اخبار السودان
موقع كل يوم -أثير نيوز
نشر بتاريخ: ٢٩ تشرين الثاني ٢٠٢٥
لا يزال عشرات الآلاف من المدنيين محاصرين داخل مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بعد أكثر من شهر على سقوطها في يد ميليشيا الدعم السريع في 26 أكتوبر الماضي. وفيما تمكّن نحو 100 ألف شخص من الفرار إلى مناطق أكثر أماناً نسبياً، يبقى مصير مئات الآلاف الآخرين مجهولاً وسط أدلة متزايدة على ارتكاب مجازر واسعة النطاق، وعنف جنسي ممنهج، واعتقالات تعسفية، ونهب منظم.
منذ اليوم الأول للسيطرة الكاملة على المدينة، بعد حصار خانق دام أكثر من 500 يوم، بدأت شهادات الناجين وصور الأقمار الصناعية تكشف عن حجم الكارثة. يصف توم فليتشر، منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، الوضع بأنه «أزمة إنسانية هي الأخطر في دارفور حالياً»، محذراً من أن «كل يوم يمر والناس عالقون داخل الفاشر هو يوم من المخاطر التي لا تُحتمل».
مدينة محاصرة بجدار ترابي
قبل الهجوم النهائي، أقامت الدعم السريع جداراً ترابياً يحيط بالفاشر بالكامل، مما منع خروج المدنيين أو دخول المساعدات. وبعد السقوط، انقطعت الاتصالات تماماً، وصودرت الهواتف والأجهزة الإلكترونية، مما جعل التواصل مع من بقي داخل المدينة شبه مستحيل.
يقول فليتشر، الذي زار مؤخراً بلدة طويلة القريبة التي استقبلت عشرات الآلاف من الفارين: «وصل إلينا عشرات الآلاف، لكن من الواضح جداً أن أعداداً كبيرة جداً لم تغادر الفاشر. هذا يثير تساؤلات مقلقة للغاية حول أين هم الآن».
مجازر موثقة بالأقمار الصناعية
صور الأقمار الصناعية التي حللها معهد ييل للبحوث الإنسانية كشفت عن وجود ما يصل إلى 30 تجمعاً لجثث مكدسة في أنحاء مختلفة من المدينة، بعضها ملقى بجوار مركبات ميليشيا الدعم السريع، ومحاط ببرك دماء واضحة. كما رصدت الصور عمليات حفر لمقابر جماعية وحرق محتمل لجثث.
من بين أبرز المجازر الموثقة:
– مجزرة المستشفى السعودي التي راح ضحيتها نحو 500 شخص وفق تقديرات الأمم المتحدة.
– مجزرة جامعة الفاشر التي لجأ إليها آلاف المدنيين.
– مجازر محتملة أخرى في مستشفى الأطفال، مكتب الهلال الأحمر، وقاعدة عسكرية سابقة.
عنف جنسي ممنهج
وثّقت سليمة إسحاق، وزيرة الدولة السودانية للموارد البشرية والنازحين ومديرة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل، 25 حالة اغتصاب على الأقل داخل جامعة الفاشر، مشيرة إلى أن العدد الحقيقي «أكبر بكثير بكثير». وأكدت وجود أدلة على قتل ما لا يقل عن 300 امرأة بعد تعرضهن لاعتداءات جسدية وجنسية.
من جانبه، أفاد خوسيه سانشيز، منسق منظمة أطباء بلا حدود في دارفور، باستقبال عشرات النازحين «مصابين بطلقات نارية وكدمات وكسور ناتجة عن الضرب والتعذيب».
اعتقالات وفدى ونهب واسع النطاق
تشير تقديرات ناشطين تحدثوا إلى «إل باييس» إلى اعتقال ما لا يقل عن 3500 مدني، بينهم قادة مجتمع وصحفيون ومسؤولون سابقون، نُقل كثير منهم إلى سجن دغريس المكتظ في نيالا، عاصمة جنوب دارفور التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
كما وثّقت مصادر متعددة عمليات خطف واسعة تطالب فيها الميليشيات عائلات الضحايا بفدى تصل إلى آلاف الدولارات. ويقول مساعد محمد علي، مدير المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام: «التعذيب للضغط على الأهالي لدفع الفدية ممارسة شائعة ومنظمة».
في الوقت نفسه، شهدت المدينة نهباً ممنهجاً. شاحنات محملة بالأثاث والمركبات ومواد البناء بدأت تظهر في أسواق نيالا، وفق ما وثقته وسائل إعلام محلية وصور أقمار صناعية.
«حذّرنا… لكن العالم تجاهل»
تقول ناشطة دارفورية لاجئة حالياً في مصر: «حذّرنا منذ بداية الحصار مما سيحدث إذا سقطت الفاشر. لكن العالم بقي متفرجاً، غير مبالٍ بصرخات الناس، حتى وقعت الكارثة الكبرى».
في الأثناء، أعلن قائد ميليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) الاثنين الماضي وقف إطلاق نار من جانب واحد لثلاثة أشهر، بعد ساعات فقط من رفض الفريق أول عبد الفتاح البرهان هدنة أمريكية. يرى مراقبون أن الإعلان محاولة لتلميع الصورة الدولية، خاصة أن ميليشيا الدعم السريع انتهكت وقف إطلاق نار سابقين أعلنتهما منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
في الفاشر اليوم، تبقى المدينة مغلقة تماماً أمام المنظمات الإنسانية. ويختتم توم فليتشر تحذيره: «نحن بحاجة ماسة للوصول إلى الفاشر. لا نعلم عدد القتلى، ولا عدد المحاصرين، ولا ظروفهم. لكن ما نعرفه كافٍ لنعرف أن كل يوم تأخير يكلف أرواحاً».


























