اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٢٦ أيار ٢٠٢٦
وليد منصور -
أظهر تقرير «مراقبة اقتصاد الشرق الأوسط» الشهري، الصادر عن PwC، أن اقتصادات الخليج تواجه ضغوطا متزايدة، نتيجة اضطرابات التجارة والطاقة في المنطقة، وسط تحركات حكومية ومالية متسارعة، تهدف إلى حماية الأسواق وضمان استمرار تدفق السلع والطاقة والسيولة المالية.
وأوضح التقرير أن الأزمة الحالية دفعت دول الخليج إلى تسريع خطط إعادة هيكلة سلاسل الإمداد، وتنويع طرق التصدير وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
ضغوط الطاقة
بحسب التقرير، فإن تداعيات التوترات الإقليمية تجاوزت حدود اضطراب الشحن البحري، لتشمل تراجع إنتاج النفط والغاز، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، إضافة إلى ضغوط على ثقة المستثمرين والإنفاق الاستهلاكي.
وأشار إلى أن بعض الدول الخليجية واجهت تحديات أكبر نتيجة اعتمادها المباشر على مضيق هرمز لتصدير النفط والغاز، خصوصا الكويت وقطر والبحرين والعراق، في حين استفادت السعودية والإمارات من امتلاك منافذ تصدير بديلة خارج المضيق، بينما بقيت سلطنة عمان الأقل تأثرا نسبيا بحكم موقعها الجغرافي.
وأوضح التقرير أن إنتاج النفط الخام في الدول المطلة على مضيق هرمز تراجع خلال أبريل بنحو 10 ملايين برميل يوميا مقارنة بمستويات فبراير، أي بانخفاض يقارب %40، كما تضررت منشآت الغاز الطبيعي المسال وسلاسل الصناعات المرتبطة بالطاقة. وأضاف أن بعض المنشآت تعرضت لأضرار مباشرة، بينما أوقفت منشآت أخرى عملياتها احترازيا تحسبا لأي تصعيد إضافي، الأمر الذي انعكس على الصناعات التحويلية والبتروكيماوية المرتبطة بالهيدروكربونات.
وأشار التقرير إلى أن ارتفاع أسعار النفط ساعد جزئيا في تخفيف آثار تراجع الصادرات، إذ يتوقع صندوق النقد الدولي وصول متوسط سعر النفط إلى 80 دولارا للبرميل خلال 2026، مقارنة بتقديرات سابقة عند 66 دولارا، إلا أن ذلك لم يكن كافيا لتعويض خسائر انخفاض أحجام التصدير بالكامل، مما أدى إلى اتساع الضغوط المالية على بعض الاقتصادات الخليجية. كما خفضت التقديرات معدل نمو اقتصادات الخليج إلى %1.8 بدلا من %4.4 سابقا، مع توقع تسجيل عجز مالي مجمع بنحو %1.4 من الناتج المحلي الإجمالي.
تباطؤ اقتصادي
ولفت التقرير إلى أن تداعيات الأزمة بدأت تنعكس على القطاعات غير النفطية أيضا، حيث سجلت مؤشرات مديري المشتريات تباطؤًا في النشاط الاقتصادي خلال مارس وأبريل، وإن بدرجات متفاوتة بين دول الخليج. وبينما حافظ اقتصاد الإمارات على مستويات أعلى من خط التوسع الاقتصادي، أظهرت السعودية تباطؤا مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة، في حين واجهت الدول الأكثر اعتمادا على التجارة البحرية ضغوطًا أكبر على النشاط الاقتصادي والخدمات اللوجستية.
كما تأثر قطاعا السياحة والتجزئة نتيجة انخفاض أعداد المسافرين وتراجع الإنفاق الاستهلاكي، مما دفع الحكومات الخليجية إلى إطلاق مبادرات دعم عاجلة للقطاع الخاص.
وذكر التقرير أن دبي قررت تأجيل بعض الرسوم الفندقية والسياحية والخدمية لمدة ثلاثة أشهر ضمن حزمة دعم بقيمة مليار درهم، فيما أطلقت أبوظبي مبادرات لتحفيز الحركة التجارية داخل المطار والمرافق المرتبطة بالسفر والسياحة، كما لجأت البحرين إلى استخدام صناديق دعم العمالة لسداد رواتب العاملين في القطاع الخاص خلال ذروة الأزمة.
