اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٢٢ كانون الثاني ٢٠٢٦
وليد منصور -
في صباح شتوي هادئ على الطرف الآسيوي من إسطنبول، كان رجل أعمال أجنبي يقف أمام شرفة شقة جديدة لم تُسكن بعد، ينظر إلى أفق المدينة الذي لا يتوقف عن التغيّر. خلفه كان وكيل العقار يكرر جملة بات يسمعها كل من يفكر بالشراء في تركيا: «السوق تغيّر.. لكن الفرص ما زالت موجودة».
قبل سنوات قليلة، كان الحديث عن الاستثمار العقاري في تركيا يدور حول شيء واحد فقط: الأسعار الرخيصة. اليوم، في 2026، لم يعد هذا الوصف دقيقًا. الأسعار ارتفعت، الضرائب زادت، والقوانين أصبحت أكثر صرامة. ومع ذلك، ووفق قراءة موسّعة نشرها موقع TEKCE العقاري، فإن القصة الحقيقية للسوق التركي ليست قصة تراجع، بل قصة انتقال من مرحلة «المضاربة السريعة» إلى مرحلة «الاستثمار المحسوب».
الدولة أعادت رسم قواعد اللعبة. مع بداية هذا العام، دخل نظام التقييم العقاري الجديد حيّز التنفيذ، وبدأ كثير من الملاك يكتشفون أن القيمة التقديرية لعقاراتهم قفزت فجأة بنسبة وصلت في بعض أحياء إسطنبول وإزمير إلى %300 و%500، بل وأكثر في المناطق الراقية. هذه الأرقام لم تبقَ على الورق، بل انعكست مباشرة على الضرائب ورسوم الطابو وحتى التزامات الميراث. وفي الوقت نفسه، لم يعد من الممكن إخفاء دخل الإيجارات، بعدما أصبح كل عقد إيجار يُسجَّل رقميًا على منصة الحكومة الإلكترونية.
للوهلة الأولى، قد يبدو هذا كله خبرًا سيئًا للمستثمر. لكن TEKCE ترى أن ما يحدث هو ببساطة «تطبيع» للسوق: كلفة أعلى، نعم، لكن مقابل شفافية أعلى وقواعد أوضح، وهو ما يبحث عنه المستثمر الذي يفكر بخمس أو عشر سنوات إلى الأمام، لا بمن يشتري ليبيع بعد أشهر.
نقص المعروض
السبب الذي يجعل كثيرين لا يزالون مستعدين للدخول إلى هذا السوق هو شيء بسيط: النقص الحاد في المعروض.
خلال الفترة بين 2021 و2025، ارتفعت تكاليف البناء بنحو %650، فتباطأ إطلاق المشاريع الجديدة بشكل كبير. النتيجة أن المعروض الحالي لا يغطي سوى نحو نصف الطلب السنوي. في مدن تعيش على الهجرة الداخلية والسياحة والطلب الاستثماري، هذا يعني شيئًا واحدًا: الضغط على الأسعار لن يختفي قريبًا.
الاقتصاد بدوره بدأ يلتقط أنفاسه. التوقعات تشير إلى نمو يقارب %3.9 وتراجع التضخم إلى ما بين %16 و%21. في بلد اعتاد الناس فيه التفكير بالعقار كملاذ من التضخم، يعني هذا أن الأسعار لا ترتفع فقط بالأرقام، بل بالقيمة الحقيقية أيضًا.
لعبة العملة
ثم هناك الليرة التركية.. البطل المثير للجدل في هذه القصة. العملة التي أخافت كثيرين في السنوات الماضية أصبحت في 2026 أكثر استقرارًا نسبيًا، لكنها لم تفقد تقلبها بالكامل. بالنسبة للمستثمر الذي يحمل الدولار أو اليورو، هذا التذبذب يمكن أن يكون فرصة: كثيرون اشتروا عقارات بأسعار تقل %15 إلى %20 عن قيمتها التاريخية المقومة بالعملات الصعبة. لكن اللعبة لها وجه آخر: أي هبوط حاد مفاجئ قد يمحو جزءًا من الأرباح عند تحويلها للخارج. هنا، كما يقول تحليل TEKCE، لا يكفي أن تكون الأسعار جيدة بل يجب أن يكون التوقيت ذكيًا.
