اخبار ليبيا
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٣ أذار ٢٠٢٦
كشف الحقيقة والمساءلة والملاحقة وجبر الضرر وحفظ الذاكرة جميعها من ركائز العدالة الانتقالية التي لم تر النور ما يبدد أي جهود للمصالحة الوطنية
أضحى العثور على مقابر جماعية في ليبيا الممزقة بين حكومتين متنافستين على الأرض، واحدة في الغرب والثانية في الشرق ولكل منهما أجنحة أمنية وسياسية، أمراً شائعاً، خصوصاً أن البلد الذي يتربع على ضفاف المتوسط يتخذه الأفارقة الفارون من الحروب والفوضى الأمنية كنقطة عبور نحو القارة الأوروبية.
العثور المستمر على مقابر جماعية دفع نحو 30 منظمة دولية، العام 2025، للمطالبة بـ'تجميد التمويل' الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي لهذا البلد، في ظل استمرار فشل حقوق الإنسان الذي ترجمه تزايد العثور على مقابر جماعية للمهاجرين غير النظاميين أو لمواطنين ليبيين.
وتعرف الأمم المتحدة المقبرة الجماعية بأنها 'كل قبر واحد أو حفرة أو سرداب يحتوي على ثلاث جثث بشرية أو أكثر، وقد دفنوا بعد إعدامهم، سواء أكانت هويتهم معروفة أم غير معروفة'.
وفي سياق متصل، أعلن جهاز دعم مديريات الأمن غرب ليبيا تحديد هوية اثنين من بين الجثمانين التي اكتشفتها السلطات الأمنية في مقبرة جماعية، جرى التوصل إليها في الـ10 من مارس (آذار) الجاري في مقبرة سيدي حسين بمنطقة مشروع الهضبة الزراعي بالعاصمة طرابلس.
وقال الجهاز في بيان، إن الجثمانين يعودان للمواطنين محمد الطاهر وعبدالعاطي القبلي، اللذين سبق واختفيا في 25 أبريل (نيسان) عام 2023، إثر خلاف مع سيف الككلي ابن شقيق آمر جهاز دعم الاستقرار، عبدالغني الككلي الملقب بـ'غنيوة' الذي قتل في مايو (أيار) 2025.
ودعا جهاز 'دعم مديريات الأمن' كل من يملك معلومات حول جرائم جهاز دعم الاستقرار إلى تزويد الجهات الأمنية بها، وقد سبق أن كشفت وزارة داخلية حكومة الوحدة الوطنية عن هوية 23 جثة من بين 58 جثة عثرت عليها السلطات في ثلاجة حفظ الموتى، كانت تحت نفوذ جهاز دعم الاستقرار بمستشفى أبو سليم.
وكانت السلطات الليبية عثرت أيضاً على 50 جثة في فبراير (شباط) عام 2025 موزعة على مقبرتين جماعيتين في صحراء جنوب شرقي البلاد. وفي مارس (آذار) 2024، توصلت السلطات الليبية إلى مقبرة جماعية فيها جثث تعود إلى 65 مهاجراً في جنوب غربي ليبيا، وفق المنظمة الدولية للهجرة.
وأكدت الحقوقية منى توكا أن المقابر الجماعية هي أحد أكثر فصول التاريخ الليبي ألماً، لكن كشفها أمر مهم لمعرفة مصير المغيبين والمختفين قسراً، منوهة أن المقابر الجماعية تبقى نقطة دالة على جرائم الجماعات غير القانونية وشاهداً على خطورة انتشار السلاح خارج الأطر القانونية.
ورجحت توكا في تصريح خاص أن يزداد عدد المقابر الجماعية المكتشفة في الأعوام المقبلة نظراً للعنف الذي عرفته ليبيا وعدد المفقودين الكبير من مواطنين ومهاجرين وأجانب.
وتابعت الحقوقية الليبية أنه لا يمكن التعامل مع موضوع المقابر الجماعية كحدث عابر أو مجرد اكتشاف جنائي محدود، لأن ما نراه اليوم هو دليل مادي صادم يكشف عن طبيعة الجرائم التي ارتكبتها الميليشيات في ليبيا منذ اندلاع الانتفاضة الليبية، مؤكدة أن المقابر الجماعية تعري البنية العنيفة التي سمحت بحدوث هذه الجرائم.
وأضافت أن المقابر الجماعية تشير بوضوح إلى 'وجود نمط ممنهج من الانتهاكات الجسيمة' وفق وصفها، مثل الإخفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون، وهي جرائم لا تحدث في سياق الفوضى فقط بل في ظل منظومات تستبيح إنسانية الإنسان وتسقط عنه أي حماية قانونية أو أخلاقية.
