممشى، بل في إعادة تصميم الفضاء الحضاري urban spaces، لجعل المشي جزءًا عضويًا من نسيج الحي، وليس نشاطًا يحدث في مسار منفصل، وذلك من خلال الآتي:
أ - تطوير الشوارع الداخلية: توسيع الأرصفة، تحسين الإضاءة، وإعادة تصميم الشوارع لتعطي الأولوية للمشاة دون إقصاء السيارات، ما يعزز الأمان والراحة.
ب - إعادة تعريف الفضاءات العامة داخل الحي: بإعادة توزيع المساحات الخارجية للمنازل السكنية للمحافظة على الطرق الجانبية للمشاة، إنشاء ساحات صغيرة، حدائق، ومسارات تفاعلية داخل الحي نفسه، بحيث لا يصبح المشي نشاطًا معزولًا، بل جزءًا من تجربة مجتمعية متكاملة.
ج - ربط الممشى بشكل مباشر مع شبكة الحي: بدلاً من أن يكون الممشى على أطراف المنطقة وإضافياً، يجب أن يكون امتدادًا طبيعيًا للشوارع الداخلية، مع نقاط نشاط، تظليل، وفرص للقاء الاجتماعي.
ربما لا تكون المشكلة في نقص الأماكن المخصصة لممارسة المشي، بل في تخطيط الحي نفسه الذي يحتاج أن ينبض بالحياة، ويُصمم حول الإنسان قبل أن يصمم للسيارات.
رغد أحمد الضعيان وسارة غازي العنزي


































