اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة الجريدة الكويتية
نشر بتاريخ: ١٨ حزيران ٢٠٢٦
• كيف بدأت علاقتك بالكتابة الروائية، وما اللحظة التي شعرت فيها أن الأدب سيكون مسارك الحقيقي؟
- مع أنني أصدرت روايتي الأولى «في ذلك الكهف المنزوي» قبل أكثر من عشرة أعوام، بدأت علاقتي بالرواية منذ عمر مبكر بقراءة روايات أجاثا كريستي وروايات الأدب الروسي وكذلك مشاهدة الأفلام والمسلسلات المنتجة من أعمال عربية وعالمية. قرأت كتب التاريخ في سن مبكرة، ووجدت ثغرات يتعذر على مثل هذه المصادر ردمها. كان مشروع الكتابة الروائية مبّكراً لكنه اختمر فترة طويلة حتى أثمر أعمالاً ربما لو كتبتها في عمر مبكر لم تكن بمثل هذا النضح.
• معظم أعمالك يدور في فضاءات عراقية مشبعة بالتاريخ والسياسة والذاكرة، لماذا تصر على العودة روائياً حتى وأنت تعيش خارجه؟
- بالفعل، فالرواية تدوين وإعادة كتابة التاريخ بما فيها التاريخ السياسي والاجتماعي والنفسي والذاكراتي سردياً في محطات أغفل عنها المؤرخون. من يقرأ تاريخ العراق على مدى أكثر من قرن منذ الاحتلال البريطاني حتى يومنا هذا الحافل بالانقلابات والحروب والحصار والاحتلال الأميركي وما رافقته يجد أن المجتمع عاش زلازل كبرى انعكست على كافة شرائحه وأحدث تبدلات هائلة في النفسية والمزاج العام. إن كل ما كتبته، وما سرده غيري من الروائيين، يظل قطرة من بحر الواقع المشبع بالأحداث.
• ما الذي يجذبك إلى شخصيات الهامش والمهشمين والمهزومين في المجتمع أكثر من الشخصيات التقليدية؟
- مثلما كتب التاريخ مكرسة للملوك والمنتصرين، فالرواية لسان حال المهزومين والمهمشين الذين تغافل التاريخ عنهم أو تجاهلهم. مثل هذه الشخصيات التي لا يتردد الروائي في التركيز عليها أو منحها دور البطولة هي ما يجعل العمل أكثر واقعية وتماسكاً وتكاملاً وقرباً لواقع متخيل، ويمنحه أبعاداً إنسانية واجتماعية، وربما تكون هذه المقاربة ما جعلت الكثير من الأعمال خالدة، وخير مثال أعمال نجيب محفوظ الحافلة بالشخصيات المهمشة التي أبدع الراحل في صنعها.
• في رواياتك هنالك حضور واضح للعنف والخوف والانهيارات الاجتماعية، فهل ترى أن الرواية يجب أن تكون شاهدة على الواقع أو وسيلة للهروب منه؟
- الرواية هروب من الواقع للتشبث في شراكه، فالرواية تصنع واقعاً متخيلاً من رحم الواقع الحقيقي عبر خلق شخصيات وأماكن وأحداث يضارع الواقعي. فالروائي مهندس واقع متخيل، حافل بالإبداع والامتاع والإقناع، وحدوده في خياله الذي لا حد له. وبالنسبة للعنف والخوف والانهيارات الاجتماعية، فهي ظواهر ناجمة عن تاريخ سياسي واجتماعي مضطرب قائم على عقود من الحروب والدكتاتورية والحصار ومن ثم الاحتلال وما رافقه من ظواهر عنف.
• كيف تبني شخصياتك الروائية؟ وهل تستند إلى أشخاص حقيقيين قابلتهم في حياتك؟
- الشخصيات هي العمود الفقري للرواية والمائز بين كاتب وآخر، وثمة أمثلة على الشخصيات الروائية التي لا تزال حاضرة بين القراء مع أنها كائنات ورقية. بالنسبة لي، اختار هذه الشخصيات بعناية، بعضها من الواقع المعاش، والكثير منها من الخيال، لكن حتى تلك الواقعية أسقط على ملامحها مشاعر وانفعالات توافق تماماً شخوص النص. مثلًا، شخصية طارق في «القديسة بغداد»، (الراوي العليم)، ومصطفى في رواية «ما تبقى من أوراق غجرية» التي تتحدث بلغة الشخص الأول، كانتا لسان حالي وشخصيتي في الكثير من تفاصيلها، لكنهما في الوقت عينه شخصيتان عاشتا أحداثاً لم أشهد الكثير منها، وتصرفتا بطريقة تماثلني أحياناً وتختلف عني كلية في أحيان أُخر. لعل المقاربة التي أتخذها في رسم الشخصيات المتخيلة أنني أعيشها، وأحياناً أنصهر فيها، بحيث لا يجد القارئ أي مجال لتصور أنني أتحدث عن شخصية أخرى غيري.
