اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة الجريدة الكويتية
نشر بتاريخ: ٣١ كانون الأول ٢٠٢٥
في بدايات الألفية، صرّح المستثمر المخضرم وارن بافيت مرّات عديدة في لقاءاته السنوية مع المستثمرين، وتحدث عن «الإنترنت» في وقتٍ كانت فيه هذه التقنية تُعامل كمعجزة اقتصادية ستغير العالم. ما كان لافتاً في حديثه آنذاك هو استنتاجه غير المتحمس، إذ رأى أن الإنترنت ستكون إضافة عظيمة للمجتمع، لكنها في المقابل قد تكون كارثة على رأس المال والشركات بشكل عام. منطقه كان واضحاً: التكنولوجيا ترفع الكفاءة، تقلل التكاليف، وتفتح السوق أمام الجميع، ما يعني منافسة شرسة وهوامش أرباح تتآكل إلى حد يصعب معه تحقيق عوائد مجزية. كفاءة أعلى، نعم، لكن على حساب الربحية على المدى الطويل.مرّت أكثر من عشرين عاماً على ذلك التصريح واليوم يمكننا القول — وبوضوح — إن هذا التقدير لم يكن دقيقاً. فالإنترنت لم تُنتج فقط شركات ناجحة، بل خلقت عمالقة تكنولوجيين بقيم سوقية تريليونية، تمتلك احتكاراً معرفياً غير مسبوق. شركات لم تكتفِ بالمنافسة، بل أعادت تعريف قواعدها. الواقع أثبت أن السوق لم يتحول إلى ساحة تنافس متساوٍ، بل إلى نظام أقرب ما يكون إلى منطق Winner Takes All، حيث يفوز القلة ويحصدون معظم القيمة، بينما يتوزع الباقون على الهوامش.هذا التناقض بين النظرية والواقع هو ما يدفعنا اليوم إلى طرح السؤال ذاته، ولكن بصيغة أكثر إلحاحاً: ماذا لو أسقطنا تحليل وارن بافيت ذاته على الذكاء الاصطناعي؟ في مقابلاته الأخيرة، وصف بافيت الذكاء الاصطناعي بأنه تقنية مذهلة، قادرة على رفع كفاءة الاقتصاد بشكل غير مسبوق، لكنه حذّر في الوقت نفسه من أثرها العميق والمُربك، سواء على الوظائف أو على البنية الاجتماعية، بل وذهب إلى تشبيهها — من حيث الخطورة المحتملة — بالقنبلة الذرية!لو أخذنا هذا التحليل حرفياً، فقد نصل إلى تصور نظري مثير: ماذا لو قاد الذكاء الاصطناعي، عبر موجات متتالية من الكفاءة والتحسين، إلى دفع التكاليف نحو الصفر؟ فكرة لم يشهدها التاريخ الاقتصادي من قبل. شركات تنتج وتدير وتسوّق وتخدم عملاءها بأقل تكلفة ممكنة، وربما بلا تكلفة تُذكر. عالم تصبح فيه الأعمال أكثر سلاسة، وتتحول بيئات العمل من سباقات أرقام إلى مساحات تفاعل وتجربة إنسانية، حيث يعمل الناس لأنهم يريدون، لا لأنهم مضطرون.
في بدايات الألفية، صرّح المستثمر المخضرم وارن بافيت مرّات عديدة في لقاءاته السنوية مع المستثمرين، وتحدث عن «الإنترنت» في وقتٍ كانت فيه هذه التقنية تُعامل كمعجزة اقتصادية ستغير العالم. ما كان لافتاً في حديثه آنذاك هو استنتاجه غير المتحمس، إذ رأى أن الإنترنت ستكون إضافة عظيمة للمجتمع، لكنها في المقابل قد تكون كارثة على رأس المال والشركات بشكل عام. منطقه كان واضحاً: التكنولوجيا ترفع الكفاءة، تقلل التكاليف، وتفتح السوق أمام الجميع، ما يعني منافسة شرسة وهوامش أرباح تتآكل إلى حد يصعب معه تحقيق عوائد مجزية. كفاءة أعلى، نعم، لكن على حساب الربحية على المدى الطويل.
مرّت أكثر من عشرين عاماً على ذلك التصريح واليوم يمكننا القول — وبوضوح — إن هذا التقدير لم يكن دقيقاً. فالإنترنت لم تُنتج فقط شركات ناجحة، بل خلقت عمالقة تكنولوجيين بقيم سوقية تريليونية، تمتلك احتكاراً معرفياً غير مسبوق. شركات لم تكتفِ بالمنافسة، بل أعادت تعريف قواعدها. الواقع أثبت أن السوق لم يتحول إلى ساحة تنافس متساوٍ، بل إلى نظام أقرب ما يكون إلى منطق Winner Takes All، حيث يفوز القلة ويحصدون معظم القيمة، بينما يتوزع الباقون على الهوامش.
