اخبار المغرب
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٩ أذار ٢٠٢٦
جمعيات حقوقية عبرت عن مخاوفها من تداعيات توسعها اللافت وغير المسبوق في الشوارع والفضاءات العامة
يواجه انتشار بث كاميرات المراقبة في الفضاءات العمومية بالمغرب، من شوارع ومقاهٍ وبنوك وعيادات طبية ومدارس وقاعات رياضية، انتقادات متنامية بدعوى إمكان مسّ الحياة الخاصة للأفراد وهتك خصوصية المواطنين في تلك الأماكن.
ويرى بعضهم أنه بقدر ما تسهم كاميرات المراقبة بالفضاءات العمومية في مكافحة 'السلوك الإجرامي'، وتساعد في استتباب الأمن داخل المجتمع، بقدر ما تهدد في الوقت نفسه بانتهاك الحياة الخاصة للناس.
ويقول متخصصون إن الدستور المغربي حسم الجدل بالنص على ضمان الحق في حماية الحياة الخاصة للناس، غير أن الفضاء العام يظل مجالاً مشتركاً يجب مراقبته من قبل الأجهزة الأمنية بجميع الوسائل التكنولوجية، وعلى رأسها الكاميرات الذكية.
وعبرت جمعيات تنشط في مجال حماية المستهلك في المغرب عن مخاوفها من تداعيات التوسع اللافت وغير المسبوق لبث وزرع كاميرات المراقبة في كثير من الشوارع والفضاءات العامة بالمدن على الحياة الخاصة للمواطنين.
المرصد المغربي لحماية المستهلك أورد في هذا السياق أن 'النقاش الجاري في المغرب لا يتعلق بمدى الحاجة إلى كاميرات المراقبة لأن الحاجة إليها لا جدال حولها، لكن النقاش يتعلق بمدى ضمان عدم تحولها إلى وسيلة تمس جوهر الحياة الخاصة للمواطن'.
ويشرح المرصد أن 'الفضاءات الحساسة تشكل أعلى درجات الخطر، فالعيادات والمصحات تتطلب حماية صارمة للملفات الطبية، والوكالات البنكية ومكاتب المهن الحرة تحتاج إلى مراقبة دقيقة لضمان سرية المعطيات المالية والمهنية، بينما المؤسسات التعليمية تستدعي موافقة قانونية، فيما الإدارات العمومية والقاعات الرياضية تتطلب ضبطاً صارماً لحق المواطن في الخصوصية'.
وأدلت الحكومة المغربية بدلوها في هذا النقاش من خلال وزير العدل عبد اللطيف وهبي الذي أفاد، ضمن جواب كتابي له عن سؤال للبرلمانية فاطمة ياسين، بأن تحديات عملية تواجه الإطار القانوني لاستعمال كاميرات المراقبة، جراء تعدد المرجعيات القانونية التي تحكم التقاط الصور، سواء في الفضاء العام أو الخاص، علاوة على صعوبة التمييز بين التقاط وحفظ الصور وحماية الحياة الخاصة للأفراد.
ولم يخفِ وهبي خشيته من سوء استعمال كاميرات المراقبة في أمور تنتهك خصوصية الأفراد وحرياتهم الشخصية، مما يتعارض بصورة واضحة مع النصوص الدستورية والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب.
وينص الفصل 24 من الدستور المغربي على أنه 'لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة'، وأنه 'لا تنتهك حرمة المنزل، ولا يمكن القيام بأي تفتيش إلا وفق الشروط والإجراءات التي ينص عليها القانون، ولا تنتهك سرية الاتصالات الشخصية، كيفما كان نوعها، ولا يمكن الترخيص بالاطلاع على مضمونها أو نشرها، كلاً أو بعضاً، أو باستعمالها ضد أي كان، إلا بأمر قضائي'.
