اخبار قطر
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ٣٠ أذار ٢٠٢٦
سلمى حداد - الخليج أونلاين
- منشآت الألمنيوم الخليجية مسؤولة عن 10% من الإنتاج العالمي واستهدافها يهدد توازن السوق الدولي للمعدن
- اضطرابات هرمز واحتمال توسعها لباب المندب تخلق اختناقاً مزدوجاً في سلاسل إمداد الألمنيوم
- السوق الهشة والمخزونات المنخفضة ترفع خطر تحول الأزمة من ارتفاع أسعار إلى نقص فعلي في المعروض
لم تعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مجرد أزمة جيوسياسية تقليدية تنعكس على أسعار النفط والغاز، بل تحولت إلى عامل ضغط مباشر على أحد أهم المعادن الصناعية في العالم، مع دخول الألمنيوم إلى دائرة الصراع بعداستهدفت إيران منشآت إنتاج رئيسية في الخليج، إلى جانب اضطرابات الشحن عبر مضيق هرمز وتصاعد المخاطر في البحر الأحمر، ما يهدد بإحداث خلل عميق في سوق عالمية كانت تعاني بالفعل من ضيق الإمدادات وغياب هوامش الأمان.
وتكتسب هذه التطورات أهمية استثنائية بالنظر إلى الدور المحوري الذي تلعبه دول الخليج في إنتاج الألمنيوم عالمياً، إذ يبلغ إجمالي الإنتاج الخليجي نحو 6.5 ملايين طن سنواً، أي ما يعادل قرابة 10٪ من الإنتاج العالمي، فيما يتم تصدير نحو 60٪ من هذا الإنتاج إلى الأسواق الدولية، بحسب تصريحات الأمين العام للمجلس الخليجي للألمنيوم محمود الديلمي لصحيفة 'الاقتصادية' في 29 مارس 2026.
وأوضح الديلمي أن شركات الألمنيوم في المنطقة دخلت بالفعل مرحلة تقييم شاملة للأضرار والخسائر عقب الاستهداف الذي طال منشآت في الإمارات والبحرين، مشيراً إلى أن إدارات هذه الشركات تعمل على تفعيل خطط الطوارئ للحفاظ على استمرارية العمليات.
ولفت إلى أن الشركات تدرس تشغيل خطوط إنتاج بديلة والاستفادة من المخزون المتاح لتغطية أي نقص مؤقت، في محاولة للحفاظ على التزاماتها التصديرية وسلاسل التوريد.
غير أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها التشغيلية، تعكس في الوقت ذاته حجم الضغط الذي تواجهه الصناعة، حيث لم تعد المشكلة مقتصرة على الطلب أو الأسعار، بل تمتد إلى القدرة الفعلية على استمرار الإنتاج والتسليم.
وأعلنت شركة الإمارات العالمية للألمنيوم في بيان بـ28 مارس 2026، أن منشأة 'الطويلة'، الواقعة ضمن منطقة خليفة الاقتصادية 'كيزاد'، تعرضت لأضرار جسيمة نتيجة هجمات صاروخية وطائرات مسيرة.
ويُعد هذا الموقع أحد أكبر مجمعات إنتاج الألمنيوم عالمياً، إذ بلغت طاقته الإنتاجية نحو 1.6 مليون طن خلال عام 2025، ضمن إجمالي إنتاج إماراتي يتجاوز 2.7 مليون طن سنوياً، ما يجعله نقطة ارتكاز أساسية في الإمدادات العالمية.
وفي الوقت ذاته، أكدت وكالة الأنباء البحرينية 'بنا' تعرض شركة ألمنيوم البحرين 'ألبا' لهجوم مماثل أسفر عن إصابات طفيفة، مع بدء الشركة تقييم الأضرار التي لحقت بمنشآتها.
وتأتي هذه التطورات بعد أن كانت 'ألبا' قد خفّضت إنتاجها بنسبة 19٪ في وقت سابق من مارس 2026 نتيجة اضطرابات الإمدادات والنقل، وفق ما نقلته وكالة 'رويترز'.
تأثير عالمي عميق
غير أن التأثير الأعمق للأزمة يتجاوز حدود الاستهداف المباشر للمصانع، ليطال البنية اللوجستية التي تقوم عليها الصناعة، فمضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، يمثل شرياناً حيوياً ليس فقط لتدفقات النفط، بل أيضاً لشحن الألمنيوم ومواده الخام.
