اخبار ليبيا
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٨ شباط ٢٠٢٦
معدل غير العاملين يتجاوز 50% مسجلاً موقعاً متقدماً في المنطقة
في ليبيا، البلد الغني بالنفط والثروات، المتربع على موقع استراتيجي يحده شريط ساحلي هو الأطول بين الدولة المطلة على البحر المتوسط، وبعد عقد ونصف العقد على ثورة شعبية، كان على رأس أهدافها تحسين الوضع المعيشي لشعب فقير في دولة ثرية، تتفاقم كل يوم الأزمة الاقتصادية ويضيق العيش على سكانها، ويفر شبابها إلى كل حدب للبحث عن فرص أفضل وحياة أكرم.
في ظل هذه الظروف لم يعد الحديث عن المستقبل بالنسبة إلى الشباب الليبي يبدأ بسؤال 'ماذا ستفعل غداً؟'، بل بسؤال أكثر قساوة 'هل ستبقى أم سترحل؟'، وهكذا بات حال جيل كامل ترعرع على تخوم التحولات الكبرى، وكبر على وقع الحروب والانقسام السياسي، وتخرج في الجامعات ليواجه أبواب عمل موصدة، شباب يحملون شهادات عليا وأحلاماً مؤجلة وأعيناً شاخصة نحو الأفق، حيث يبدو مجهول البحر أحياناً أكثر أماناً من الواقع البين على البر.
على أعتاب العقد الثالث من عمره يقف الشاب عبدالرحمن الزعلوك أحد سكان مدينة بنغازي، في قائمة الباحثين عن عمل وبصيص أمل في واقع مرير تزداد كل يوم عقده وتعقيده، على وقع أخبار انهيار قيمة الدينار الليبي إلى مستويات تاريخية، إذ بلغ سعره 10 دنانير مقابل الدولار الواحد للمرة الأولى في تاريخه، رافعاً سقف أسعار كل شيء، وخافضاً سقف أماني الشباب إلى الحضيض.
قال عبدالرحمن إنه يقضي معظم أيامه في أحد مقاهي مدينة بنغازي، بعدما جرب أكثر من عمل خاص، بعضها لا يتناسب مع مؤهله العلمي، إذ يحمل شهادة في الهندسة الكهربائية حصل عليها قبل سبعة أعوام مضت، وأضاف 'قدمت في كل جهة رسمية تقريباً ولا رد، فلكي تحصل على وظيفة مناسبة تحتاج إلى واسطة كبيرة أو ترضى بوظيفة راتبها لا يكفي أسبوعاً لشاب أعزب، فما بالك إذا أردت أن تؤسس به أسرة وبيتاً'.
الزعلوك أشار إلى أن 'الفرص ليست مستحيلة ولكنها تحتاج إلى أشياء أخرى غير المؤهل العلمي الجيد، فالوظائف موجودة لكن لمن يعرف بمن يتصل، ونحن جيل لا نبحث عن الثراء مثل بقية الشباب في الدول النفطية المحيطة بنا، فقط نريد عملاً يحفظ كرامتنا، ويمنحنا بداية الطريق للمستقبل الأفضل'.
في السياق تظهر بيانات صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) أن معدل البطالة بين الشباب الليبي (15–24 سنة) يتجاوز 50 في المئة، وهي نسبة تعد من الأعلى في المنطقة.
هذه التقارير تلفت الانتباه إلى أن الرقم، على فداحته، لا يروي القصة كاملة، ففي بلد يعتمد بصورة شبه كلية على عائدات النفط، ظل القطاع العام عقوداً هو المشغل الأكبر، ومع تضخم الجهاز الإداري باتت الوظيفة الحكومية حلماً جماعياً، ليس حباً في العمل العام، بل بحثاً عن دخل ثابت، إلا أن الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار والإنفاق الموازي، كلها عوامل أضعفت قدرة الدولة على خلق وظائف حقيقية منتجة.
وتؤكد التقارير ذاتها أن المشكلة ليست فقط في قلة الوظائف، بل في طبيعتها، فجزء كبير من الشباب العاملين يعملون في وظائف غير رسمية موقتة أو منخفضة الأجر، في خضم سوق خاصة هشة واستثمار محدود وقوانين متغيرة وبيئة مصرفية معقدة.
المتخصص في الشأن الاقتصادي علي جمعة يشرح لـ'اندبندنت عربية' الأسباب التي أدت إلى تفاقم أزمة ومعدلات البطالة إلى مستويات مرعبة، قائلاً إن 'رواد الأعمال الشباب يواجهون صعوبة الحصول على تمويل مصرفي وتعقيدات في تسجيل الشركات وضعف حماية الملكية الفكرية وانقطاع الكهرباء والإنترنت في ظل سوق استهلاكية محدودة القوة الشرائية'، وأوضح أن 'الاقتصاد الريعي الذي يعتمد على الإنفاق الحكومي لا يشجع المخاطرة الاستثمارية، ومع غياب رؤية اقتصادية موحدة بين الحكومتين المتنافستين تبقى المبادرات متناثرة وغير قادرة على التحول إلى سياسة وطنية شاملة'.
