اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
شَهِدَت البيئة التشريعية والاقتصادية في دولة الكويت محطَّةً مفصليةً جديدةً، بصدور المرسوم بقانون 94-2026 المعدل لقانون المناقصات والمشتريات العامة.
يأتي هذا التعديل الجوهري استجابةً لمُتَطَلَّبات المرحلة الراهنة، التي تَستَدعِي تحديث العمل الإداري الحكومي، وصولاً لرؤية كويت جديدة 2035، والتخلُّص من العقبات «البيروقراطية»، التي لطالما تسبَّبت في إبطاء وتيرة التنمية.
أولاً: عصر جديد للمرونة الإدارية في المشتريات العامة.. رفع سقف التعاقد المباشر
أهم ما جاء في المرسوم الجديد هو رفع الحد الأقصى لقيمة التعاقد، الذي يجوز للجهات العامة إبرامه دون إذنٍ مُسبَقٍ من الجهاز المركزي للمناقصات العامة، ليكون مليون دينار كويتي.
يُمثِّلُ هذا التعديل قفزةً تنظيميةً نوعيةً؛ لأنَّ الجهات الحكومية سَتَحظَى باستقلاليةٍ ماليةٍ وإداريةٍ أوسع في تنفيذ عقودها التشغيلية والإنشائية المتوسطة، وليس فقط الصغيرة؛ ممَّا سَيُسَاهِم ليس في فقط في تقليل البيروقراطية والمركزية الإدارية، بل أيضاً تحقيق معايير الحوكمة والمرونة اللامركزية، التي يتمتع بها القطاع الخاص تحت سقف الرقابة والمساءلة.
أي أنَّ إدارة الجهات الحكومية سَتُصبِحُ حَقلاً أوسَعَ للإبداع الإداري وتحقيق المشاريع الريادية، كان يُعَرقِلُها الروتين المركزي.
ثانياً: اقتِلَاع المشاريع المُتَسَلِّقَة.. إلغاء الوكيل المحلي
جاءت الخطوة الثانية في المرسوم الجديد لِتَقلِب موازين البيئة الاستثمارية، من خلال حظر استخدام الوكيل المحلي في كل إجراءات التعاقد الحكومي.
هذا التعديل سَيُتِيح للشركات العالمية الأجنبية العابرة للقارات الدخول مباشرةً في المناقصات الحكومية، وتقديم عطاءاتها دون الحاجة لوجود وسيط محلي، يتقاضى عمولات تَرفَعُ من التكلفة الإجمالية للمشاريع، ممَّا سَيُسَاهِم بشكلٍ مباشرٍ في مكافحة الهدر، وتوفير المال العام، والحد من المشاريع الوهمية «المُتَسَلِّقَة»؛ التي لم يَكُنْ لها من عملٍ تشغيليٍّ سوى كونها «واجهة» وكيلة للشركات العالمية.
ثالثاً: رشاقة التشكيل الإداري وسرعة القرار
ألغى المرسوم الجديد عضوية كلٍّ من الجهات المختصَّة بشؤون التخطيط، والهيئة العامة للقوى العاملة، والصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسِّطة من مجلس إدارة جهاز المناقصات.
والغاية الأساسية من إعادة الهيكلة هذه؛ هي تقليص حجم مجلس الإدارة وتحويله إلى لجنةٍ أكثر تخصُّصاً و«رشاقة» من الناحية الإدارية والفنية؛ ممَّا سَيَمنَعُ تشتُّت الاختصاصات وتداخل الأدوار، ويَضمَنُ سرعة البتِّ في التظلمات والمناقصات الكبرى دون إطالةٍ ناتجةٍ عن كثرة التمثيل «المؤسَّسي-الروتيني» داخل المجلس.
رابعاً: تحليل الغاية التشريعية بمثال واقعي
لِنَفتَرِضُ بأنَّ وزارة التربية بحاجةٍ طارئةٍ لإعادة تأهيل شبكة تقنية المعلومات في مجموعةٍ من المدارس بقيمةٍ تقديريةٍ تَبلُغُ 800 ألف دينار كويتي.
في السابق، كانت الوزارة ستُضْطَرُّ لرفع طلب الشراء إلى الجهاز المركزي للمناقصات، والانتظار لأشهرٍ طويلةٍ لِطَرحِهَا والبتِّ فيها، وعندها سيكون على الوزارة التعامل إلزامياً مع وكلاءَ محليِّين، قد يفرضون هوامش ربحٍ مرتفعةٍ «استغلاليةٍ».
أما اليوم، وفي ظلِّ المرسوم الجديد، تستطيع الوزارة التعاقد مباشرةً وبسرعةٍ، لكون القيمة تحت سقف المليون دينار، كما يمكن لشركةٍ عالميةٍ متخصِّصةٍ تقديم أحدَثِ الحلول التقنية الحديثة مباشرةً للوزارة دون وكيل محلي؛ ممَّا يَعنِي إنجازَ الصيانة قبل بدء العام الدراسي وبتكلفةٍ ماليةٍ أقلَّ، وبجودةٍ أعلى.
خامساً: الآثار العميقة المُتَوَقَّعَة من المرسوم الجديد
تتمثَّل الآثار العميقة المتوقَّعة لهذا المرسوم؛ في إحداث نقلةٍ نوعيةٍ في كفاءة الإنفاق الحكومي، وتسريع عجلة التنمية المستدامة في الكويت.
إنَّ تقليص البيروقراطية وجذب الشركات العالمية مباشرة، سيَخلُقان بيئة أعمال تنافسية وعادلة؛ الأمر الذي سَيُسَاهِمُ في خفض تكاليف المشاريع العامة، وتحسين جودة البنية التحتية، ورفع تصنيف دولة الكويت في مؤشِّرات سهولة ممارسة الأعمال العالمية؛ وعليه، فقد بدأت حقاً ملامح الكويت الجديدة بالظهور.
المحامية فاتن النقيب


































