اخبار المغرب
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٠ شباط ٢٠٢٦
انتقلت طريقته في مواجهة الكوارث من رد الفعل إلى اعتماد مقاربة استباقية مبنية على السرعة والوقاية
أبانت الفيضانات العارمة التي غمرت مناطق في شمال وغرب المغرب، خصوصاً السيول التي أغرقت مدينة القصر الكبير، عن تحول في طبيعة مواجهة المغرب للأزمات والكوارث الطبيعية، إذ انتقلت هذه المواجهة من رد الفعل إلى اعتماد مقاربة استباقية مبنية على السرعة والوقاية.
فبعد أن تكاثرت الانتقادات لإجراءات التصدي للفيضانات المفاجئة التي شهدتها مدينة آسفي في الـ15 من ديسمبر (كانون الأول) الماضي وأسفرت عن مصرع ما لا يقل عن 37 شخصاً، ارتفعت الإشادات بنجاح المغرب في مواجهة كارثة فيضانات مدينة القصر الكبير التي لا تزال تترقب مصير مياه الأمطار الطافحة التي ملأت سد وادي المخازن المحاذي للمدينة.
ويرى متخصصون أن المغرب تعلم من أخطاء تجارب الكوارث السابقة، مثل زلزال الحوز في 2023، وقبله جائحة كورونا، ليعتمد مجموعة من الآليات الاستباقية لمواجهة الكوارث الطبيعية.
وكشفت فيضانات مدينة آسفي، و'زلزال الحوز'، وحتى جائحة 'كوفيد 19'، وقبلها 'زلزال الحسيمة'، عن اختلالات في طريقة مواجهة المغرب للكوارث الطبيعية، بسبب قصور في أنظمة الإنذار المبكر، وضعف إدماج أخطار الفيضانات في تخطيط العمران، واهتراء شبكات الصرف الصحي.
وسبق للحكومة المغربية إصدار مذكرة تدبير الأخطار، ورد فيها أن المغرب عرف كوارث طبيعية من زلازل وفيضانات وسيول ناتجة عن أمطار غزيرة، وغزو الجراد، والتصحر، والجفاف، تسببت بخسائر فادحة في الأرواح البشرية وخسائر مادية مهمة وعجز اقتصادي وبيئي.
وأقرت المذكرة الحكومية عينها بأن فيضانات الأعوام الأخيرة، لا سيما الزلزال الذي تعرضت له مدينة الحسيمة في الـ24 من فبراير (شباط) 2004 أظهرت ضعفاً جوهرياً مرتبطاً بهشاشة النسيج الاجتماعي والاقتصادي، والبنيات التحية الأساسية، والنقص المؤسساتي والتقني والتنظيمي من أجل مواجهة هذه الكوارث'.
اختلفت هذه الصورة في فيضانات القصر الكبير على وجه الخصوص، إذ اتخذت السلطات المعنية قرارات صارمة تجلت في إجلاء آلاف السكان من منازلهم، وتدبير بديل لهم في ظرف زمني قصير بهدف حماية الأرواح من أخطار الفيضانات المدمرة.
وعرفت فيضانات القصر الكبير وغيرها من المناطق سرعة في اتخاذ القرارات، مع تدخل وحدات من الجيش للدعم اللوجيستي، وتوفير الخيام لإيواء المتضررين، وإقامة مستشفيات ميدانية، بينما تكفلت باقي الأجهزة المسؤولة بمهام تدبير إخلاء المناول وإجلاء السكان وحماية الأرواح وإنقاذ وإسعاف المواطنين.
وينهج المغرب الاستراتيجية الوطنية لتدبير أخطار الكوارث الطبيعية، بمعايير 'إطار سنداي' Sendai Framework للتقليل من أخطار الكوارث بحلول عام 2030، وهي خطة عمل دولية تروم الحد من أضرار وتداعيات الكوارث الطبيعية من خلال فهم واستيعاب الأخطار ودعم الحوكمة والاستثمار في الوقاية الاستباقية، ثم تطوير الأنظمة الرقمية للإنذار.
في هذا الصدد يقول الأستاذ بـجامعة مراكش ومدير مختبر الدراسات الدستورية وتحليل الأزمات إدريس لكريني، إن المغرب بحكم موقعه الجغرافي وتضاريسه يُعد بلداً معنياً بشكل كبير بالكوارث الطبيعية، بما في ذلك الزلازل والفيضانات وحرائق الغابات وانتشار الجراد، إضافة إلى المشاكل الناجمة عن ندرة أو وفرة المياه.
وأكد لكريني أن 'المغرب راكم تجربة مهمة في تدبير الكوارث الطبيعية على المستويات القانونية والمؤسساتية، من خلال المخططات الوطنية والتدابير الاستراتيجية'، مردفاً أن هذه التجربة شهدت تطوراً ملحوظاً خلال العقد الأخير، خصوصاً في ظل محطات قاسية مر بها المغرب، مثل زلزال الحوز عام 2023، وجائحة كورونا، والفيضانات الأخيرة.
