اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة الأنباء
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
ياسر العيلة
في سادس عروض مهرجان «باك ستيج» المسرحي، كان الجمهور على موعد مع مسرحية «وجه الظل» من إنتاج شركة «بوب أب»، تأليف فواز الوسمي في أولى تجاربه المسرحية، وإخراج إبراهيم بوطيبان، وبطولة أحمد العريفي ومحمد دشتي ومحمد عابدين وعبدالله الدبيس وخديجة الشايع وصباح عبادي ومبارك القطان.
اختار العمل أن يغوص في المناطق المعتمة داخل النفس البشرية، مقدما حكاية «ناهض» أحمد العريفي، الشاب الذي يطارد نفسه صراع داخلي مع أفكار سلبية وموروثات نفسية تراكمت بداخله منذ الطفولة، بفعل تربية والديه وتأثير المجتمع المحيط به. وبين رغبته في التحرر من تلك الأفكار ومحاولاته المتكررة لاستعادة توازنه، تظهر شخصيتا «جموح 1» محمد دشتي و«جموح 2» عبدالله الدبيس بوصفهما انعكاسا لأصواته الداخلية التي تحاصره وتشكك في قدرته على التغيير، وتعيده باستمرار إلى الدائرة ذاتها، حتى يخوض مواجهة مع ذاته، محاولا التحرر من قيود الماضي والتصالح مع أخطائه وتحمل مسؤوليتها.
ينتمي العرض إلى المسرح العبثي، بما يحمله هذا اللون من أبعاد نفسية وفلسفية، واعتماده على الرمزية والتعبير الحركي بعيدا عن السرد التقليدي المباشر، وهي تجربة تحمل فكرة تستحق التأمل، لكنها في الوقت نفسه تضع صناع العمل أمام تحد مهم، يتمثل في كيفية إيصال الرسالة إلى جمهور متنوع، لا يعتاد بالضرورة هذا النوع من التجارب المسرحية.
وهنا تحديدا كان يمكن للمؤلف فواز الوسمي والمخرج إبراهيم بوطيبان الاقتراب أكثر من المتلقي العادي، من خلال تبسيط بعض مفاصل الحكاية وتوضيح مسارات الصراع، دون التخلي عن الروح العبثية أو عمق الفكرة الفلسفية فليس المطلوب أن يتخلى العمل عن خصوصيته، وإنما أن يمنح الجمهور مفاتيح أكثر وضوحا للدخول إلى عالمه وفهم دلالاته.
بصريا، امتلك العرض عناصر لافتة، خصوصا على مستوى السينوغرافيا التي اتسمت بالبساطة والرمزية، حيث بدت الأقنعة البيضاء المعلقة على امتداد خشبة المسرح وكأنها وجوه متعددة يرتديها الإنسان لإخفاء حقيقته، في دلالة تتناغم مع عنوان العمل وفكرته الأساسية.
كما جاءت الإضاءة المتباينة بين الأحمر والبنفسجي والأخضر والأبيض، إلى جانب المساحات المعتمة، معبرة عن حالات التوتر والصراع النفسي والعزلة التي يعيشها البطل، فيما بدت الأزياء والديكورات منسجمة مع طبيعة العمل وأجوائه العبثية.
ولا يمكن تجاوز المكياج الذي كان أحد أبطال العرض، حيث قدم علي المطيري عملا مبهرا في تشكيل ملامح الشخصيات، مضيفا بعدا بصريا ساهم في تعزيز الحالة النفسية والغرائبية التي أراد العمل الوصول إليها.
ومن أبرز عناصر التميز وجود فرقة موسيقية بقيادة راية الغريبي، التي تولت التأليف الموسيقي للمقطوعات المصاحبة، بمشاركة مجموعة من العازفين المتميزين الذين قدموا عزفا حيا على خشبة المسرح، وجاءت هذه المقطوعات متناغمة مع تطورات الأحداث، إلى جانب المؤثرات الصوتية، ومنها دقات الساعة المتكررة التي ظلت حاضرة في خلفية المشاهد، لتضيف إحساسا بالتوتر والترقب.
وقد ساهمت الموسيقى الحية في تخفيف حدة الرتابة خلال بعض المشاهد، خصوصا تلك التي اعتمدت على التعبير الحركي والصمت، غير أن الإيقاع العام للعرض ظل بحاجة إلى مزيد من التكثيف والسرعة فالمشهد الافتتاحي، على سبيل المثال، امتد لأكثر من اربعة دقائق دون حوار، معتمدا على الحركة والتعبير الجسدي، وهو ما جعل بدايته بطيئة نسبيا.
ورغم أن التكرار والصمت والحركة من الأدوات المعروفة في المسرح العبثي، فإن توظيفها يحتاج إلى حس إيقاعي دقيق، حتى لا تتحول من أدوات تعبيرية تخدم الفكرة إلى مساحات زمنية تثقل العرض، وكان من الممكن تقليص بعض مشاهد التعبير الحركي، خصوصا في البداية، لمنح الأحداث حيوية أكبر والحفاظ على انتباه الجمهور.
أداء تمثيلي لافت
تمثيليا، قدم محمد دشتي واحدا من أبرز أدوار العرض، حيث جسد شخصية «جموح» بتمكن واضح، مستفيدا من حضوره وأدواته التعبيرية وقدرته على الانتقال بين الحالات المختلفة للشخصية، كما قدم عبدالله الدبيس شخصية «جموح 2» بأداء مميز، ونجح في تجسيد الجانب الآخر من الصراع النفسي الذي يعيشه البطل، كما لفت محمد عابدين الأنظار بأداء رشيق وحيوية واضحة على خشبة المسرح، سواء في التمثيل أو الحركة، ونجح في تقديم شخصية متفاعلة مع طبيعة العمل، فيما قدم أحمد العريفي شخصية «ناهض» بشكل جيد جدا، معبرا بسلاسة وبساطة عن معاناته وصراعاته الداخلية، ليكون أحد أبرز نجوم العرض.
وعلى الرغم من محدودية مساحة الأدوار النسائية، استطاعت خديجة الشايع أن تترك بصمة خاصة من خلال شخصية «بصيرة»، مقدمة أداء مميزا وحضورا لافتا جذب الأنظار إليها، كما أدت صباح عبادي ومبارك القطان أدوارهما بصورة جيدة، وأسهموا في استكمال الصورة الجماعية للعرض.
بالنهاية، المسرح العبثي لا يشترط أن تكون الحكاية مباشرة، لكنه يحتاج إلى أدوات أكثر ذكاء في جذب المتلقي، وإبقائه داخل التجربة حتى لحظتها الأخيرة.


































