اخبار الكويت
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٥ أيار ٢٠٢٦
أسيل أمين تطرح أسئلة عن اغتراب الانسان بين الذات والمكان
تنطلق 'غيمة وكواسر' من حكاية فتاة كويتية تصل إلى جزيرة كوس اليونانية لقضاء إجازة قصيرة، لكنها تفتح أمام القارئ أسئلة أعمق تتصل بالهوية والحرية، وتكشف نوعاً من الاغتراب قد يمر به الفرد في أي مجتمع يشهد صراعاً بين الأصالة والحداثة.
لا تحصر الكاتبة التجربة في إطار محلي ضيق، بل تجعل البطلة، التي لا يمنحها النص اسماً محدداً، نموذجاً إنسانياً أوسع. فهي تصل إلى الجزيرة التي يبدو أنها تتردد عليها وتألف حياة الجزر اليونانية، قادمة من تركيا، حيث تقيم مع والدتها، لتعبر عما تشعر به من إحساس بالاغتراب ورغبة في التمرد على القوالب السائدة.
يبرز المكان بوصفه عنصراً فنياً مهماً في الرواية، إذ تتخذ من اليونان فضاءً لأحداثها، وتستفيد من تراثها التاريخي والأسطوري في بناء أجوائها. ويبدو أثر الميثولوجيا الإغريقية واضحاً في روح البطلة والنص، مما يضفي على السرد بعداً جمالياً وتأملياً يتجاوز الواقعية المباشرة. وتوظف الكاتبة هذه المرجعية الأسطورية في الوصف والرمز، بما يعزز ملامح أسلوبها ويمنح روايتها الأولى خصوصية واضحة.
ويمكن النظر إلى الرواية أيضاً من زاوية أدب الرحلات بحيث تمتزج الشخصيات بالمكان، وتصبح الجغرافيا اليونانية جزءاً من التكوين النفسي والفكري للأحداث. فها هي البطلة مثلاً تصف ميتيورا: 'بعد أيام من رحلتي إلى جبل الأوليمبوس امتطيت صهوة الغيوم ثانية ذهاباً إلى ميتيورا... عندما لاح قرميدها من بين أشجار الطريق وجدت نفسي بين دفتي كتاب زاخر بقصص الأميرات الجميلات والفرسان الجسورين'.
ذكريات الوطن
أما الكويت فتأتي في خلفية الأحداث بوصفها مكاناً لاسترجاع الذكريات أحياناً، والمقارنات الثقافية، واستحضار مشاعر المواطنة. وتشكل مسرحاً للصدفة التي تسبب التقاء البطلة بشخصية مشاري، وهو شاب من موطنها. وسرعان ما تنشأ بينهما علاقة تبدأ في اليونان وتتوطد أواصرها بعد العودة إلى الوطن. لكن هذه العلاقة سرعان ما تتعرض لشروخ عدة تبدد آمال البطلة وتفضي إلى انتهائها. والسبب ما تكتشفه من ازدواجية ذكورية لدى مثقف يتشدق بعبارات براقة عن الحرية والمساواة الإنسانية، ثم تتبدد هذه الشعارات عند اختبارها في الواقع.
تنفتح الرواية على التأويل، وتمنح القارئ مساحة للتفكير في جوهر مفاهيم الحب والحرية والإنسانية، وفي ما يطرأ عليها من تحولات حين تخضع للازدواجية والذكورية. وهذه المساحة التي يخلقها النص تواجه القارئ بأسئلة غير تقليدية عن الموروثات الثقافية وتأثيرها في حياة البشر واختياراتهم، وهو ما تعكسه النماذج التي تلتقيها الراوية في الجزيرة اليونانية.
تجد البطلة في كلمة 'اكتشاف' مفتاحاً سحرياً لمعنى الحياة، فتقارن نفسها بالرحالة في روايات شهيرة. لكنها ترى أنها، على خلافهم، لا تعرف أساساً عما تبحث. ومع ذلك، يغدو كل موقف موضع بحث ومسوغاً لسؤال ما: عن الحرية والمذهب والعقيدة والحب وتناقضات البشر، وحتى قصة حب محمود درويش الجدلية في مقتبل عمره تجد لها موضعاً بين أسئلة البطلة، وكأن النص يقدم دليلاً غير مباشر على أن الولع بالتجربة والاكتشاف نقيض أساس للتحيزات الفئوية والقبلية والعقائدية والسياسية التي تثير الفتن والصراعات وتخلق الحواجز والحدود بين البشر.
