اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٥ حزيران ٢٠٢٦
وليد منصور -
في تحول إستراتيجي قد يعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية لعقود مقبلة، تتجه دول الخليج المنتجة للنفط إلى تسريع مشاريع بنية تحتية ضخمة تهدف إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، بعدما أثبتت التطورات الجيوسياسية الأخيرة هشاشة الاعتماد على ممر بحري واحد يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية.
وتشير تقارير دولية إلى أن دول المنطقة لم تعد تنظر إلى هذه المشاريع باعتبارها خيارات احتياطية باهظة التكلفة، بل كجزء أساسي من منظومة الأمن الطاقي المستقبلية.
وفقاً لما نقلته صحيفة فايننشال تايمز، أكد العضو المنتدب للتسويق العالمي في مؤسسة البترول الكويتية الشيخ خالد أحمد الصباح أن الكويت تجري حوارات مع عدد من الدول المجاورة، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، بشأن إمكانية تطوير مشاريع خطوط أنابيب تسمح بتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز. وأوضح أن التطورات العسكرية الأخيرة والتهديدات التي طالت الملاحة البحرية عززت القناعة بأهمية هذه المشاريع، لافتاً إلى أن كثيرين كانوا في السابق يتساءلون عن جدوى إنشاء خطوط أنابيب قد لا تُستخدم بشكل دائم، إلا أن الأحداث الأخيرة أثبتت قيمتها الإستراتيجية، بحسب فايننشال تايمز.
وترى صحيفة وول ستريت جورنال أن الأزمة الحالية لا تقتصر آثارها على اضطراب مؤقت في أسواق الطاقة، بل تمثل نقطة تحول دائمة في البنية اللوجستية للمنطقة. وذكرت الصحيفة أن السعودية والإمارات والعراق تضخ مليارات الدولارات في مشاريع خطوط أنابيب جديدة وممرات نقل وسعات تخزين إضافية بهدف ضمان استمرار تدفق النفط حتى في حال تعطل حركة المرور عبر مضيق هرمز. ونقلت الصحيفة عن الخبير الاقتصادي للسلع الأولية في مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس» حمد حسين قوله إن الإرث الأبرز للأزمة الحالية سيكون بناء بنية تحتية واسعة تتجاوز المضيق، موضحاً أن التهديد الذي ظل قائماً لعقود والمتمثل في إمكانية إغلاق إيران للمضيق أصبح واقعاً ملموساً، الأمر الذي دفع الحكومات الخليجية إلى التحرك بشكل أسرع وأكثر جدية.
أمن الطاقة
وبحسب وول ستريت جورنال، أصبحت مفاهيم أمن الطاقة في المنطقة أكثر شمولاً من مجرد القدرة على إنتاج النفط، لتشمل أيضاً تنوع مسارات التصدير وسعات التخزين ووجود بدائل تشغيلية جاهزة. ونقلت الصحيفة عن وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة الإماراتي الدكتور سلطان الجابر قوله إن الأزمة أظهرت أن جزءاً كبيراً من الطاقة العالمية لا يزال يعتمد على عدد محدود جداً من نقاط الاختناق البحرية، مؤكداً أن الأمن الطاقي بات مرتبطاً بالمسارات اللوجستية ومرونة الوصول والتخزين والقدرة على توفير بدائل فورية. وتشير الصحيفة إلى أن هذا التوجه يحظى بدعم متزايد من الحكومات والشركات الوطنية للطاقة، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية تعيد فتح المضيق بالكامل مستقبلاً، إذ أصبحت الحاجة إلى خطط الطوارئ أمراً لا يمكن تجاهله بعد التجربة الأخيرة.
خطوط قائمة
وأوضحت وول ستريت جورنال أن السعودية قدمت المثال الأوضح على أهمية وجود بدائل جاهزة، بعدما رفعت تشغيل خط أنابيب شرق - غرب إلى كامل طاقته البالغة نحو 7 ملايين برميل يومياً، مقارنة بنحو مليوني برميل يومياً فقط قبل اندلاع الأزمة. ويصل الخط بين حقول النفط في المنطقة الشرقية وميناء ينبع على البحر الأحمر، ما يسمح بتصدير الخام بعيداً عن مضيق هرمز.
وأضافت الصحيفة أن الخبراء يرون إمكانية زيادة الطاقة الاستيعابية للخط مستقبلاً، إلا أن ذلك يتطلب أيضاً استثمارات إضافية في مرافق التخزين ومعدات التحميل بميناء ينبع لضمان استيعاب الكميات الإضافية.
توسع إماراتي
وفي الإمارات، ذكرت فايننشال تايمز أن شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» تدرس إنشاء خط أنابيب جديد يمتد من الشرق إلى الغرب، وهو مشروع طُرح في مناسبات سابقة باعتباره وسيلة تسمح للمنتجين الخليجيين بالوصول إلى موانئ خارج المضيق مقابل رسوم عبور تدفع للدولة المضيفة.
كما أوضحت وول ستريت جورنال أن أبوظبي بدأت بالفعل تسريع خطط إنشاء خط ثانٍ إلى ميناء الفجيرة خارج مضيق هرمز، بما يؤدي إلى مضاعفة القدرة التصديرية لهذا المسار بحلول عام 2027. وأشارت الصحيفة إلى أن هذا المشروع يكتسب أهمية إضافية في ظل توجه الإمارات إلى زيادة طاقتها الإنتاجية وتعزيز حضورها في الأسواق العالمية.
مراكز تخزين
وفي الوقت ذاته، تستفيد سلطنة عمان من موقعها الجغرافي المطل على بحر عمان خارج نطاق المضيق، إذ أشارت وول ستريت جورنال إلى أن السلطنة تروج لموانئها كمراكز إقليمية لتخزين النفط وإعادة تصديره، مستفيدة من الطلب المتزايد على مواقع آمنة يمكن من خلالها الاحتفاظ بالمخزونات الاستراتيجية بعيداً عن مناطق التوتر.
كما لفتت الصحيفة إلى أن دول الخليج تناقش أيضاً تسريع مشروع الربط السككي الخليجي الذي تأخر لسنوات، باعتباره وسيلة إضافية لنقل الوقود والسلع بين دول المنطقة، رغم أن قدراته تظل أقل بكثير من خطوط الأنابيب أو النقل البحري.
استثمارات أثبتت قيمتها العملية
يبدو أن القناعة السياسية والاقتصادية داخل المنطقة أصبحت أكثر رسوخاً من أي وقت مضى. فبحسب ما نقلته وول ستريت جورنال عن الباحثة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية سينزيا بيانكو، فإن الاستثمارات التي كانت تُوصف سابقاً بأنها مكلفة وغير ضرورية أثبتت اليوم قيمتها العملية، ما يجعل مشاريع تجاوز مضيق هرمز مرشحة للتحول من خطط احتياطية إلى جزء دائم من البنية التحتية للطاقة في الخليج والعالم.


































