اخبار البحرين
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ٢١ نيسان ٢٠٢٦
عبدالله جابر - الخليج أونلاين
مجلس الوزراء في البحرين يبدأ بمراجعة الأطر القانونية والإجرائية المرتبطة بالجنسية، تنفيذاً لتوجيهات ملك البلاد بخصوص خونة الوطن.
أعادت مملكة البحرين مؤخراً ترتيب أولوياتها الداخلية، واضعة ملف المواطنة في قلب معادلة الأمن الوطني، بعد سلسلة تطورات عسكرية وأمنية غير مسبوقة في المنطقة.
ويبدو أن الحديث عن الجنسية لم يعد مجرد إطار قانوني جامد، بل تحول إلى أداة سيادية تعكس حدود الانتماء ومعايير الولاء، في ظل حرب كشفت، كما تشي الخطابات الرسمية، الفارق بين من يقف مع الوطن ومن يقف ضده.
ومن هنا جاء تكليف ملك البحرين، الملك حمد بن عيسى آل خليفة، لولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير سلمان بن حمد، باتخاذ إجراءات فورية بحق 'خونة الوطن'، ليؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الحزم في الداخل، بالتوازي مع التهدئة الحذرة في الخارج.
خطوة تحمل في طياتها رسائل مزدوجة؛ تعزيز الجبهة الداخلية، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، وهو يدفع ملف الجنسية إلى الواجهة، بعد كل المخاطر التي عاشتها البلاد، وحالة التشفي التي أبداها البعض من أبنائها.
يركز التوجه البحريني الجديد بخصوص المواطنة على البعد الأمني، المرتبط بالخيانة والتخابر، وليس إعادة هندسة شاملة لملف الجنسية، فهل تشهد البلاد موجة سحب جنسيات مشابهة لتلك التي تشهدها الكويت؟
توجيهات ملكية
بدأت ملامح هذا التحول مع تأكيد ملك البحرين مؤخراً أن البلاد تجاوزت تداعيات الاعتداءات الإيرانية، مشيراً إلى تكليف ولي العهد بالبدء فوراً باتخاذ إجراءات صارمة تجاه المتورطين بالمساس بأمن الوطن، ومن ضمن ذلك النظر في استحقاقهم لحمل الجنسية البحرينية.
التوجيه الملكي لم يكن مجرد تصريح سياسي عابر، بل جاء ضمن رؤية أوسع لمعالجة آثار الحرب، تشمل الجوانب الدفاعية والاقتصادية، إلى جانب البعد الأمني الداخلي.
ووفقاً لما ورد في التوجيه الملكي، ونشرته وكالة أنباء البحرين، فإن المرحلة المقبلة ستشهد إجراءات شاملة وحاسمة تستند إلى تقييم شامل لما وصفه الملك بـ'النواقص'، التي كشفتها المرحلة الماضية في كل المجالات.
الرسالة كانت واضحة: 'لا تهاون مع أي مساس بالأمن الوطني، ولا تساهل مع من سوّلت له نفسه خيانة الوطن'، وهي لغة تعكس تحوّلاً نحو مقاربة أكثر صرامة، تتجاوز الأدوات التقليدية في التعامل مع التهديدات الداخلية، وهنا يحضر ملف الجنسية، الذي لطالما كان حاضراً في كل مرحلة تتعرض فيها البحرين للمخاطر.
توجيهات الملك تحوّلت سريعاً إلى برنامج عمل لمجلس الوزراء في البحرين، حيث أكد المجلس خلال اجتماعه برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء، الشيخ خالد بن عبد الله آل خليفة، أن 'التوجيهات الملكية تمثل خارطة طريق واضحة للمرحلة المقبلة'، مشدداً على البدء الفوري في تنفيذها عبر خطط وبرامج متكاملة.
كما أشار المجلس إلى أن الجهات المختصة ستباشر مراجعة الأطر القانونية والإجرائية المرتبطة بالجنسية، والنظر في الحالات التي تستوجب اتخاذ إجراءات بما يضمن حماية الهوية الوطنية وترسيخ قيم الولاء والانتماء، وفق ما أوردته وكالة أنباء البحرين 'بنا'.
هذا التفاعل الحكومي السريع يعكس أن القرار لم يكن مفاجئاً للمؤسسات، بل يبدو جزءاً من مسار مُعدّ سلفاً، تم تسريعه بفعل التطورات الإقليمية.
مواقف داعمة
في الداخل، لاقت التوجيهات الملكية دعماً واسعاً من نواب وسياسيين وقانونيين، اعتبروا أن الخطوة تأتي في توقيت حساس، وتعبّر عن قيادة حازمة في مواجهة التحديات.
فقد رأى النائب البرلماني محمد الرفاعي، بحسب صحيفة 'الأيام' البحرينية، أن هذه التوجيهات تجسد رؤية واضحة في صون أمن البحرين، مؤكداً أن الجنسية 'قيمة وطنية سامية تقوم على الولاء والانتماء'، وليست مجرد صفة قانونية، وهو طرح يعكس توجهاً سياسياً لإعادة تعريف المواطنة على أساس الولاء.