وتشير بيانات تحليلية أوردها مقال للخبير الاستراتيجي في مجال الطاقة أومود شوكري نشره عبر موقع 'منصة الطاقة' بتاريخ 23 مارس 2026، إلى أن أكثر من 5 ملايين طن سنوياً من الألمنيوم ومنتجاته تمر عبر هذا المضيق، إلى جانب شحنات 'الألومينا' التي تعتمد عليها المصاهر الخليجية في إنتاج المعدن .
ويحذر شوكري من أن تقييد الملاحة عبر المضيق، سواء نتيجة المخاطر الأمنية أو ارتفاع تكاليف التأمين، قد يؤدي إلى تباطؤ تدفقات المواد الخام والمنتجات النهائية على حد سواء، وهو ما يضع المصاهر أمام خطر مزدوج يتمثل في نقص المدخلات وتعطل الصادرات.
وتزداد خطورة هذا الوضع بالنظر إلى أن العديد من هذه المصاهر تحتفظ بمخزونات محدودة من الألومينا تكفي لأسابيع فقط، ما يعني أن أي اضطراب مطول قد يؤدي إلى توقف الإنتاج تدريجياً، حتى دون تعرض المنشآت لأضرار مباشرة، وفق مقال شوكري.
كما يشير المقال ذاته إلى أن إنتاج الألمنيوم يعد من أكثر الصناعات استهلاكًا للطاقة، إذ يتطلب إنتاج طن واحد نحو 13 إلى 15 ميغاواط/ساعة من الكهرباء، ما يجعل الصناعة شديدة الحساسية لأي ارتفاع في أسعار الطاقة أو اضطراب في إمدادات الغاز، وهي عوامل تتفاقم بدورها في ظل الحرب الحالية.
ولا تقتصر المخاطر على مضيق هرمز، إذ يلوح في الأفق احتمال اتساع نطاق الاضطرابات ليشمل مضيق باب المندب، في ظل تهديدات الحوثيين واستهدافهم المتكرر لحركة الملاحة في البحر الأحمر، وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن سلاسل الإمداد العالمية ستواجه اختناقًا مزدوجاً، حيث تتعطل المسارات الرئيسية لخروج الألمنيوم من الخليج والوصول إلى الأسواق الأوروبية، ما يرفع تكاليف الشحن ويطيل أمد التسليم، ويضيف ضغوطًا إضافية على الأسعار.
وتأتي هذه التطورات في وقت كانت فيه سوق الألمنيوم العالمية تعاني بالفعل من ضعف في المخزونات، فقد أشار مقال شوكري إلى أن المخزونات في مستودعات بورصة لندن للمعادن انخفضت إلى نحو 583 ألف طن بحلول أواخر فبراير 2026، مقارنة بنحو 3 ملايين طن في فترات سابقة ، ما يعني أن السوق دخلت الأزمة دون وسادة أمان كافية لامتصاص الصدمات.
وقد انعكست هذه الضغوط سريعاً على الأسعار، حيث تجاوز سعر الألمنيوم 3500 دولار للطن في أوائل مارس 2026، مع توقعات بوصوله إلى مستويات أعلى في حال استمرار الاضطرابات، وفق تقديرات نقلتها وكالة رويترز.
ويمتد تأثير هذه الأزمة إلى قطاعات صناعية رئيسية تعتمد بشكل مباشر على الألمنيوم، مثل صناعة السيارات والطيران والبناء والطاقة المتجددة والتعبئة والتغليف.
وبحسب بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) المنشورة في فبراير 2026، يُعد الألمنيوم مادة أساسية في النقل والبنية التحتية والتطبيقات الكهربائية، ما يعني أن أي اضطراب في إمداداته ينعكس سريعاً على الإنتاج الصناعي وتكاليف التصنيع عالمياً.
أبرز المصدرين والمستوردين
وتؤكد بيانات دولية هذا الاعتماد، على الألمنيوم إذ تُظهر إحصاءات البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية لعام 2024 أن الولايات المتحدة استوردت نحو 6 مليارات دولار من الألمنيوم، والصين نحو 5.2 مليارات دولار، فيما تجاوزت واردات كوريا الجنوبية 2.8 مليار دولار وتركيا 2.7 مليار دولار، ما يعكس حجم الطلب العالمي على المعدن.