تحولات لوجستية
وأكد التقرير أن دول الخليج تحركت سريعاً لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد وتجاوز الاختناقات البحرية، حيث تم تحويل جزء من حركة الشحن إلى موانئ بحر عمان والبحر الأحمر، ثم نقل البضائع برا إلى دول الخليج، كما رفعت السعودية وتيرة قطارات الشحن، وفعّلت خطوط نقل بحرية جديدة بين الدمام وأبوظبي والشارقة، في حين استوعبت الدمام جزءًا من حركة الطيران المحولة، بعد تعليق بعض الرحلات في الكويت والبحرين.
وأشار التقرير إلى أن هذه الحلول ساعدت في الحفاظ في تدفق السلع الأساسية، ومنع حدوث نقص واسع في الأسواق، لكنها رفعت كلفة النقل والخدمات اللوجستية بصورة كبيرة، خصوصا مع الاعتماد على النقل البري لمسافات طويلة داخل السعودية، أو الضغط المتزايد على موانئ البحر الأحمر.
كما أورد التقرير مثالا على إعادة توجيه شحنات أخشاب أوروبية متجهة إلى قطر عبر الإمارات ثم نقلها برا، ما أدى إلى تضاعف تكاليف النقل ثلاث مرات تقريبا.
وأضاف أن الأزمة كشفت الحاجة الملحة لتوسيع الاستثمار في البنية التحتية اللوجستية العابرة للحدود، بما يشمل شبكات السكك الحديدية، والموانئ البديلة، ومراكز التخزين الإستراتيجية، بهدف رفع جاهزية الاقتصادات الخليجية للتعامل مع أي اضطرابات مستقبلية في التجارة العالمية.
دعم مالي
وعلى الصعيد المالي، أوضح التقرير أن البنوك المركزية الخليجية تدخلت بسرعة للحفاظ على استقرار الأسواق والسيولة، عبر تخفيف بعض المتطلبات الرقابية على البنوك، وفتح نوافذ تمويل مرنة، والسماح بتأجيل سداد بعض القروض دون تصنيفها كديون متعثرة، على غرار الإجراءات، التي تم تطبيقها خلال جائحة كورونا، كما تم تعزيز أدوات السيولة لمواجهة أي ضغوط محتملة على القطاع المصرفي أو الودائع.
وأشار التقرير إلى توقيع اتفاقية مبادلة عملات بين الإمارات والبحرين بقيمة 5.4 مليارات دولار، إلى جانب توجه بعض الحكومات الخليجية نحو جمع تمويلات خاصة من أسواق الدين لتعزيز التدفقات النقدية القصيرة الأجل، كما كثفت الجهات الرقابية الخليجية حملات مراقبة الأسواق والسلع الأساسية لمنع أي ارتفاعات سعرية غير مبررة وضمان استقرار الإمدادات الغذائية والاستهلاكية.
أولوية إستراتيجية
ورأى التقرير أن الأزمة الحالية قد تمثّل نقطة تحول مهمة في السياسات الاقتصادية الخليجية، حيث بات تنويع طرق التجارة والطاقة أولوية إستراتيجية طويلة الأجل، وليس مجرد خيار اقتصادي مؤقت.
وأكد أن المرحلة المقبلة ستشهد على الأرجح تسارعاً في مشاريع الموانئ البديلة، وخطوط الأنابيب، والربط البري والبحري الخليجي، إلى جانب زيادة الاستثمار في الأمن اللوجستي والطاقة والبنية التحتية الصناعية.
قدرة واضحة على التكيف
اختتم التقرير بالإشارة إلى أن اقتصادات الخليج أظهرت قدرة واضحة على التكيف السريع مع الصدمات بفضل قوة الاحتياطيات المالية وسرعة التدخل الحكومي، إلا أن استمرار التوترات الجيوسياسية لفترة طويلة قد يفرض تحديات أعمق تتطلب إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتسريع برامج التنويع الاقتصادي، وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق التجارية التقليدية.


































