اخبار المغرب
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٤ تموز ٢٠٢٦
سجلت الانتخابات البرلمانية لعام 2021 عزوف زهاء 16 مليون مغربي عن المشاركة سواء بسبب عدم التسجيل في اللوائح أو الامتناع عن التصويت
دقت تقارير ناقوس الخطر في شأن تراجع ثقة الشباب المغاربة في الأحزاب السياسية، وتفاقم العزوف الانتخابي بسبب ما يمكن تسميته أزمة الوساطة السياسية بين المواطن والمؤسسات، أو بين المجتمع والدولة، مما يجعل الحزب الأول الفعلي في المملكة هو 'الكتلة الصامتة' التي لا تشارك في الانتخابات التشريعية.
فقد عزف زهاء 16 مليون مغربي عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية لعام 2021، سواء بسبب عدم التسجيل في اللوائح الانتخابية أو الامتناع عن التصويت، مما يحول هذه 'الفئة الصامتة' إلى قاعدة انتخابية أكبر من أي حزب سياسي، سواء في الغالبية أو المعارضة.
ويعزو مراقبون تنامي 'الكتلة الصامتة' وأزمة وساطة الأحزاب السياسية وانخفاض ثقة الشباب فيها، إلى كثير من العوامل المتشابكة، منها ضعف الديمقراطية الداخلية وبطء تجديد النخب ومحدودية إنتاج الأفكار والبرامج وغياب التواصل المنتظم مع المواطنين خارج الفترات الانتخابية.
استشرف تقرير سياسي حديث للمركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة واقع وآفاق المشهد الحزبي والانتخابي في المغرب لغاية عام 2035، مسجلاً ملاحظة رئيسة تتمثل في 'أزمة الوساطة السياسية'، وهي مفتاح رئيس لفهم تراجع الثقة في الأحزاب واتساع دائرة العزوف الانتخابي.
وتوقف المصدر عند 'الكتلة الناخبة الصامتة' التي تبقى خارج صناديق الاقتراع، مما يعني عملياً أنها 'الحزب السياسي الأول' في البلاد، متفوقة على جميع الأحزاب السياسية، سواء كانت تاريخية وعريقة، أو أحزاباً جديدة، وسواء كانت تسيّر الشأن العام أو تصطف في موقع المعارضة.
وأفاد التقرير المطول ذاته بأن الأحزاب السياسية المغربية لم تمارس، كما يجب، أدوارها الدستورية في تأطير المواطنين وتمثيلهم وتعبئتهم، وتشكيل صلة وصل بينهم وبين الدولة، لأنها اكتفت وانشغلت بتدبير المواقع الانتخابية والتحالفات الظرفية، وهو ما أضعف وظيفتها الوسيطية بين المجتمع والمؤسسات.
وسجل المصدر ما سماه ظاهرة 'التطاير الانتخابي' في انتخابات عام 2021، جراء تغيرات وتحولات عميقة قصمت ظهر المشهد الحزبي والانتخابي في البلاد، ومن ذلك الانهيار الفادح لأسهم 'حزب العدالة والتنمية' بعد 'ممارسة الحكم' لمدة 10 أعوام، وصعود أحزاب أخرى، مما يعكس، حسب التقرير، هشاشة الولاء الحزبي وغياب الاصطفافات الأيديولوجية المستقرة، ويجعل السلوك الانتخابي مرتبطاً أكثر بالظرفية والسياق الاجتماعي من ارتباطه بالمشروع السياسي.
وسجلت الملاحظة ذاتها سابقاً تقارير 'الباروميتر العربي'، التي أبرزت أن الثقة في الأحزاب السياسية في المغرب لا تتجاوز 18 في المئة، مقارنة بنسبة 38 في المئة للبرلمان و33 في المئة للحكومة، وهو المعطى الذي يترجم تفاقم أزمة الوساطة الحزبية في البلاد.
وتطرقت تقارير رسمية سابقة أيضاً إلى هذه الأزمة، منها تقرير المجلس الأعلى للحسابات (مؤسسة دستورية)، الذي رصد اختلالات بنيوية داخل الأحزاب السياسية، من بينها ضعف الحكامة المالية ومحدودية الشفافية، كذلك تناول المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أزمة الوساطة التقليدية التي تضطلع بها الأحزاب، وتفاقم نفور الشباب من هذه الهيئات السياسية.
في هذا السياق، أفاد إدريس لكريني، أستاذ العلوم السياسية بجامعة مراكش، بأن الدور الوسيط الذي يفترض أن تضطلع به الأحزاب السياسية يجد سنده الدستوري في الفصل السابع من الدستور، الذي يحدد وظائفها الأساسية في تأطير المواطنات والمواطنين والتكوين السياسي وتعزيز انخراطهم في تدبير الشأن العام وممارسة الحياة السياسية، إضافة إلى التعبير عن إرادتهم، سواء لكونهم مواطنين أو ناخبين.
وأوضح لكريني أن هذه الوظائف تشكل ركيزة أساسية للممارسة الديمقراطية، بالنظر إلى ما تمنحه من أساس مؤسساتي لتأطير العلاقة بين المجتمع والدولة، غير أنه سجل وجود فجوة واضحة بين المقتضيات الدستورية التي منحت الأحزاب مكانة متقدمة، والممارسة السياسية الفعلية، مبيناً أن سلوك جزء من الفاعلين السياسيين لا يزال بعيداً من استيعاب الأبعاد الحقيقية لهذه المقتضيات القانونية والتنظيمية.