وتُظهرالبيانات نفسها المنشورة عبر قاعدة بيانات 'UN Comtrade'، أن كندا تتصدر قائمة مصدري الألمنيوم غير المشغول غير المخلوط بقيمة بلغت 4.776 مليارات دولار، تليها الهند بنحو 3.503 مليارات دولار، ثم أستراليا بحوالي 3.291 مليارات دولار، في حين جاءت ماليزيا بقيمة 1.874 مليار دولار، وآيسلندا بنحو 1.704 مليار دولار.
وفي فئة الألمنيوم غير المشغول المخلوط، برزت النرويج كأكبر مصدر بقيمة 3.613 مليارات دولار، تلتها كندا بنحو 3.218 مليارات دولار، ثم البحرين بقيمة 2.768 مليار دولار، ما يضعها ضمن كبار المصدرين عالمياً، إلى جانب ماليزيا التي سجلت 2.746 مليار دولار، والولايات المتحدة بحوالي 1.489 مليار دولار.
أما على المستوى العربي، فتقود البحرين قائمة المصدرين بقيمة تقارب 640 مليون دولار، تليها السعودية بنحو 581 مليون دولار، ثم عُمان بنحو 577 مليون دولار، وفق بيانات منظمة التجارة العالمية لعام 2024.
أزمة مركبة
وفي ضوء هذه المعطيات، يرى المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر، أن ما تشهده سوق الألمنيوم اليوم يتجاوز تأثير ضربة عسكرية على منشأة واحدة أو اضطراب شحن مؤقت، قائلاً: 'نحن أمام اختبار حقيقي لمدى هشاشة سلاسل الإمداد الصناعية العالمية'.
ويضيف أبو قمر، في حديثه لـ'الخليج أونلاين'، أن دول الخليج لا تمثل مجرد كتلة إنتاجية كبيرة، بل تشكل جزءاً أساسياً من الطاقة التعويضية التي اعتمد عليها العالم بعد تراجع مرونة الإنتاج في أوروبا وأمريكا الشمالية وارتفاع كلفة الطاقة هناك، لذلك فإن أي اضطراب في المنطقة يُقرأ كصدمة تمس التوازن العالمي في سوق تعاني أصلاً من انخفاض المخزونات وضعف القدرة على التعويض السريع.
ويحذر أبو قمر من أن الألمنيوم من الصعب تعويضه بسرعة، خاصة في الصناعات المتقدمة التي تعتمد على مواصفات دقيقة وعقود توريد طويلة الأجل.
ويضيف أن المصاهر الخليجية تعتمد بشكل كبير على تدفق منتظم لمادة الألومينا عبر الممرات البحرية، مما يعني أن أي إغلاق مطول أو تقييد مستمر في مضيق هرمز قد يؤثر ليس فقط على الصادرات، بل على العملية الإنتاجية ذاتها من الداخل.
ومن الناحية الاقتصادية، يرى أبو قمر أن المخاطر الجيوسياسية لم تعد تقتصر على أسواق الطاقة التقليدية، بل امتدت إلى المعادن الصناعية الاستراتيجية.
ويقول إن 'العالم اعتاد قياس أزمات الشرق الأوسط من خلال النفط والغاز، إلا أنه بات اليوم مضطراً لاحتساب تأثيرها على معادن تدخل في قطاعات حيوية مثل السيارات والطيران والبنية التحتية والطاقة المتجددة'.
ويشدد على أن السوق العالمية تفتقر حالياً إلى 'وسادة أمان' كافية، في ظل انخفاض مستويات المخزون ومحدودية القدرة الإنتاجية الاحتياطية. ويضيف أن 'الخطر لا يكمن فقط في حجم الأضرار المباشرة، بل في الرسالة التي تعكسها هذه التطورات، والتي تشير إلى أن البنية الصناعية في الخليج باتت ضمن دائرة الاستهداف، وأن المخاطر تجاوزت نطاق الملاحة وكلفة التأمين لتطال صلب سلاسل الإنتاج'.
وفي حال امتداد التهديدات بشكل أكبر إلى مضيق باب المندب بفعل دخول الحوثيين باليمن إلى دائرة الحرب، فإن الأسواق قد تواجه ضغطاً مركباً، حيث يتسبب مضيق هرمز في تعطيل تدفقات المواد الخام وخروج المنتجات، في حين يهدد باب المندب المسارات البديلة نحو الأسواق الأوروبية.
ويشير أبو قمر إلى أن هذا السيناريو قد ينقل الأزمة من مجرد ارتفاع في الأسعار إلى نقص فعلي في الإمدادات، وهو تحول جوهري في طبيعة التأثيرات الاقتصادية.























