اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ١ أب ٢٠٢٦
وليد منصور -
أفاد تقرير حديث نشرته مجلة ميد بأن أكبر مشاريع البنية التحتية الجاري طرحها في دول الخليج لم تعد ترتبط بالأبراج الشاهقة أو الطرق المرتفعة، بل باتت تتركز بصورة متزايدة تحت سطح الأرض، مع توسع الاعتماد على الأنفاق لتنفيذ خطوط المترو وشبكات الصرف الصحي والطرق السريعة، في تحول يعكس مرحلة جديدة من التطور العمراني في المنطقة.
وأشار التقرير إلى أن الإمارات والسعودية وقطر تقود هذا التوجه، حيث أصبحت تقنيات الحفر والأنفاق الخيار المفضل للتوسع الحضري، بعدما كانت تُستخدم سابقاً في نطاق محدود ولحل تحديات هندسية استثنائية.
تحول عمراني
وأوضح التقرير أن قصة البناء في الخليج ارتبطت طوال العقدين الماضيين بالمباني القياسية والأفق العمراني المتنامي، إلا أن المرحلة الحالية تشهد انتقالاً واضحاً نحو الاستثمار في البنية التحتية تحت الأرض، مع تغير أولويات التخطيط الحضري.
وعزا التقرير هذا التحول إلى ثلاثة عوامل رئيسية، أولها محدودية الأراضي السطحية المتاحة لإنشاء طرق وخطوط نقل جديدة داخل المدن الكبرى، وثانيها الحاجة إلى توفير طاقات استيعابية أكبر لشبكات النقل دون إزالة البنية العمرانية القائمة، وثالثها ارتفاع القيمة الاقتصادية للأراضي السطحية التي يمكن استغلالها في التطوير العقاري أو المساحات العامة بدلاً من تخصيصها لمرافق النقل.
وأضاف أن هذه المعادلة أصبحت تقود تنفيذ عدد من أضخم المشاريع الخليجية، من بينها مشروع «الخط الذهبي» لمترو دبي، ومشروع أنفاق الصرف الصحي الاستراتيجية في دبي، إضافة إلى خط المترو السابع في الرياض.
خطوط المترو
ولفت التقرير إلى أن مشروع «الخط الذهبي» في دبي يجسد هذا التوجه بوضوح، إذ قررت هيئة الطرق والمواصلات تنفيذ الخط بالكامل تحت الأرض، خلافاً للخطين الأحمر والأخضر اللذين اعتمدا بدرجة كبيرة على المسارات المرتفعة.
وأشار التقرير إلى أن الرياض تتبنى النهج ذاته في خط المترو السابع، الذي يمتد لمسافة 65 كيلومتراً، منها نحو 47 كيلومتراً تحت الأرض، مع 14 محطة من أصل 19 محطة.
كما استعرض التقرير الأعمال الجارية في مشروع الخط الأزرق لمترو دبي، حيث بدأت آلة حفر الأنفاق العملاقة «الوجيهة» العمل خلال مايو الماضي، ويبلغ طولها 163 متراً ووزنها أكثر من ألفي طن، فيما تنجز أعمال الحفر بمعدل يتراوح بين 13 و17 متراً يومياً ضمن نفق بطول 15.5 كيلومتراً.
وأضاف التقرير أن مشروع قطار الاتحاد فائق السرعة بين أبوظبي ودبي يعتمد أيضاً على مقاطع وأنفاق تحت الأرض داخل المناطق الحضرية، حيث ستقام محطات الزاهية ومطار أبوظبي الدولي والجداف تحت سطح الأرض لتجنب التأثير في التطويرات العمرانية القائمة.
الصرف الصحي
وأكد التقرير أن قطاع الصرف الصحي يشهد طفرة مماثلة في مشاريع الأنفاق، وإن كانت أقل ظهوراً للرأي العام مقارنة بمشاريع النقل.
وأوضح أن بلدية دبي تواصل طرح الحزم الأولى من مشروع أنفاق الصرف الصحي الإستراتيجية، البالغة قيمته 80 مليار درهم، والذي ينفذ بالشراكة مع القطاع الخاص، ويهدف إلى تحويل شبكة الصرف من نظام يعتمد على الضخ إلى نظام يعتمد على الانحدار الطبيعي عبر أنفاق عميقة وأكثر من 200 كيلومتر من خطوط الربط.
وأضاف التقرير أن قطر تنفذ مشروعاً مشابهاً، بعد ترسية عقد بقيمة 104 ملايين دولار لإنشاء خط صرف رئيسي يمتد من الشحانية إلى محطة معالجة مياه الصرف في شمال الدوحة.
وأشار التقرير إلى أن هذه المشاريع تؤكد أن الأنفاق لم تعد خياراً يقتصر على مشاريع النقل، بل أصبحت الحل الطبيعي لمختلف شبكات المرافق العامة في المدن ذات الكثافة العمرانية المرتفعة.
