اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة الأنباء
نشر بتاريخ: ٨ نيسان ٢٠٢٦
مفرح الشمري
«ياوطن مقدر اشوفك منجرح وأسكت
لاخير فيني اذا ما أحمي أراضيك
أهدي لك قسم بالله ما أسكت
ألا ليت الجروح فيني ولا فيك
أنا أول من يفدي ثرا ترابك
من أجل لكويت أقول للموت هلابك
من جيت لدنيا وانا اتنفس هواها
ومن ينسى حليب أمه وما ينكر رضاها»
في لحظة تختبر فيها الأوطان صدق أبنائها قبل قوة خطابها، يأتي هذا النص الغنائي بوصفه شهادة وجدانية لا تكتب بالحبر، بل تستخرج من عمق الانتماء، هنا لا نقرأ كلمات عابرة، بل نلامس حالة إنسانية صادقة توضح العلاقة بين الإنسان ووطنه، علاقة لا تقبل الحياد ولا تحتمل المساومة.
حجم القلق
وفي ظل الأوضاع الراهنة التي تعيشها الكويت والمنطقة، خرج هذا النص إلى النور، حاملا توقيع الشاعر القدير عبداللطيف البناي، وألحان القدير أنور عبد الله، ليأتي الأداء بصوت الفنان مشعل العروج محملا بإحساس عال يعكس حجم القلق والحب في آن واحد، وكأن العمل بأكمله ولد من رحم اللحظة، لا من حساباتها.
ينطلق النص من جملة صادمة في بساطتها «ما أقدر أشوفك مجروح وأسكت»، وهي عبارة تختصر فلسفة كاملة في المواطنة. فالوطن في هذا السياق ليس جغرافيا تحمى عند الخطر فقط، بل كيان حي يتألم، ويستحق أن يدافع عنه بالصوت قبل الفعل، وبالموقف قبل الشعار.
اللافت في النص أنه لا يكتفي باستدعاء مفردات التضحية، بل يعيد تعريفها بشكل شعبي بسيط ومباشر، حين يقول «أفدي لك الروح قسم بالله ما أسكت» هنا تبرز اللهجة المحلية كأداة تعبير حقيقية، غير متكلفة، تمنح النص صدقه وقربه من الناس، وتجعله أقرب إلى نبض الشارع من كونه خطابا إنشائيا، هذه العفوية هي سر تأثيره، وهي ما يمنحه قابلية التحول إلى صوت جماعي يردده الجميع.
عمق وجداني
ويتجاوز النص حدود الحماسة اللحظية إلى عمق وجداني حين يربط الوطن بأول لحظة وعي في حياة الإنسان «من جيت لدنيا وأنا أتنفس هواها»، في هذا التصوير يتحول الوطن إلى جزء من التكوين الأول، إلى ما يشبه الغريزة التي لا يمكن الانفصال عنها. ويبلغ هذا المعنى ذروته في المقارنة الذكية «ومن ينسى حليب أمه ما ينكر رضاها»، حيث يرفع الوطن إلى مقام الأم، في استعارة تلامس الفطرة وتحمل الانتماء بعدا أخلاقيا وإنسانيا عميقا.
كما يبرز في النص حضور الاستعداد للتضحية دون تهويل أو استعراض، من خلال عبارة «من أجل الكويت أقول للموت أهلا بك»، هذه الجملة لا تقرأ كدعوة للموت، بل تأكيد على أن حب الوطن يصل إلى درجة تقديم الحياة نفسها، في حال استدعت الضرورة ذلك. وهي صياغة توازن بين العاطفة والعقل، فلا تقع في المبالغة، ولا تفقد حرارتها.
ولا يمكن إغفال الدور الذي لعبه اللحن في تكثيف هذه الحالة الشعورية، حيث جاء متكئا على بساطة مدروسة تفسح المجال للكلمة أن تتقدم، فيما جاء الأداء الصوتي محملا بانفعال صادق يلامس المستمع دون افتعال، ويعكس حالة وجدانية جمعية يعيشها الشارع الكويتي والخليجي.
فخ التكرار
وإذا كان الكثير من النصوص الوطنية يقع في فخ التكرار والشعارات الجاهزة، فإن هذا النص ينجح في الابتعاد عن ذلك عبر صدقه وبساطته، معتمدا على إحساس حقيقي لا يحتاج إلى زخرفة، إنه نص يعيد الاعتبار لفكرة أن الوطنية ليست ما يقال في المناسبات، بل ما يشعر به في لحظات القلق على الوطن.
ختاما، نحن أمام عمل غنائي يمكن اعتباره امتدادا لذاكرة الأغنية الوطنية الكويتية التي تعيش في الوجدان، ليس لأنه مختلف شكليا، بل لأنه صادق في جوهره، نص يضع الوطن في قلب المعادلة، ويجعل من الإنسان شاهدا ومسؤولا في آن واحد، مؤكدا أن حب الكويت ليس ادعاء يرفع، بل موقف يمارس للدفاع عنها بالسلاح والكلمة.


































