اخبار السودان
موقع كل يوم -أثير نيوز
نشر بتاريخ: ٢٢ كانون الثاني ٢٠٢٦
ما بعد الحرب في السودان ليس مجرد “مرحلة انتقالية” بالمعنى التقليدي، بل هو امتحان وجودي للدولة نفسها: إما أن تُعاد صياغتها على أسس جديدة، أو تستمر الدائرة الجهنمية (حرب – هدنة – انهيار – حرب). لذلك فإن تصور الحكم القادم يجب أن يكون جذريًا، شجاعًا، وواقعيًا في آن واحد.
أولاً: من دولة الأزمة إلى دولة المشروع الوطني
السودان ظل يُدار بعقلية رد الفعل لا بعقلية المشروع. الحكم ما بعد الحرب يجب أن يقوم على مشروع وطني جامع يجيب على سؤال: أي سودان نريد؟
دولة المواطنة لا القبيلة، المؤسسات لا الأفراد، والحقوق لا الامتيازات. هذا المشروع يجب أن يُطرح بوضوح للشعب، لا في غرف مغلقة ولا عبر صفقات نخبوية.
ثانياً: إعادة بناء الدولة من القاعدة لا من القمة
التجربة أثبتت أن تغيير الواجهات لا يصنع دولة. المطلوب:
إعادة بناء الخدمة المدنية على أساس الكفاءة لا الولاء.
إصلاح القضاء ليكون مستقلًا فعليًا لا شكليًا.
تفكيك الدولة العميقة التي عطّلت المؤسسات وحوّلتها لأدوات نفوذ.
الدولة لا تقوم بقرارات فوقية فقط، بل بترميم الثقة بين المواطن والمؤسسة.
ثالثاً: الجيش… من لاعب سياسي إلى حارس دولة
القوات المسلحة السودانية مؤسسة وطنية تاريخية، لكن الحرب كشفت خطورة تسييس الجيوش.
الحكم ما بعد الحرب يتطلب:
خروجًا واضحًا ومعلنًا للمؤسسة العسكرية من الصراع السياسي.
عقيدة عسكرية جديدة أساسها حماية الحدود والدستور، لا الأنظمة.
ضبط العلاقة بين الجيش والاقتصاد، وإنهاء أي نشاط اقتصادي خارج ولاية وزارة المالية.
جيش قوي نعم، لكن دولة أقوى منه بالقانون.
رابعاً: تفكيك المليشيات لا استيعاب الفوضى
أكبر خطأ بعد الحرب سيكون محاولة “تدوير” الأزمة عبر دمج شكلي للمليشيات.
السلام الحقيقي يتطلب:
تفكيكًا حقيقيًا للبُنى العسكرية الموازية.
برامج DDR (نزع السلاح، التسريح، إعادة الدمج) بإشراف وطني صارم.
منع أي قوة مسلحة من التحول إلى حزب سياسي مسنود بالسلاح.
بدون ذلك، ستكون الحرب القادمة مسألة وقت فقط.
خامساً: الإدارة الأهلية… من التهميش إلى الشراكة المنضبطة
الحرب أعادت الاعتبار للدور المجتمعي للإدارة الأهلية، لكنها كشفت أيضًا مخاطر تسييسها.
الحكم القادم يجب أن:
يُعيد لها دورها في المصالحات وحل النزاعات المجتمعية.
يُبعدها عن الصراع على السلطة والثروة.
يُدمجها في منظومة الحكم المحلي ضمن أطر قانونية واضحة.
الإدارة الأهلية صمام أمان اجتماعي، لا سلطة بديلة.
سادساً: الحكم المحلي واللامركزية كشرط وحدة
المركزية الخانقة كانت أحد جذور الحرب.
ما بعد الحرب لا بد من:
صلاحيات حقيقية للولايات والأقاليم في التخطيط والتنفيذ.
موارد مالية عادلة لا منح سياسية.
انتخاب الحكومات المحلية لضمان المساءلة.
الوحدة لا تُفرض بالقوة، بل بالعدالة.
سابعاً: العدالة الانتقالية… بين القصاص وبناء المستقبل
السودان لا يحتمل عدالة انتقائية ولا تسويات تُهين الضحايا.
المطلوب:
كشف الحقيقة كاملة دون خطوط حمراء.
محاسبة من تلطخت أيديهم بالدماء، أيًا كانوا.
جبر ضرر الضحايا وإعادة الاعتبار لهم.
العدالة ليست انتقامًا، لكنها شرط السلام المستدام.
ثامناً: الاقتصاد… معركة ما بعد البندقية
أخطر ما بعد الحرب هو اقتصاد الحرب نفسه.
الحكم الرشيد يجب أن:
يُعيد توجيه الموارد للإنتاج لا المضاربة.
يضع الزراعة والصناعة في قلب السياسات الاقتصادية.
يمنع اقتصاد الظل والتهريب الذي غذّى الصراع.
بدون عدالة اقتصادية، سيبقى السلام هشًا.
تاسعاً: السياسة الخارجية… السودان أولاً
الحرب كشفت حجم التدخلات الخارجية.
الحكم ما بعد الحرب يجب أن:
ينتهج سياسة توازن لا ارتهان.
يرفض تحويل السودان لساحة تصفية حسابات إقليمية.
يعيد بناء علاقاته على أساس المصالح الوطنية لا الولاءات.
السيادة ليست شعارًا، بل قرار مستقل.
الخلاصة
الحكم في السودان ما بعد الحرب إما أن يكون تأسيسًا لدولة جديدة أو إعادة إنتاج للأزمة بثوب مختلف.
الفرصة مؤلمة، لكنها نادرة:
إما أن نكتب عقدًا اجتماعيًا جديدًا بدموع الضحايا،
أو نترك للأجيال القادمة حربًا أخرى تنتظر دورها.
السودان يستحق حكمًا يداوي جراحه… لا يحصي غنائمه.
الخميس ٢٢يناير٢٠٢٦


