شبكات الطرق
وأوضح التقرير أن التوسع في أعمال الأنفاق يشمل أيضاً مشاريع الطرق والجسور. ففي أبوظبي، يجمع مشروع Mid Island Parkway بين الجسور البحرية والأنفاق، بما في ذلك نفق ينفذ بطريقة الحفر والردم لربط الجزر الشرقية للإمارة، فيما يجري طرح مشروع آخر لربط جزيرة الحديريات بالبر الرئيس عبر نفقين بحريين.
وفي العين، تنفذ شركة الفحيان للمقاولات نفقاً بطول 120 متراً عبر جبال النقفة ضمن مشروع طريق مزدوج بقيمة 291 مليون درهم، في مؤشر على أن الأنفاق أصبحت خياراً مناسباً حتى في المناطق التي تفرض فيها التضاريس الطبيعية تحديات هندسية.
كما أشار التقرير إلى مشاريع مماثلة في الشارقة والرياض، حيث يشكل نفق التعاون جزءاً من مشروع طرق بقيمة 750 مليون درهم في الشارقة، بينما تنفذ شركة «يوكسل» ثلاثة أنفاق وثلاثة جسور ضمن مشروع طريق الثمامة في الرياض.
وأضاف أن دبي تواصل اعتماد هذا النهج في مشاريع تطوير الطرق، ومنها مشروع تطوير شارع أم سقيم وطريق الوصل وشارع الصفا، إضافة إلى النفقين التوأمين ضمن ممر الشيخ راشد، بما يعزز انسيابية الحركة دون الحاجة إلى إضافة مسارات جديدة على سطح الأرض.
خبرات متخصصة
ورأى التقرير أن التوسع الكبير في مشاريع الأنفاق أدى إلى نشوء سوق إقليمية متخصصة، حيث أصبحت الشركات تنتقل بخبراتها وآلاتها بين مشاريع المترو والصرف الصحي والطرق داخل الخليج.
وأشار إلى تنافس شركات تركية وصينية وكورية وأوروبية شاركت في تنفيذ مترو الرياض على عقود الخط السابع ومشروع أنفاق الصرف الصحي في دبي، إلى جانب تنامي قدرات شركات إقليمية مثل المروان للمقاولات والفحيان للمقاولات.
وأضاف أن الجهات المالكة للمشاريع أصبحت تمنح الأفضلية للمقاولين الذين يمتلكون سجلاً واسعاً في تنفيذ أعمال الأنفاق، نظراً لما تتطلبه هذه المشاريع من خبرات متخصصة في التعامل مع طبيعة التربة وتشغيل آلات الحفر العملاقة وإنشاء المحطات تحت الأرض.
الخبرات المتخصصة وطبيعة التربة ترفع التحديات
أكد التقرير أن استمرار طفرة الأنفاق في الخليج لن يرتبط بتوافر التمويل بقدر ارتباطه بتوافر المعدات والكوادر الفنية المتخصصة.
وأوضح أن الطلب المتزايد على آلات حفر الأنفاق العملاقة سيؤدي إلى إطالة فترات التوريد ورفع تكاليف التشغيل، في ظل محدودية الطاقة الإنتاجية للشركات المصنعة.
كما أشار التقرير إلى أن المنافسة لن تقتصر على المعدات، بل ستمتد إلى الكفاءات المتخصصة في العزل المائي وحقن التربة وصب القطاعات الخرسانية، وهي خبرات ما تزال محدودة عالمياً.
ورجح التقرير ارتفاع أجور هذه الكفاءات، إلى جانب توسع الجهات المالكة في توقيع اتفاقيات طويلة الأجل مع المقاولين لضمان توافر المعدات والموارد البشرية اللازمة.
ولفت إلى أن طبيعة التربة ستظل أحد أبرز عوامل المخاطرة، في ظل التجارب السابقة المرتبطة بالتكوينات الجبسية والكارستية في الإمارات، والتكوينات الصخرية في الرياض، وارتفاع منسوب المياه الجوفية في قطر، وهي عوامل قد تؤدي إلى تأخيرات أو زيادات في التكاليف.
تحول إستراتيجي طويل الأجل
اختتم التقرير بالإشارة إلى أن التحول نحو البنية التحتية تحت الأرض لم يعد يمثل اتجاهاً مؤقتاً، بل أصبح تحولاً إستراتيجياً طويل الأجل في دول الخليج، وأن المنافسة خلال السنوات المقبلة ستتركز على قدرة المقاولين على تنفيذ هذه المشاريع بكفاءة، مع الحد من التأخير وتجاوزات التكاليف، أكثر من التركيز على توفير التمويل أو إطلاق مشاريع جديدة.


































