اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٢ تموز ٢٠٢٦
حظي تقرير شركة الحسبة العقارية، حول مشاكل العقارات الموروثة في الكويت، الذي يعد أحد أكثر الملفات العقارية والقانونية حساسية وتشعباً بتفاعل واسع، بعدما وضع قضية طالما أرهقت الورثة وجمّدت جزءاً مهماً من الثروة العقارية تحت مجهر النقاش العام.
وتفاعل نخبة من المحامين والمتخصصين، مع فتح «الحسبة» للملف الشائك، وأشادوا في تعقيبات متفرقة بدقة تشخيص التقرير لجذور الأزمة، واعتبروه خطوة مهمة في نقل الملف من نطاق الخلافات العائلية إلى إطار قانوني ومؤسسي أوسع. وذكروا أن «الحسبة» لم تقتصر في تقريرها على رصد أزمة قائمة، بل نجحت في إطلاق حوار قانوني متخصص حول مستقبل إدارة العقارات الموروثة، وكيفية حماية حقوق الورثة، والحد من تجميد الأصول، وتعزيز استقرار السوق العقاري في الكويت.
خلل بنيوي
بداية، قال الشريك والمستشار القانوني في مجموعة آسيان القانونية، المحامي عبدالعزيز المرزوق، إن التقرير شخّص خللاً بنيوياً قِوامه غياب التدبير المُسبق من المورّث وانعدام الأطر المنظِّمة للملكية المشتركة، ونقل المسألة من حيّز النزاع العائلي إلى حيّز الحوكمة المؤسسية.
وأكد المرزوق أن حلول «الحسبة» قويمةٌ في توجّهها، مؤسَّسةٌ في جُلّها على أدواتٍ قانونيةٍ قائمة، غير أنها محفوفةٌ بتحفّظاتٍ جوهريةٍ تحدُّ من إطلاقها، لافتا إلى أن إيداع العقار في شركة مساهمةٍ مقفلةٍ، وإن يكن من أنجع الأدوات التنظيمية لما يحقّقه من فصلٍ للذمة المالية وشخصيةٍ اعتباريةٍ مستقلة، يفترض توافر خمسة مؤسسين على الأقل وتقويم الحصص العينية وفق أحكام قانون الشركات، وقد يضيق بذلك مَن قلّ عددهم من الورثة، فتكون الشركة ذات المسؤولية المحدودة أوفق حالاً من غيرها، والأدقّ قانوناً أنّ نقل العقار بجملته إلى ذمة الشركة هو من أعمال التصرّف التي يتوقّف انعقادها على إجماع الشركاء في المال الشائع، وهو الإجماع الذي يَنشُد التقرير علاج غيابه، كذلك لا يسوغ النزول باشتراط الإجماع في بيع المال الشائع إلى مجرّد الأغلبية بمحض اتفاق الورثة، إذ تظل أعمال التصرّف على خلاف أعمال الإدارة المعتادة، فالحلول نافعةٌ، قابلةٌ للإعمال في حدودها، لكنها ليست ذاتية النفاذ.
ودعا المرزوق إلى استحداث جملةٍ من الأدوات التشريعية والإجرائية وتطويرها عبر إفراد دائرةٍ قضائيةٍ متخصصةٍ لمنازعات التركات والقسمة تختصر أمد التقاضي، مع تيسير إجراءات بيع العقار بالمزاد عند تعذّر قسمته عيناً، وكذلك تفعيل حق الشفعة المقرَّر للشريك في الشيوع، وتيسير آليتَي شراء الحصص والرهن الرسمي لتمويل التخارج، إلى جانب فرض الوساطة أو التحكيم كمرحلةً سابقةً على الذهاب إلى ساحة القضاء، وتشجيع المورّث على إعمال «الوصية بقسمة أعيان التركة» المنصوص عليها في قانون الأحوال الشخصية، وهي أداةٌ مُحكمةٌ قليلة الإعمال.
ملف معقد
من جهتها، ترى المحامية د.بشاير صلاح الغانم أن التقرير سلط الضوء على أحد أعقد الملفات التي اثرت بالسلب في السوق العقاري الكويتي، اذ إن الجزء الأكبر من الثروة العقارية قد أصابها الجمود بسبب الخلافات بين الورثة في العقارات الموروثة، لأن اغلب الثروة العقارية محبوس عن التعامل بسبب الخلافات بين الورثة واستحالة تقسيم الملكيات الشائعة في بعض الحالات.
وأشارت الغانم إلى أن الحلول المطروحة اغلبها حلول عملية تفتقد إلى آليه التنفيذ، وهو ما يستوجب تدخل تشريعي لبلورة هذه الحلول في تشريع متكامل بشأن تنظيم الثروة العقارية الموروثة لأن مشكلتها متراكمة منذ سنوات وتحتاج إلى نظام قانوني خاص.
ولفتت الغانم إلى بعض الخلافات، مثل عدم التعاون بين الورثة لاستخراج وثيقة عقار مستحدثة للعقار، ووجود قاصر ما يتطلب اختصام الهيئة العامة لشؤون القصر، ووقف اجراءات حصر التركة بسبب نزاعات تعديل حصر الإرث والقسام الشرعي، والخلاف على الوصية الواجبة، وتوزيع الريع في حال أن العقار يدر دخلاً.
ودعت الغانم إلى استحداث وظيفة مقيم عقاري لدى ادارة التسجيل العقاري لتقييم العقارات الموروثة للحد من خلافات الورثة حول قيمتها في حالات البيع والتخارج، لأن التقييم الحقيقي والمعتمد لهذه العقارات يحسم اغلب نقاط الخلاف بين الورثة.