وقالت، إن اكتشاف جهاز دعم مديريات الأمن لهذه المقابر يؤكد محاولة المجرمين طمس الحقيقة، إذ لا يقتصر الفعل الإجرامي على القتل، بل يمتد إلى إخفاء الجثث وحرمان العائلات من حقها في معرفة مصير أبنائها، وهو ما يعد انتهاكاً مركباً يمس الكرامة الإنسانية قبل وبعد الموت.
وحول جغرافية المقابر المكتشفة وتوزعها جنوباً وغرباً وشرقاً، أكدت توكا أن هذا المؤشر يكشف أن القتل المتعمد وإخفاء الجثث ممارستان متكررتان تعكسان غياب الدولة وتفكك مؤسسات العدالة، وتؤكدان وجود بيئة حاضنة للإفلات من العقاب. و'الدليل أنه قبل اكتشاف مقبرة سيدي حسين في منطقة مشروع الهضبة، جرى التوصل لمقابر جماعية عدة أخرى بعد سقوط رئيس جهاز دعم الاستقرار غنيوة الككلي، وأكبر المتهمين فيها يعيش حراً طليقاً حتى بعد كل الشهادات والأدلة التي جمعت'، بحسب توكا التي رأت أن 'معظم من يقدم على هكذا جرائم يمتلك حصانة قانونية مثله مثل عديد من الذين أفلتوا من العقاب'.
وقالت توكا، إن المقابر الجماعية عبارة عن أدلة تشكل حجر أساس، أي مسار مساءلة حقيقية، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، حيث يمكن الاعتماد عليها في توثيق الجرائم وتحديد أنماط الانتهاكات وربطها بالمسؤولين عنها، إضافة إلى أنها تسهم في كسر الروايات الزائفة أو محاولات الإنكار، وفق رأيها.
وعن العلاقة التلازمية بين المقابر الجماعية والعدالة الانتقالية، أشارت الحقوقية الليبية إلى أن المقابر الجماعية أهم دليل على وجود جرائم الحرب أو الإبادة الجماعية، وفتح مقابرها نقطة ضوء نحو مسار العدالة الانتقالية لأنه يعيد الاعتبار للضحايا ويمنحهم الحق في توثيق ما تعرضوا له، بدل أن يظلوا مجرد أرقام أو حالات منسية، كذلك تسهم في تفكيك ثقافة الإنكار التي تعد واحدة من أكبر العوائق أمام أي مصالحة حقيقية.
وذهبت إلى أنه لا يمكن بناء سلام مستدام من دون مواجهة الماضي والاعتراف بجرائمه ومحاكمة المجرمين، فرفات الضحايا في المقابر الجماعية تبقى من أقوى الأدلة القضائية لمحاكمة الجناة وإنهاء موضوع الإفلات من العقاب. وتابعت أن الكشف عن المقابر الجماعية يفتح الباب أمام مسارات متعددة للعدالة تبدأ من التوثيق والتحقيق ولا تنتهي عند المحاسبة فقط، بل تمتد إلى جبر الضرر وتعويض الضحايا وإعادة الاعتبار لهم ولعائلاتهم. وهو أيضاً اختبار حقيقي لمدى جدية الدولة والمجتمع في بناء منظومة قانونية تضمن عدم تكرار هذه الجرائم، خصوصاً أن إعادة الرفات للأسر لدفنها بكرامة ووفقاً لتقاليدهم الثقافية والدينية، أمر يسهم في شفاء الجروح النفسية والاجتماعية.
من جهته، قال المتخصص بالشؤون القانونية إحميد الزيداني، إن اكتشاف هذه المقابر الجماعية ليس الأول ولن يكون الأخير في السياق الليبي. فليبيا مرت بمنعطفات خطرة على مدار الأعوام الماضية، كان فيها الاختفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون بصورة ممنهجة وعلى نطاق واسع، هو السمة الغالبة.
ويتفق الزيداني مع توكا أن مرتكبي هذه الجرائم لم ينالوا جزاءهم بعد، الأمر الذي ولّد شعوراً بالإحباط لدى أسر الضحايا، مؤكداً أن كشف الحقيقة والمساءلة والملاحقة وجبر الضرر وحفظ الذاكرة، جميعها من ركائز العدالة الانتقالية التي لم تر النور بعد في ليبيا، بل ويراها البعض بعيدة المنال، مما يبدد أي جهود للمصالحة الوطنية، بحسب قوله.
وأردف المتخصص بالشؤون القانونية في حديثه أنه على رغم بعض الجهود الوطنية والدولية لملاحقة مرتكبي هذه التجاوزات بحق الإنسان، فإن استمرار تصدر المشهد منْ قبل من يزعم ارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية من أمراء الحرب والميليشيات يعوق هذه الجهود.



























