اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ١ تشرين الأول ٢٠٢٦
هناك لحظات فارقة في تاريخ صناعة السيارات تقف فيها الشركات أمام لغز تجاري محير: كيف يمكن لطراز مكتمل الأركان من الناحية الهندسية، يمتلك محركاً قوياً، واعتمادية عالية، وتكنولوجيا متطورة، أن ينتهي به المطاف خارج السوق بخفي حنين؟ هذه المفارقة تكشف حقيقة صارمة في عالم السيارات: الهندسة العظيمة والمواصفات المتميزة لا تضمنان وحدهما قبول الجماهير، وقرار واحد في التصميم أو التسعير أو التوقيت قد يكون كافياً لإحباط مشروع استثماري كلف الملايين.
في كثير من الأحيان، تبدأ المشكلة من طاولة المصممين. تسعى الشركات إلى إحداث ثورة في الشكل الخارجي لإثبات الابتكار والجرأة، لكنها قد تتجاوز الخط الفاصل بين التميز والنفور. شبك أمامي مبالغ في حجمه، مصابيح لا تنسجم مع هوية العلامة، أو توزيع داخلي يضحي بالعملية لمصلحة الشكل، كلها قرارات قد تبدو جريئة ومثيرة على الورق، لكنها تتحول إلى حاجز نفسي أمام المشتري عندما تصل السيارة إلى الشارع. وفي صناعة تعتمد على الانطباع الأول، قد لا تمنح السيارة فرصة ثانية لتشرح للمستهلك كل ما تتميز به تحت غطاء المحرك.
والأهم أن التصميم لا يعيش في فراغ، فما يعتبره المستهلك في سوق ما جريئاً ومبتكراً، قد يراه المستهلك في سوق آخر غريباً أو غير ملائم. فالسيارة ليست مجرد خطوط وأبعاد، بل لغة تعكس ذوق مالكها وتطلعاته وصورته عن نفسه. ولهذا قد ينجح طراز في أوروبا أو آسيا، بينما يجد صعوبة في الخليج، ليس بسبب ضعف هندسته، وإنما لأن تصميمه لم يجد الصلة المناسبة مع ثقافة السوق وطريقة استخدام السيارة فيه.
ثم يأتي السعر ليختبر المعادلة من جديد. عندما تطرح الشركة سيارة بسعر مرتفع، فإنها لا تطلب من المستهلك شراء منتج متطور فحسب، بل تطلب منه أن يقتنع بأن ما يحصل عليه يستحق ما سيدفعه مقارنةً بالمنافسين. وإذا لم يشعر بهذه القيمة، فقد لا تنقذه قوة المحرك ولا قائمة التجهيزات ولا حتى اسم العلامة.
وتزداد المشكلة عندما تتراكم القرارات الصغيرة غير الموفقة. فئة سعرية غير مدروسة، محرك لا يناسب طبيعة الاستخدام، تجهيزات لا يعتبرها العميل أولوية، أو حملة تسويقية تركز على ميزة لا تعنيه كثيراً. كل قرار قد يبدو محدوداً بمفرده، لكن اجتماعها يمكن أن يحول سيارة ممتازة إلى منتج يصعب تسويقه.
وعندما يفشل الطراز تجارياً، لا تدفع الشركة وحدها الثمن. فالوكيل يجد نفسه أمام مخزون يحتاج إلى تصريف، وقد يلجأ إلى خصومات قاسية تؤثر في صورة السيارة وقيمتها. والمستهلك الذي اشترى السيارة مبكراً قد يواجه انخفاضاً أكبر في قيمة إعادة البيع، أو قلقاً بشأن استمرار الطلب عليها وتوافر بعض القطع والخدمات مستقبلاً. وهكذا تتحول السيارة، التي بدت صفقة ممتازة على الورق، إلى قرار أقل جاذبية في الواقع.
لهذا، لا يمكن قياس نجاح السيارة بالمسطرة والحاسبة وحدهما. فالشراء قرار إنساني تحكمه الذائقة والانطباع والثقة، بقدر ما تحكمه الأرقام والمواصفات. وقد تكون السيارة متفوقة هندسياً، لكنها تفشل لأنها لم تجد الطريقة الصحيحة لتخاطب الإنسان، الذي سيقودها. فالمنتج الذي لا يخلق علاقة مع صاحبه قد يبقى مجرد مجموعة ناجحة من الحلول الهندسية، مهما بلغت كفاءته.
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر إثارة: إذا كان المشتري لا يختار السيارة بناءً على مواصفاتها فقط، فهل نختار السيارة لأنها الأفضل فعلاً، أم لأنها تشبهنا؟
مشعل يوسف الصفران


