في السياق نفسه نص الفصل 447 من القانون الجنائي المغربي على أنه 'من قام عمداً وبأية وسيلة، بتثبيت أو تسجيل أو بث أو توزيع صور شخص أثناء وجوده في مكان خاص، ومن دون موافقته، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاثة أعوام وغرامة مالية'.
في هذا الصدد أفاد الباحث في الظاهرة السوسيولوجية محمد شقير بأنه جرى خلال الآونة الأخيرة تجهيز عدد من المدن بكاميرات مراقبة جرى تثبيتها في أهم الشوارع الرئيسة والساحات العمومية، وربطها مباشرة بقاعات القيادة والتنسيق التابعة لإدارات الأمن.
وتهدف هذه المنظومة، وفق تصريحه، إلى تتبع حركة السير ورصد المخالفات المرورية، فضلاً عن مراقبة بعض الجرائم التي قد تُرتكب في هذه الفضاءات، بخاصة عمليات السرقة أو الاعتداء التي ينفذها بعض المجرمين باستخدام الدراجات النارية، مما يسهل على فرق الشرطة الراكبة، المعروفة بـ'الصقور'، تعقب الجناة واعتقالهم.
ولفت شقير إلى أن اعتماد هذه الكاميرات أثار في المقابل مخاوف لدى بعض الجمعيات الحقوقية التي اعتبرت أن استعمالها قد يشكل انتهاكاً لبعض الحقوق الأساسية للمواطنين ويمس حرية حياتهم الخاصة، غير أنه شدد على أن 'ضمان الأمن والسلامة العامة يشكل الأساس الذي تقوم عليه حماية باقي الحقوق والحريات، معتبراً أنه 'لا يمكن الحديث عن حرية حقيقية في غياب الأمن والاستقرار'.
وأوضح أن استخدام الكاميرات في الفضاءات العمومية لا يمكن اعتباره انتهاكاً للحقوق الشخصية المرتبطة بسرية المراسلات أو بحرمة المسكن لأن الشارع العام يظل مجالاً مشتركاً تتولى الأجهزة الأمنية مسؤولية تنظيمه ومراقبته، بما يقتضيه ذلك من استعمال الوسائل التقنية الضرورية، بما فيها الكاميرات الذكية.
وأضاف شقير أن 'الاعتراض على هذه الوسيلة يطرح إشكالاً منطقياً، إذ إن الأمر نفسه يمكن أن ينسحب على استخدام الرادارات في الطرق السيارة أو الكاميرات في الملاعب، بل حتى كاميرات المراقبة التي تعتمدها البنوك والمحال التجارية لحماية ممتلكاتها وزبائنها'، معتبراً أن كثيراً من الدول الديمقراطية المتقدمة اعتمدت بدورها أنظمة الكاميرات الذكية، نظراً إلى ما توفره من وسائل فاعلة في مواجهة الجريمة التي أصبحت أكثر تنظيماً وتعقيداً، وتشكل تهديداً متزايداً لحياة الأفراد وأمنهم.
وختم شقير بالإشارة إلى أن 'هذه الكاميرات تسهم في كثير من الأحيان في الكشف عن الجرائم والتعرف إلى مرتكبيها، بفضل قدرتها على التقاط صور دقيقة حتى في ظروف الإضاءة الضعيفة، مما يسهل عملية تعقب المشتبه فيهم واعتقالهم'.
من جهته أبرز الباحث القانوني والمحامي رشيد وهابي أن 'موضوع استخدام كاميرات المراقبة يظل قضية معقدة لأنه يجمع بين ركيزتين أساسيتين في حياة المواطنين، هما الحق في الأمن من جهة، والحق في الخصوصية من جهة أخرى'، مشيراً إلى أن 'كلا الحقين يتمتع بالأهمية نفسها ولا يمكن تغليب أحدهما بصورة مطلقة على الآخر'.