تناقضات بشرية
ولا يقتصر الأمر على المونولوغات الباطنية التي تمر في ذهن البطلة، بل ينبثق أيضاً من مواقف تمر بها وشخصيات تلتقيها وتغدو جزءاً وثيقاً من رحلتها. فهي، على سبيل المثال، تصادف 'سعاد' وهي سيدة تونسية تجمعها علاقة زواج بيوناني من ديانة مختلفة، لكنها ترى، مع ذلك، أن أبناءها يجب أن يحملوا ديانتها لا ديانة الزوج الذي وقعت في غرامه.
وتتسبب صدفة أخرى في لقاء البطلة بمجموعة من الشخصيات العربية وغير العربية، من بينهم شخص يدعى محمد، تعرف لاحقاً أنه من عرب 48. لكنها تعجب به، وتحاول أن تكتشف هذه الشخصية بعيداً من الأقاويل المتداولة عن هذه الفئة، وأن تفهم على نحو حقيقي وضعية شخص من بلد محتل قرر أجداده البقاء في أرضهم على حساب هويتهم. وفي الوقت نفسه، يثير النص أسئلة تاريخية ومفاهيم متوارثة في الوجدان العربي حول الصراع العربي - الإسرائيلي.
تبدو بطلة الرواية الأكثر إصراراً في محاولاتها لفهم القيم الليبرالية التي تنظر إلى البشر بوصفهم كيانات تجمعها قيم إنسانية مشتركة، وكيف أن الفروق الطبقية والعقائدية والفئوية هي التي تصنع الحدود والاختلافات والصراعات. والأدق أنها تبدو نموذجاً يحاول أن يتسق مع ذاته وقناعاته، وأن يظل مخلصاً لمفهوم الإنسانية.
'أغبط الغيمات على قدرة التحرر من أحمالها (...) ماذا لو امتلكنا نحن البشر روح غيمة، أو في الأقل حظينا بمثل موهبتها النقية والصادقة في التشكل من جديد؟' ولذلك تقع في غرام مشاري لأنه يبدو مختلفاً عن السائد، مولعاً بالطبيعة والمغامرة وبسبب هذا الاختلاف الذي يميز شخصيته عن النمط السائد في المجتمع، تنجذب إليه، بل وتستسيغ أن تتحول في علاقتها به إلى طفلة تتلقى التدليل، لكنها تستعيد صلابتها بعدما يتبين لها انصياعه للقيم نفسها التي كثيراً ما حاولت الهرب من آثارها، كاشفاً بذلك عن ازدواجيته.
وعلى رغم الطابع الفلسفي لرؤية البطلة لكثير مما تمر به، أو تستدعيه فثمة حس ساخر أيضاً يتناثر في أرجاء السرد، كاشفاً عن ملمح من ملامح الشخصية الكويتية.
وفي الأحداث، وبعد عدة مفارقات من البحث المتبادل بين البطلة ومحمد، تتلاقى مع مصادفات لقاء غير متوقع مع مشاري، لا يبقى أمام البطلة إلا أن ترسل رسالة إلى محمد، لكن الرسالة وبسبب مفارقات معقدة تتعثر في الوصول إلى المرسل إليه، غير أن مضمونها، وإن بدا مفتقداً للمنطق البديهي، لكنه ينسجم بصورة ما مع رؤية البطلة التي تتأمل العالم بعين تحاول أن تتعالى على التصنيفات، وتتعاطف مع البشر وقصصهم.
تقدم الرواية تجربة أدبية ذات بعد إنساني، تدعو إلى إعادة النظر في الأفكار المستقرة، وفي قيمة أن يظل الإنسان وفياً لنقائه الداخلي، مهما بدا ذلك مشوباً بالرومانسية، ومهما اشتدت الكواسر من حوله.


