وأورد أن المغرب اعتمد مجموعة من الآليات الاستباقية لمواجهة الكوارث، من بينها قانون الماء، وإحداث ما يُعرف بـ'الطريق السيار للمياه'، وهو مشروع استراتيجي يسعى لتحقيق نوع من العدالة الاجتماعية عبر توزيع المياه بين المناطق الشمالية التي تعرف بها وفرة، والمناطق الجنوبية التي تعاني ندرة الموارد المائية، إضافة إلى الحد من أخطار الفيضانات عبر توجيه مجاري الأنهار نحو البحر. مشيراً إلى أن المشروع لا يزال في بداياته، ولكنه يمثل خطوة مهمة نحو التخطيط الاستراتيجي المستدام.
وشدد لكريني على أن المحطات والأحداث القاسية التي مر بها المغرب أسهمت في الانتقال من نموذج التدبير المبني على رد الفعل إلى نموذج التدبير الاستراتيجي الاستباقي. موضحاً أن ذلك تجلى بوضوح في الفيضانات الأخيرة شمال البلاد، وبخاصة فيضانات القصر الكبير، إذ اعتمدت السلطات قرارات صارمة تضمنت الإخلاء والإجلاء، مع مراعاة سلامة الأرواح.
وتابع المتحدث أن هذه القرارات لم تكن سهلة، ولكنها نفذت بسرعة وكفاءة بفضل تعبئة الإمكانات وتدخل مختلف الفاعلين من الجيش والدرك الملكي والأمن الوطني إلى الوقاية المدنية والفاعلين الترابيين والحكوميين.
وخلص لكريني إلى أن هذا النموذج يعكس مقاربة شمولية واستباقية لتدبير الكوارث، التي على رغم استحالة تفاديها بالكامل، يمكن من خلالها الحد من الخسائر، وبخاصة خسائر الأرواح، عبر التخطيط المسبق والتنسيق بين مختلف الجهات المعنية.
من جهته أكد المتخصص في المناخ وتدبير الكوارث علي شرود، أن إدارة الكوارث الطبيعية بصفة عامة تستوجب التركيز على ثلاث مراحل رئيسة: ما قبل الكارثة، وأثناءها، وما بعدها. موضحاً أن مرحلة ما قبل وقوع الكارثة، سواء كانت فيضانات أو زلازل أو براكين أو حرائق غابات، تُعد الأكثر أهمية وحساسية، كونها تتطلب توفر دراسات وخرائط دقيقة ونظام معلومات جغرافي متكامل حول الأخطار الكبرى. مشيراً إلى أن الكوارث الطبيعية تنقسم إلى نوعين: موسمية مثل الفيضانات المرتبطة بموسم الأمطار أو الفيضانات المفاجئة في الصيف، وغير موسمية مثل الزلازل والبراكين التي يصعب التنبؤ بها بدقة.
وأورد شرود أنه خلال الفيضانات التي ضربت القصر الكبير وعدداً من أقاليم المملكة، تمت ملاحظة وجود إدارة استباقية للكارثة من خلال الرصد اليومي لمخرجات مديرية الأرصاد الجوية. لكنه شدد على أن ما كان ناقصاً هو إحداث برامج توعوية وصلات إعلامية للمواطنين، باعتبار أن الأمر يتعلق بحياة البشر وسلامتهم.
وفي ما يخص مرحلة أثناء الكارثة، أكد شرود أن الأمر يتطلب توفير الدعم الكامل للمتضررين، مشيراً إلى المبادرة الخاصة بإحداث منصة كبرى للاحتياطات الأولية في جهة الرباط– سلا، التي تحوي خياماً وأغطية وأسرة وأدوية ومواد غذائية، بهدف مواجهة جميع الكوارث بشكل فوري. وشدد على الحاجة إلى تعميم هذه المبادرة على باقي أرجاء البلاد لضمان استجابة فعالة ومتناسقة.
واعتبر المتحدث أن السلطات المغربية، خلال الفيضانات الحالية، أبانت عن جهد مقدّر في إدارة الحشود البشرية وحمايتها من الفواجع، موضحاً أن عدم تسجيل أية خسائر بشرية في فيضانات القصر الكبير يعد دليلاً على كفاءة التدخل، من دون إغفال المسؤولية الفردية للمواطن في إنجاح هذه المرحلة بأقل الأضرار الممكنة.
وزاد شرود بأن مرحلة ما بعد وقوع الكارثة ضرورية أيضاً، إذ تتيح فرصة لإدارة آثار الكارثة، ورصد النقاط الهشة في البنيات التحتية والمناطق المهددة بالفيضانات، وتشكل مناسبة لإنجاز مشاريع ودراسات خرائطية تستشرف المستقبل بهدف تفادي الكوارث أو مواجهتها بجاهزية كاملة.



