هذا التناقض بين النظرية والواقع هو ما يدفعنا اليوم إلى طرح السؤال ذاته، ولكن بصيغة أكثر إلحاحاً: ماذا لو أسقطنا تحليل وارن بافيت ذاته على الذكاء الاصطناعي؟ في مقابلاته الأخيرة، وصف بافيت الذكاء الاصطناعي بأنه تقنية مذهلة، قادرة على رفع كفاءة الاقتصاد بشكل غير مسبوق، لكنه حذّر في الوقت نفسه من أثرها العميق والمُربك، سواء على الوظائف أو على البنية الاجتماعية، بل وذهب إلى تشبيهها — من حيث الخطورة المحتملة — بالقنبلة الذرية!
لو أخذنا هذا التحليل حرفياً، فقد نصل إلى تصور نظري مثير: ماذا لو قاد الذكاء الاصطناعي، عبر موجات متتالية من الكفاءة والتحسين، إلى دفع التكاليف نحو الصفر؟ فكرة لم يشهدها التاريخ الاقتصادي من قبل. شركات تنتج وتدير وتسوّق وتخدم عملاءها بأقل تكلفة ممكنة، وربما بلا تكلفة تُذكر. عالم تصبح فيه الأعمال أكثر سلاسة، وتتحول بيئات العمل من سباقات أرقام إلى مساحات تفاعل وتجربة إنسانية، حيث يعمل الناس لأنهم يريدون، لا لأنهم مضطرون.
لكن هنا يبرز السؤال الحقيقي الذي يتجاوز الفكر الاقتصادي السائد: من سيجني المال في عالم كهذا؟ وما هو المال أصلاً إن فقد دوره كمقياس للندرة والقيمة؟ التاريخ يخبرنا أن الإنسان كائن هرمي بطبيعته، وأن المجتمعات لا تعيش طويلاً في حالة تسودها المساواة. ابن خلدون، في مقدمته، تحدث عن أن الاجتماع البشري لا يقوم إلا بنوع من التراتب والتنظيم. وبعبارة أخرى، لا بد من نظام يفرّق، يرتّب، ويمنح الأفضلية، وإلا انهار العمران — على حد تعبيره.
المال والمكانة الاجتماعية كانا عبر العصور من أوضح الأدوات التي لبّت هذه الحاجة البشرية العميقة. المال ليس مجرد وسيلة تبادل، بل رمز للتميّز، ومقياس للقوة، ولغة غير مكتوبة لترتيب المجتمع. من هنا، فإن افتراض عالم يصبح فيه المال بلا معنى — كما لمح إيلون ماسك مؤخراً — يبدو جذاباً نظرياً، لكنه يصطدم مباشرة بجدار الطبيعة البشرية.
فحتى لو كان تحليل وارن بافيت عن الذكاء الاصطناعي صحيحاً من حيث المبدأ، فإن الواقع سيعيد تشكيله. الطبيعة البشرية، وقواعد اللعبة الاجتماعية، لن تسمح بوصول الجميع إلى خط النهاية ذاته. كما حدث مع الإنترنت، سنشهد تركّزاً جديداً للقوة، واحتكارات من نوع مختلف، ليس بالضرورة في البنية التحتية، بل في البيانات، والخوارزميات، والقدرة على توجيه السلوك البشري. الذكاء الاصطناعي قد يقلل التكاليف، لكنه في الوقت نفسه سيرفع أسقف السيطرة والتفوق.
في تسابقنا نحو الصفر، لن نصل إلى خلاصة مريحة، بقدر ما سنُجبر على إعادة ترتيب مفاهيم اقتصادية اعتبرناها طويلاً من المسلّمات. سنعيد تعريف معنى الكفاءة، والعمل، والقيمة، وربما حتى معنى النجاح ذاته. ومع كل هذا التحول، سنكتشف أن التكنولوجيا مهما بلغت من تطور، لا تلغي جوهر الإنسان، بل تكشفه. ففي النهاية، يبقى الإنسان إنساناً، وتظل طبيعته البشرية — لا الخوارزميات — هي العامل الحاسم في رسم شكل الاقتصاد والمجتمع القادمين.


