وأورد المتحدث أن هذه المفارقة تتجسد في مظاهر عدة لأزمة الوساطة الحزبية، من أبرزها ضعف انفتاح الأحزاب على توقعات المواطنين وتطلعاتهم، سواء ما يرتبط بآمالهم أو إكراهاتهم الاجتماعية.
كذلك استرسل قائلاً إن تراجع الثقة في عدد من الهيئات الحزبية بات معطى واضحاً تعكسه مؤشرات العزوف الانتخابي والسياسي، سواء من خلال الإحجام عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية أو من خلال ضعف الانخراط في التنظيمات الحزبية والابتعاد عن الاهتمام بالشأن السياسي عموماً.
وسجل لكريني أن من بين تجليات هذه الأزمة أيضاً اعتماد بعض الأحزاب أساليب غير ديمقراطية في تجديد نخبها، من خلال منح الأولوية لأصحاب النفوذ والمال على حساب الكفاءات والمناضلين الفعليين داخل التنظيمات السياسية.
ورأى أن هذا المنحى يعمق أزمة الثقة داخل الأحزاب نفسها، خصوصاً في العلاقة بين مراكز القرار والقواعد الحزبية.
ومضى قائلاً إن تداعيات هذه الوضعية لا تقتصر على الأحزاب فقط، بل تمتد إلى المستوى الوطني، وذلك لأن اختلال الوساطة الحزبية يربك أداء هذه التنظيمات في أدوارها الدستورية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ويسهم في إفراغ العمل السياسي من مضمونه الحقيقي.
وأضاف أن استمرار هذه الاختلالات يفضي إلى بناء ديمقراطي هش قابل للانتكاس والتراجع في أي لحظة، مبرزاً أن تجاوز هذه الأزمة يطرح مسؤولية مباشرة على الأحزاب السياسية، خصوصاً في ما يتعلق بإعادة بناء الثقة مع المواطنين وترسيخ الصدقية داخل المجتمع.
وذكر لكريني أن هذا لا يقتصر فقط على النخب المتحكمة داخل الأحزاب، بل يمتد أيضاً إلى الدولة من خلال ضرورة اعتماد تدابير صارمة لمكافحة الفساد السياسي وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، إضافة إلى وضع ضوابط قانونية منسجمة مع روح الدستور بما يسمح بتجاوز الاختلالات البنيوية التي تعوق تطور الحياة الحزبية.
من جهته، أكد الحبيب استاتي زين الدين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاضي عياض، أن تنامي ما يُعرف بـ'الكتلة الصامتة' في المغرب لا يمكن اختزاله فقط في تراجع أدوار الأحزاب السياسية، على رغم أن هذا العامل يظل من أبرز تجليات الأزمة التي تعرفها الحياة الحزبية.
وأوضح استاتي أن هذه الظاهرة هي حصيلة تفاعل بين ثغرات داخلية مرتبطة بالأحزاب السياسية نفسها، وعوامل موضوعية تعكس التحولات التي يعرفها المجتمع وأنماط المشاركة السياسية، مورداً أن 'عدداً من الأحزاب فقد تدرجاً جزءاً من وظائفه الجوهرية في التأطير والتمثيل والوساطة، لمصلحة منطق التدبير الانتخابي وتدبير المواقع'.
وأشار المتحدث إلى أن ضعف الديمقراطية الداخلية، وبطء تجديد النخب، ومحدودية إنتاج الأفكار والبرامج فضلاً عن غياب التواصل المنتظم مع المواطنين خارج الفترات الانتخابية، كلها عوامل أسهمت في تراجع الثقة في الأحزاب وفي قدرتها على استيعاب المطالب الاجتماعية وترجمتها إلى سياسات عمومية.
وأردف المحلل عينه أن جزءاً من الرأي العام يثير أيضاً إشكالية استقلالية القرار الحزبي، وأن هذا المعطى بدوره أثر بصورة مباشرة في صورة الفعل الحزبي وصدقيته داخل المجتمع.
في المقابل، لفت أستاذ العلوم السياسية إلى أنه لا يمكن إغفال التحولات الموضوعية التي عرفها المجتمع المغربي خلال الأعوام الأخيرة، وفي مقدمتها صعود الفضاء الرقمي وتغير أنماط المشاركة السياسية وارتفاع سقف توقعات المواطنين من الأداء العمومي، إضافة إلى تراجع جاذبية الأشكال التقليدية للمشاركة السياسية.
وسجل أن هذه التحولات لم تجد مواكبة كافية من طرف الأحزاب السياسية، مما عمق الفجوة بينها وبين فئات واسعة من المجتمع، خصوصاً الشباب.
وأعلن استاتي، من زاوية علمية، أن مفهوم 'الكتلة الصامتة' لا يشكل مفهوماً نظرياً مستقلاً، بقدر ما يُستخدم للدلالة على فئات اجتماعية لم تعد تجد في قنوات الوساطة السياسية القائمة ما يعكس تطلعاتها.
واستطرد قائلاً إن هذا المفهوم يُقرأ اليوم باعتباره مؤشراً على أزمة تمثيل ووساطة سياسية، أكثر من كونه تعبيراً عن اللامبالاة بالشأن العام.
وخلص استاتي إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في رفع نسب المشاركة الانتخابية، بل في تمكين الأحزاب السياسية من استعادة وظائفها الدستورية في التأطير والتمثيل والوساطة، بما من شأنه تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات وإضفاء مضمون فعلي على المشاركة السياسية يتجاوز بعدها الانتخابي الضيق.



