واستطرد وهابي أن الكاميرات التي أصبحت تُثبت على أبواب المتاجر والمنازل والعمارات وفي الشوارع، أو داخل بعض الفضاءات الخاصة، تحولت إلى واحدة من أهم وسائل الإثبات الحديثة، نظراً إلى قدرتها على نقل الوقائع كما حدثت من دون تحيز أو تحريف'، مردفاً أن 'التسجيلات المصورة والصوتية غالباً ما تكون أكثر صدقية من شهادات الشهود التي قد تتأثر بالتحيز أو الخطأ، مما جعل بعضهم يصف كاميرات المراقبة بأنها 'أفضل العيون وأصدق الشهود'، ما دامت لم تتعرض للتلاعب أو التزييف.
وأوضح أن السلطات باتت، منذ ما يقارب عقدين، تعتمد بصورة متزايدة على تفريغ وتحليل الصور والتسجيلات التي تلتقطها الكاميرات عند التحقيق في الجرائم، بخاصة عندما تكون أماكن وقوعها مجهزة بأنظمة مراقبة. وأسهمت هذه الوسائل التقنية، وفق وهابي، في الكشف عن كثير من الجرائم وفك لغزها بسرعة، وساعدت أيضاً في تحديد هوية الجناة وتوضيح أدوار الأشخاص الذين يظهرون في مسرح الجريمة.
في المقابل، لفت وهابي إلى أن انتشار كاميرات المراقبة وتزايدها أثار انتقادات لدى مواطنين كثر يرون أن وجودها المكثف قد يمس خصوصيتهم ويجعلهم تحت مراقبة دائمة. ويؤكد هؤلاء أنهم يشعرون أحياناً بأنهم غير قادرين على التصرف بعفوية عندما يمرون أمام الكاميرات التي ترصد تحركاتهم.
وذهب المحامي بمدينة الجديدة إلى أن 'المحاكم تنظر أحياناً في نزاعات بين الجيران بسبب تركيب كاميرات المراقبة، فيشتكي بعضهم من أن جيرانهم يثبتون كاميرات موجهة نحو أبواب أو نوافذ منازلهم، معتبرين أن ذلك يشكل مساساً بخصوصيتهم في الدخول والخروج. وفي المقابل، يدافع صاحب الكاميرا عادة أمام المحكمة بأن الهدف من تركيبها هو حماية منزله من السرقة أو الاعتداء'.
وتابع وهابي أن 'القضاء يتحقق في مثل هذه الحالات من الغاية الحقيقية من تركيب الكاميرا، فإذا تبين أنها وضعت لأغراض أمنية مشروعة فقد يسمح بالإبقاء عليها، أما إذا ثبت عبر المعاينة أو الخبرة أنها تنتهك خصوصية الجيران، فقد تأمر المحكمة بإزالتها'.
وفي ما يتعلق بالإطار القانوني، أشار إلى أن التشريع المغربي لا يتضمن إلى حد الآن تنظيماً شاملاً لمسألة تركيب كاميرات المراقبة في الشوارع والمنازل وكيفية استعمال تسجيلاتها، كما هي الحال في بعض الدول، غير أنه توجد إشارة قانونية مرتبطة بعملية التصوير نفسها، إذ ينص القانون الجنائي على معاقبة كل من يقوم بأية وسيلة بما فيها الأنظمة المعلوماتية، ببث أو توزيع أقوال شخص أو صورته من دون موافقته، أو نشر ادعاءات أو وقائع كاذبة بقصد مسّ الحياة الخاصة أو التشهير بالأشخاص.
وأوضح وهابي أن 'هذا الفصل القانوني لا يجرم في حد ذاته وضع الكاميرات، وإنما يجرم استعمال الصور أو التسجيلات التي تلتقطها بطريقة تمس خصوصية الأفراد، بخاصة إذا بُثت أو وُزعت من دون إذن الشخص المعني، أو من دون طلب من السلطات الأمنية أو القضائية المختصة'.



