• رواية «الغول البهي» تناولت آثار الحروب والحصار بعد غزو الكويت، كيف تعاملت مع هذه المرحلة الحساسة دون الوقوع في التوثيق المباشر أو الخطاب السياسي؟
- الرواية وفق فهمي تطوّع التاريخ لا تطاوعه، أي أنها لا تبتعد عن الأحداث الكبرى، فتصّيرها مجرد حديقة خلفية لأحداث صغرى متخيلة، اجتماعية أو نفسية عادة، انبثقت بين ركامها. لذلك، تطرقتُ للحروب والحصار في رواية «الغول البهي» وبقية الأعمال بإشارات عابرة يشتشفها القارئ تلميحاً أو تصريحاً من خلال الحوارات لكي أبتعد عن التوثيق المباشر قدر الإمكان. وفي «الغول البهي» التي تتمحور حول شخصية القاتل المتسلسل، ربما أكون نجحت من خلال الجمع بين تقنيات السرد والمتسلسلة القصصية وسط خيط السرد الذي يتكامل عبر الفصول وصولاً إلى النهاية لحل العقدة، عبر تقديم شخصيات وخلفيات اجتماعية وأحداث متنوعة، ما منح العمل بعداً تاريخياً واجتماعياً ونفسياً وسياسياً وحتى إعلامياً دون الوقوع بالمباشرة.
• كيف تنظر إلى وضع الرواية العراقية اليوم؟ هل تعتقد أنها استطاعت الوصول إلى القارئ العربي بالشكل الذي تستحقه؟
- ربما لا أبالغ بالقول إن الرواية العراقية على مجملها متجددة ومبدعة خاصة مع جيل الرواد والأسماء عديدة، كون الروائي العراقي كثير القراءات، ونتاجاته عادة عصارة لأفكار فلسفية ونفسية وقراءة متأنية للتاريخ والتحولات الاجتماعية، إضافة إلى اطلاعه الواسع على الأدب العالمي والعربي. مع ذلك، أجد أن الرواية العراقية لم تصل للقارئ العربي مقارنة بغيرها من الروايات ربما لغيابها لعقود جرّاء الحروب والسيطرة التامة للنظام السابق على الكتابات، وبعدها الحصار، ما أثر على حضور الرواية العراقية عربياً، أو ربما لأن هذه الرواية بحاجة إلى ترويج أكبر، وهذا ما بدأ يحصل من خلال المشاركة بقوة في الجوائز أو معارض الكتب العربية.
• إلى أي مدى أثرت تجربتك في الترجمة على أسلوبك الروائي ولغتك في الكتابة؟
- أتاحت لي الترجمة الاطلاع على أدب وثقافة الآخر. وفي الحقيقة، وجدت في الأعمال الأجنبية التي ترجمتها أنها عميقة في الطرح، ومكتوبة بلغة أدبية عالية، إضافة إلى جرعة معرفية واسعة وحبكة حافلة بالتشويق، وسرد متقن وليست مجرد حكاية. تعلمت من هذه الأعمال مقاربة روائية تقوم على رسم ثيمة مركزية مع ثيمات فرعية تقوي النص لا تشتته، إلى جانب تنوع في الشخصيات وانتقال سلس ومشوق بين الأحداث.
• ما أبرز التحديات التي تواجه الكاتب العربي اليوم، سواء على مستوى النشر أو التوزيع أو الوصول للجمهور؟
- التحديات عديدة إضافة إلى مسألة النشر والتوزيع. الروائي العربي يعيش ليكتب، لا أن يكتب ليعيش، إذ من النادر أن نجد روائياً متخذاً الكتابة مهنة تعود عليه بدخل مقبول مثل معظم الكتاب في دول العالم. ليست لدينا مثلاً وكالات أدبية تكون وسيطاً بين الكاتب والنشر تضمن حقوقه وتسعى للتعاقد مع دور أجنبية لنشر أعماله. وباستثناء بعض الأسماء المعروفة، فإن جهود النشر والترويج ربما حتى التوزيع يقوم بها الكاتب نفسه، ما يجعل الكتابة بالنسبة للكثيرين مجرد هواية حتى إن كان الروائي مبدعاً ومتمكناً من فنه وله باع طويل.
• ما المشاريع الأدبية التي تعمل عليها حالياً، وهل هناك رواية جديدة أو ترجمة قادمة في الطريق؟
- أكملت روايتي السادسة «9 أبريل» وهي أشبه بسيرة ذاتية لفترة إقامتي وعملي في مجال العلاقات العامة والإعلام بدولة الإمارات، ولا تتطرق للعراق أو للسياسة سوى بإشارة سريعة، وأتمنى صدورها هذا العام أو بداية العام المقبل. كذلك ترجمت أكثر من كتاب تراثي لمؤسسة أبحاث وبانتظار نشره. وأعكف حاليًّا على البحث والدراسة عن مدينة أور السومرية وانهيارها لتكون ثيمة أساسية لعمل روائي سابع.


