في الخلفية، تتحرك أسعار الفائدة بهدوء ولكن بثبات. بعد أن وصلت إلى %46 في 2024 وخنقت سوق القروض، بدأت تنخفض نحو %25. ومع كل نقطة نزول، يعود جزء من الطلب المحلي إلى السوق. هذا لا يعني فقط مزيدًا من المشترين، بل يعني أيضًا أن إعادة البيع أصبحت أسهل، وأن السيولة عادت تدريجيًا إلى دورة السوق.
برنامج الجنسية
ومثل ظل لا يغيب عن المشهد، يبقى برنامج الجنسية مقابل الاستثمار عامل جذب دائم. 400 ألف دولار للحصول على جواز السفر التركي، و200 ألف للحصول على الإقامة. الإجراءات أصبحت أكثر صرامة: تقييم رسمي، وتحويل عملة عبر البنك المركزي، وتعهد بعدم البيع ثلاث سنوات. لكن مقابل ذلك، يحصل المستثمر وعائلته على باب مفتوح إلى نظام تعليمي وصحي كامل، وهذا وحده كافٍ ليبقي الطلب قويًا من الشرق الأوسط وروسيا وآسيا الوسطى.
الدولة، في الوقت نفسه، قررت أن تُغلق ما تبقى من مناطق رمادية. ابتداءً من مايو 2026، لم يعد بيع عقار ممكنًا إلا عبر أنظمة دفع إلكترونية رسمية تربط تحويل المال بنقل الملكية في اللحظة نفسها، عبر نظام Takasbank. قصص الاحتيال التي كان يسمعها المشترون في الماضي أصبحت أصعب بكثير. لكن في المقابل، هناك مناطق في إسطنبول وغيرها لا يزال الأجنبي يستطيع الشراء فيها دون أن يستطيع الإقامة فيها، بسبب سياسة «المناطق المغلقة».
وليس هذا القيد الوحيد. فالقانون يحدد سقفًا لما يمكن أن يملكه الأجنبي، سواء من حيث المساحة أو نسبة التملك في أي منطقة. هذه القيود لا تمنع الاستثمار، لكنها تجعل اختيار الموقع أكثر حساسية، خصوصًا لمن يفكر في سهولة إعادة البيع بعد سنوات.
اختبار الأمان العقاري
في بلد لا يمكن فيه تجاهل الجغرافيا، يبقى الزلزال حاضرا في ذهن كل من يشتري. ليس كل عقار في تركيا مخاطرة، لكن ليس كل عقار آمن أيضًا. المباني التي شُيّدت بعد 2018 تخضع لكود صارم، لكن الخبراء ينصحون دائمًا: افحص سنة البناء، ونوعية التربة، والتقارير الهندسية، قبل أن تنظر إلى الإطلالة أو السعر.
عوائد الإيجار المتصاعدة
أما من جهة العائد، فالقصة أبسط مما يظن كثيرون. الناس في تركيا يستأجرون لأن الشراء صعب. والسياح يعودون بقوة. والطلاب والموظفون والوافدون لا يتوقفون. في إسطنبول وأنطاليا، تحقيق عائد بين %5 و%10 لم يعد استثناءً. وفي الإيجارات السياحية المرخصة، يمكن أن تقفز الأرقام أكثر في المواسم العالية.
استثمار ذكي مستدام
لا يبدو أن سوق العقار التركي في 2026 هو ملعب للمغامرين السريعين. هو سوق لمن يفهم القوانين، ويقرأ الخريطة، ويعرف أن الربح هنا لا يأتي من ضربة حظ، بل من قرار صحيح في المكان الصحيح والوقت الصحيح. كما يخلص تحليل TEKCE: تركيا لم تعد قصة «شراء رخيص» لكنها ما زالت قصة «استثمار ذكي».


































