اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ١٦ أذار ٢٠٢٦
هل يملك مجلس الإدارة سلطة التبرع من أموال الشركة للأعمال الخيرية؟ هل يَلزم موافقة الجمعية العامة؟ هل نظَّم المشرِّع الكويتي هذه المسألة؟
في مستهل الحديث، لا شك أن الشركة المساهمة العامة تتألف من عدد كبير من المساهمين، وأن أموالها، في حقيقتها، هي أموال مملوكة لجميع هؤلاء المساهمين. ولما كان من المتعذر عملياً أن يتولى المساهمون جميعاً إدارة الشركة بصورة مباشرة، فقد عهد القانون بهذه المهمة إلى مجلس إدارة، يُنتخَب ليتولى إدارة الشركة بالشكل الذي يحقق أغراضها ومصالحها التجارية والاقتصادية.
والأصل أن يمارس مجلس الإدارة صلاحياته في إدارة الشركة في إطار أغراضها وأهدافها، ولعل أبرزها تحقيق الأرباح، إلا أنه، في الواقع العملي، قد يقرر مجلس الإدارة منح تبرعات لأغراض خيرية أو إنسانية، ولا خلاف على أن التبرع في ذاته أمر محمود يحث عليه الشارع، وينسجم مع الحس الإنساني الرفيع، وتنادي به القيم والأخلاق العليا، هذا إضافة إلى أن التبرع يندرج مباشرةً تحت مظلة المسؤولية المجتمعية للشركات (CSR)، ولكن حقيقة الأمر أن التبرع من أموال الشركة المساهمة ليس مجرد تصرف مالي بسيط، بل هو قرار قد يحمل أبعاداً قانونية وأخلاقية واقتصادية في آن واحد.
ومن ثَمَّ، يتعين التأكيد على أن مآل هذه التبرعات يجب أن يكون إلى جهات واضحة ذات أهداف اجتماعية إنسانية تنسجم مع القيم المجتمعية والوطنية؛ فالشركة المساهمة كيان اقتصادي يفترض أن يبقى بعيداً عن التوجهات السياسية أو الأيديولوجية، التي قد تثير انقساماً بين المساهمين، كما أن قرار التبرع قد يخفي، في بعض الحالات، تجاوزات مالية أو قانونية يصعب تتبّعها، خاصةً إذا غابت الشفافية. فالإعلان عن التبرع لا يكفي بحد ذاته، بل ينبغي أن يكون هناك قدر من الإفصاح يوضح مسار هذا التبرع وكيفية استخدامه والغاية التي تُحَقق منه.
وكما سبق القول، فإن أموال الشركة، في حقيقتها، تعود إلى جموع المساهمين، الذين يفترض أن تُدار أموالهم بما يحقق مصالحهم ويحترم توجهاتهم، هذا إضافة إلى أن فكرة التبرعات، بطبيعتها، لا تقابلها منفعة مالية مباشرة للشركة، وهو ما قد يثير إشكالية تتعلق بحماية أموال المساهمين ومنع إساءة استعمال السلطة، ومن هنا يثار التساؤل القانوني: أيملك مجلس الإدارة سلطة التبرع مباشرة من أموال الشركة، أم يتطلب الأمر موافقة الجمعية العامة للمساهمين؟!
وقد توجَّه المشرِّع الكويتي، بهذا الشأن، محموداً إلى تنظيم مسألة «تبرع مجلس الإدارة في الشركة المساهمة» بشكل واضح؛ إذ نصت المادة 184 من قانون الشركات الكويتي 1 لسنة 2016 صراحةً على أن «لمجلس الإدارة أن يزاول جميع الأعمال التي تقتضيها إدارة الشركة وفقاً لأغراضها، ولا يحد من هذه السلطة إلا ما نص عليه القانون أو عقد الشركة أو قرارات الجمعية العامة. ويبين في عقد الشركة مدى سلطة مجلس الإدارة في الاقتراض ورهن عقارات الشركة وعقد الكفالات، والتحكيم، والصلح، والتبرعات».
وتكشف هذه الصياغة التشريعية عن توجه واضح لدى المشرع نحو ضبط سلطة مجلس الإدارة في هذا النوع من التصرفات ألا وهو التبرع؛ حتى لا يترك للتقدير المطلق لمجلس الإدارة، وإنما يكون تنظيمه وتحديد نطاقه سلفاً في عقد الشركة ونظامها الأساسي، وعليه؛ لا يملك مجلس الإدارة التصرف بمفرده بأموال الشركة والتبرع ما لم يكن هناك تنظيم مسبق لهذه المسألة في عقد الشركة.
وبناءً على ذلك؛ يمكن لعقد الشركة أو نظامها الأساسي أن يضع ضوابط محددة للتبرعات؛ كأن يحدد نسبة معينة لها كحد أقصى، أو يبين المجالات التي يمكن توجيه التبرعات إليها، أو يقيدها بضوابط معينة، كما قد يقرر اشتراط موافقة الجمعية العامة على التبرعات، سواء على أساس كل تبرع على حدة، أو من خلال موافقة سنوية عامة تحدد سقف التبرعات، وتبقى هذه التفاصيل خاضعة لتقدير كل شركة وفقاً لطبيعة نشاطها وتوجهاتها.
ومن ثم؛ فإذا تبين أن التبرع قد تم دون مبرر مشروع، أو كان على حساب مصالح الشركة والمساهمين، كما هو في حال تجاوز مجلس الإدارة حدود سلطاته أو خالف ما نص عليه عقد الشركة او نظامها الأساسي، فإنه تقوم، على إثر ذلك، المسؤولية المدنية لأعضاء مجلس الإدارة، ويجوز مطالبتهم بالتعويض عن الضرر الذي لحق بالشركة؛ وذلك بناءً على دعوى تقيمها الشركة بقرار من الجمعية العامة أو من قبل المساهمين في الحالات التي يجيزها القانون.
ومن هذا التوجه يمكن القول: إن تنظيم المشرِّع الكويتي لمسألة التبرعات بكل وضوح يعكس إدراكه لمدى حساسية هذا الموضوع وأثره، وحرصه على تحقيق التوازن بين منحه الإدارة المرونة اللازمة لإدارة الشركة، وضمان محافظته على أموال المساهمين باعتباره مؤتمناً عليها. فالتبرعات، مهما كان هدفها نبيلاً، ينبغي ألا تخضع للسلطة التقديرية لمجلس الإدارة، بل يجب أن تخضع لمعايير الحوكمة والشفافية، وأن تكون ممارستها تحت ضوابط واضحة تحدد نطاقها وجهتها وآلية الإفصاح عنها، حتى لا تتحول إلى باب قد يُساء استخدامه أو يصعب تتبع مآلاته.
جدير بالذكر ختاماً، أن جميع ما سبق لا يتعارض مع فكرة إلزامية الشركات المساهمة أداء الزكاة؛ إذ نظمها المشرِّع الكويتي بقانون خاص، وهو «القانون 46 لسنة 2006 بشأن الزكاة ومساهمة الشركات المساهمة العامة والمقفلة في ميزانية الدولة»، منسجماً في ذلك مع أحكام الشريعة الإسلامية التي فرضت الزكاة، ومع مفهوم المسؤولية المجتمعية للشركات، وقد ألزم القانون هذه الشركات أداء الزكاة بنسبة %1 سنوياً من صافي أرباحها. وعليه؛ فإن الزكاة مُلزَمة قانوناً، أما التبرعات؛ فهي اختيارية تخضع للسلطة التقديرية لإدارة الشركة وفق عقدها ونظامها الأساسي.
د. فاطمة عبدالله الشريعان


