بدوره، شدد النائب محمد العليوي على أن هذه الإجراءات تعزز الأمن وتدعم مسيرة التنمية، داعياً إلى مراجعة معايير منح الجنسية بما يضمن منحها لمن يثبت ولاؤه الحقيقي، وفق الصحيفة ذاتها.
أما على المستوى القانوني فقد نقلت صحيفة 'الأيام' عن عبد الجبار الطيب، رئيس مجلس إدارة جمعية الحقوقيين البحرينية، أن ما جرى كشف الفرز الحقيقي داخل المجتمع، داعياً إلى التعامل بحزم مع كل من تورط في المساس بأمن البلاد.
من جانبها قالت المحامية دينا عبد الرحمن اللظي، رئيسة مركز المنامة، إن قوانين البحرين، المتوافقة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، تؤكد أن كل من يخل بالأمن، أو تسوّل له نفسه خيانة الوطن، فإنه يعاقب بما يناسب جرمه، لافتة إلى أن 'التوجيهات الملكية السامية بشأن النظر فيمن يستحق المواطنة ومن لا يستحقها، وتطبيق الإجراءات اللازمة، تمثل نهجاً قانونياً وحقوقياً سليماً'، بحسب صحيفة 'أخبار الخليج' البحرينية.
هذه المواقف، وإن بدت متقاربة في مضمونها، تعكس إجماعاً داخلياً على أولوية الأمن في المرحلة الحالية، حتى وإن تطلب ذلك إجراءات استثنائية.
خلايا أمنية
تأتي هذه التوجهات في ظل تصاعد ملحوظ في القضايا الأمنية، كان أبرزها إعلان وزارة الداخلية البحرينية ضبط عدة خلايا مرتبطة بـ'حزب الله' والحرس الثوري الإيراني خلال فترة العدوان الإيراني على البحرين وبقية دول الخليج.
وخلال ثلاثة أسابيع فقط، في مارس الماضي، أعلنت وزارة الداخلية البحرينية القبض على ثلاث خلايا متهمة بالتآمر مع الحرس الثوري الإيراني، والتنسيق مع عناصر خارجية، والتخطيط لتنفيذ أعمال تستهدف أمن البلاد، وجمع معلومات حساسة والتخطيط لعمليات تستهدف منشآت حيوية.
المشترك في هذه القضايا هو الاتهامات بـ'الارتباط الخارجي'، سواء عبر التدريب أو التمويل أو التنسيق، وهو ما تعتمده السلطات كأحد أبرز مبررات تشديد الإجراءات.
كما أن ظهور هذه القضايا في فترة زمنية قصيرة يعزز الرواية الرسمية بأن البلاد كانت تواجه تهديداً منظماً، ما يبرر، من وجهة نظر الدولة، الانتقال إلى أدوات أكثر صرامة في التعامل مع الداخل.
إطار قانوني
لا تنطلق هذه الإجراءات من فراغ قانوني، إذ تمتلك البحرين إطاراً تشريعياً يسمح بسحب الجنسية في حالات محددة، أبرزها تلك المرتبطة بالإرهاب أو تهديد الأمن الوطني، وفق القانون رقم 58 لسنة 2006.
وسبق أن شهدت البلاد بالفعل حالات سابقة لسحب الجنسية، خصوصاً بين عامي 2012 و2019، حيث تم إسقاط الجنسية عن مئات الأشخاص في قضايا مرتبطة بالأمن أو الإرهاب، قبل أن يصدر عفو ملكي في 2019 أعاد الجنسية لعدد منهم.
وفي يونيو من العام 2024، أعلن وزير الداخلية البحريني آنذاك، راشد بن عبد الله آل خليفة، تشكيل لجنة لمراجعة جميع حالات اكتساب الجنسية منذ عام 2010، بهدف التحقق من سلامة الإجراءات القانونية التي مُنحت بموجبها، واتخاذ ما يلزم بشأن أي مخالفات.
هذه الخطوة تعكس انتقال الملف من مجرد أداة عقابية إلى مسار مراجعة شامل، قد يطال ملفات قديمة، وليس فقط القضايا المرتبطة بالأحداث الأخيرة، وهو ما قد يفتح نقاشاً حول التوازن بين الأمن والحقوق.
ويبدو أن البحرين أمام مرحلة جديدة تعيد فيها تعريف مفهوم المواطنة، في ظل بيئة إقليمية مضطربة، وبينما ترفع الدولة شعار حماية الأمن، يظل السؤال مفتوحاً حول حدود هذه الإجراءات، ومدى تحولها من استثناء فرضته الظروف، إلى سياسة دائمة تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة ومواطنيها.

