في ظل هذه البيئة المحبطة وغير المحفزة للشباب للانتظام في سوق العمل وتكوين مشاريع خاصة، يرى جمعة أن الحلول ممكنة لمواجهة ظاهرة البطالة لكن ليست بزيادة تكديس الخريجين في الوظائف العامة، بل بتشجيع ريادة الأعمال التي قد تكون أحد المفاتيح الأساسية لامتصاص بطالة الشباب.
لكنه ينبه في الوقت نفسه إلى أن مشروعاً مثل هذا يحتاج إلى سن قوانين تمهد البيئة لنجاح المشاريع الشبابية، تبدأ بإصلاح النظام المصرفي وتقديم حوافز ضريبية للمشاريع الصغرى والمتوسطة.
من جهته، شدد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي إسماعيل الفلاح على أنه لا يمكن فهم أزمة الشباب بمعزل عن السياق السياسي والانقسام الحكومي وتعدد مراكز القرار والصراع على الموارد، فكلها عوامل تجعل الإصلاح الاقتصادي رهينة التوازنات السياسية، وتابع 'الشباب الليبي لم يعرف مرحلة استقرار طويلة منذ أكثر من عقد حيث نشأوا في بيئة صراع وشهد تراجع قيمة العملة وانقطاعات الكهرباء وتضخم الأسعار، وهذا التراكم خلق شعوراً عاماً بأن المستقبل ضبابي'.
هذه الظروف الطاحنة، بحسب الفلاح، رهنت مستقبل الشباب الليبي اليوم لثلاثة مسارات رئيسة، الأول انتظار الوظيفة الحكومية وهو مسار تقليدي يوفر دخلاً ثابتاً، لكنه بطيء ومحدود ويخضع أحياناً للمحسوبية، والثاني الهجرة غير النظامية وعلى رغم أنه خيار محفوف بالأخطار، فإنه يبدو لبعضهم أسرع طريق لكسر الحلقة المغلقة، والأخير العمل الحر وهو طريق صعب يتطلب بيئة داعمة لم تتوفر بعد.
أما الباحثة الاجتماعية حنان الترهوني فتشير إلى أبعاد أخرى اجتماعية ونفسية لأزمة البطالة تراها أكثر خطورة 'المشكلة هنا لا تكمن فقط في الهجرة أو البطالة، بل في تآكل الانتماء، فحين يشعر الجيل أن الوطن لا يوفر له فرصة عادلة تتراجع ثقته في مؤسساته، فالأزمة ليست اقتصادية فحسب، بل نفسية أيضاً لجيل نشأ في ظل الانقسام السياسي والانفلات الأمني يشعر أن مستقبله مرهون بصراعات لا يملك قرارها'.
وأكدت أن أزمة البطالة خطرة ويمكن أن تؤثر في الاستقرار الاجتماعي والسياسي، بقولها 'ما يزيد الأزمة تعقيداً هو أن البطالة لا تؤثر فقط في الاقتصاد، بل تمتد إلى العلاقة بين الشباب والمجتمع، فكثير من الشباب يعبرون عن إحباطهم من غياب الحلول المؤسسية، وقد تكرر على منصات التواصل وصف الحياة اليومية بأنها غير قابلة للتحمل في ظل البطالة وارتفاع الأسعار وقلة الخدمات'.
وأشارت إلى أن من تبعات هذا الإحباط والضغط المعيشي تزايد الغضب الشعبي تجاه وجود المهاجرين غير الشرعيين مثلاً، إذ يرتبط هذا الملف، في نظر بعض المواطنين، بصورة مباشرة بالضغوط على الخدمات وفرص العمل، على رغم أن الصورة الحقيقية لهذا الملف أكثر تعقيداً من هذا الربط المباشر.
وختمت الترهوني بالمطالبة بالتحرك بسرعة لتحويل الطاقات الشبابية المعطلة من قنابل موقوتة قابلة للانفجار إلى نواة مستقبل تنموي مزدهر، إذ يملك هذا الجيل ثقافة رقمية ومعرفية غير مسبوقة، فهو يتقن التعامل مع التكنولوجيا ويتابع العالم ويرى نماذج نجاح في دول كانت قبل أعوام تعاني ظروفاً مشابهة، فهل تستطيع الدولة الليبية تحويل هذا الجيل من رقم في إحصاء البطالة إلى شريك في إعادة بناء الاقتصاد؟



