وأكدت على ضرورة تحديد سقف زمني للفصل في دعاوى فرز وتجنيب وبيع العقارات وذلك باختصار الإجراءات والمواعيد واعتماد التقييم المعتمد لهذه العقارات كأساس للبيع، وإلزام الوارث المقيم بالعقار الموروث بإخلائه مقابل تعويض عادل حتى يتمكن الورثة من بيع العقار ووضع آلية مناسبة تكفل للقاصر سكنا مناسبا اذا كان مقيم بالعقار الموروث، مبينة أن مصلحة باقي الورثة تقتضي بيع العقار كتخصيص جزء من حصيلة البيع لإيجار مسكن يقيم فيه القاصر حتى سن البلوغ.
جوهر المشكلة
بدوره، قال المحامي المتخصص في منازعات العقارات والتركات، عبدالله البكر، إن التقرير أصاب في تشخيص جوهر المشكلة فالنزاع لا يبدأ من نقص النصوص القانونية، وإنما من انتقال الملكية إلى حالة شيوع غير مُدارة. وذكر أن الحل الأكثر استدامة في التركات العقارية الكبيرة، هو الانتقال من الملكية العائلية غير المنظمة إلى الحوكمة القانونية، فإدراج العقارات المسموح بها في شركة مساهمة مقفلة أو كيان عائلي منظم، متى روعي فيه أحكام الشريعة والوصية وحدود التصرف في مرض الموت وأحكام التسجيل والملكية. وشدد على أن الحلول الواقعية يجب أن تسير في مسارين متوازيين الأول مسار عائلي تعاقدي سابق للنزاع، والثاني مسار تشريعي وإجرائي يخفف كلفة النزاع عند وقوعه. ويرى البكر ضرورة إنشاء مسار سريع ومتخصص لمنازعات قسمة العقارات الموروثة، لا سيما عندما تكون المستندات مكتملة والنزاع محصوراً في التقييم أو آلية البيع، كما اقترح اعتماد سجل إلكتروني لإدارة العقارات الموروثة يربط بين وزارة العدل والتسجيل العقاري والجهات البلدية، مع تمكين المحكمة من تعيين مدير قضائي للعقار بصورة أسرع عند وجود تعطيل أو سوء إدارة.
ولفت إلى أنه من الإصلاحات المهمة أيضاً تنظيم بيع الحصص الشائعة بين الورثة بآلية شفافة تمنح حق الأولوية لباقي الشركاء وفق تقييم محايد، وتطوير قواعد المزاد بما يسمح بمزايدات إلكترونية أكثر عدالة وشفافية، مع تشجيع الوساطة العقارية والقانونية قبل رفع دعوى القسمة.
وأكد أن العقار الموروث في الكويت ينبغي ألا يتحول إلى أصل معطل بسبب الخلاف العائلي، فكلما انتقل الورثة مبكراً من العاطفة وحدها إلى الحوكمة، ومن المشافهة إلى الاتفاق المكتوب، ومن النزاع إلى التقييم المحايد، أمكن الحفاظ على قيمة العقار وصلة الرحم في الوقت ذاته.
نقاش مهني
من جانبه، أكد المحامي عبدالرحمن الطاحوس أن التقرير فتح ملفًا مهما وحساسا في القطاعين العقاري والقانوني بالكويت، إذ سلط الضوء على إشكالية يترتب عليها نزاعات قانونية وتعطيل لاستغلال الأصول وانخفاض كفاءة السوق العقاري.
وأشار الطاحوس إلى أن التقرير أثار نقاشا مهنيا حول الحاجة إلى تطوير التشريعات والإجراءات المنظمة لإدارة وقسمة التركات، وتعزيز الوعي بأهمية المبادرة إلى تسوية أوضاع العقارات الموروثة بما يحفظ حقوق الورثة ويحقق الاستقرار القانوني والاقتصادي.
ولفت الطاحوس إلى أن التقرير طرح حلولا واقعية تعالج جذور المشكلة، إذ لم تقتصر على معالجة النزاع بعد وقوعه، بل ركزت على الوقاية من خلال دور المورث في التنظيم المسبق، واعتماد الحوكمة، والتقييم المهني، ووضع آليات واضحة لاتخاذ القرار، كما أن مقترحات مثل تأسيس شركة لإدارة العقارات، وفصل الإدارة عن الملكية، وشراء حصص الراغبين في التخارج، تعد حلولاً قابلة للتطبيق قانونياً وعملياً متى ما صيغت وفق الأطر القانونية السليمة وباتفاق الورثة، ومع ذلك، يظل نجاحها مرهوناً بوجود وعي قانوني وتعاون بين الورثة، والاستعانة بمتخصصين في الجوانب القانونية والعقارية. وشدد الطاحوس على أهمية تطوير الإطار التشريعي بما يسمح بتبسيط إجراءات قسمة العقارات الموروثة، وتعزيز اللجوء إلى الوساطة والتوفيق قبل رفع الدعاوى القضائية، مبيناً أن استحداث تنظيم قانوني للشركات العائلية المالكة للعقارات الموروثة، ووضع ضوابط واضحة لإدارة الملكية المشتركة واتخاذ القرارات بالأغلبية في بعض المسائل، من شأنه تقليل النزاعات. وذكر الطاحوس أن رقمنة إجراءات التركات، وإنشاء سجل موحد يوضح حقوق الورثة والتصرفات المتعلقة بالعقار، سيسهم في تسريع الإجراءات، وحماية الحقوق، والحد من تجميد الأصول العقارية ذات الأثر الاقتصادي.


































