اخبار العراق
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
لا يتعلق الأمر لبغداد بسوق جديدة فحسب بل بفرصة لإعادة إدخال مورد معدني ضخم إلى الدورة الاقتصادية بعد أعوام من تراجع إنتاجه
في جنوب الموصل، لا تبدو الأرض مختلفة كثيراً عن المناطق المحيطة بها، لكن تحتها تختزن حقول المشراق واحدة من أبرز ثروات الكبريت في العالم. ثروة كبيرة ظلت لأعوام أسيرة الحروب وتضرر المنشآت وتراجع الإنتاج، قبل أن تعود اليوم إلى واجهة الاهتمام الاقتصادي العراقي من بوابة المغرب.
فخلال محادثات على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحث وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين مع نظيره المغربي ناصر بوريطة إمكانية تصدير الكبريت العراقي إلى المملكة، إلى جانب تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين بغداد والرباط.
تحرك يأتي في توقيت حساس بالنسبة إلى حركة التجارة في المنطقة، مع اضطرابات الملاحة وارتفاع الأخطار المرتبطة بمسارات الشحن، خصوصاً في محيط مضيق هرمز، وهو ما يدفع الأسواق والمشترين إلى إعادة حساب مصادر التوريد وكلفة النقل والتأمين.
بالنسبة إلى العراق، لا يتعلق الأمر بسوق جديدة فحسب، بل بفرصة لإعادة إدخال مورد معدني ضخم إلى الدورة الاقتصادية، بعد أعوام من تراجع إنتاجه. وفي المقابل، يضع التحرك ملفاً آخر على الطاولة يتعلق بكيفية استثمار هذه الثروة: تصدير الكبريت خاماً أم استخدامه قاعدة لصناعات تحويلية يمكن أن تضيف قيمة أكبر للاقتصاد المحلي؟
بدأت صناعة الكبريت في العراق خلال عام 1971 مع تأسيس شركة كبريت المشراق في محافظة نينوى، وتحولت المنطقة إلى مركز مهم لإنتاج المادة وتسويقها، قبل أن تتعرض المنشآت والبنية التحتية إلى أضرار متراكمة نتيجة الحروب والاضطرابات الأمنية.
وبعد عام 2003، تراجعت القدرة الإنتاجية للقطاع، ثم تعرضت منشآت المشراق إلى أضرار وسرقات وتخريب خلال سيطرة تنظيم 'داعش' على أجزاء من محافظة نينوى عام 2014. وكانت النتيجة فجوة واضحة بين حجم الثروة الموجودة في الأرض وما يستطيع العراق إنتاجه وتسويقه فعلياً.
وتتركز الاحتياطات الكبرى في حقول المشراق الثلاثة، حيث تقدر بنحو 354 مليون طن، وفق تقديرات عراقية سابقة، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن إجمال احتياطات بلاد الرافدين من الكبريت يصل إلى مئات ملايين الأطنان.
هذه الأرقام تضع العراق ضمن الدول ذات الثقل في سوق الكبريت، لكن الاحتياط لا يتحول تلقائياً إلى إيرادات، فالمعادلة تحتاج إلى إنتاج مستقر، واستثمارات في المنشآت، وشبكة نقل، وقدرات تخزين وشحن، وعقود تصدير قادرة على الاستمرار.
وتتزامن المحادثات بين العراق والمغرب مع اضطرابات الملاحة في المنطقة، التي ألقت بظلالها على التجارة الدولية، حيث يعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وأي اضطراب في حركته يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتأخير الإمدادات، فضلاً عن دفع الشركات إلى البحث عن مصادر بديلة أو إعادة توزيع الأخطار على طرق التجارة.
وتزداد أهمية هذه التطورات بالنسبة إلى العراق الذي يمتلك احتياطات كبيرة من الكبريت، لكنه يحتاج إلى تطوير قدرته على تحويلها إلى إنتاج تجاري منتظم. ففي الأسواق العالمية، لا يكفي امتلاك المادة الخام، إذ إن المشتري يحتاج إلى مواصفات ثابتة وكميات محددة ومواعيد تسليم واضحة وأسعار منافسة ومسار شحن يمكن الاعتماد عليه.
ومن هنا، يمكن لتوافر الإمدادات في المنطقة أن يمنح فرصة للمنتجين القادرين على الاستثمار، لكن هذه الفرصة تحتاج إلى جاهزية عراقية على مستوى الإنتاج والتسويق واللوجيستيات.
تكتسب السوق المغربية أهمية خاصة بسبب طبيعة اقتصادها الصناعي والزراعي، فالكبريت يدخل في إنتاج الأسمدة وحمض الكبريتيك وعدد من الصناعات الكيماوية، فيما يمثل قطاع الأسمدة أحد القطاعات الصناعية المهمة في المملكة.
ولعل هذا ما يمنح العلاقة التجارية المحتملة بين البلدين أساساً يتجاوز بيع شحنة من الكبريت، فاستمرار الطلب الصناعي يمكن أن يوفر للعراق سوقاً مستقرة نسبياً، بينما يمكن للمغرب الاستفادة من مصدر جديد للمادة الخام.
وفي حال تطورت المحادثات إلى اتفاقات طويلة الأجل، فيمكن أن تفتح الباب أمام تعاون أوسع في الصناعات المرتبطة بالكبريت، بما في ذلك الاستثمار والتصنيع ونقل التكنولوجيا.
وهذه النقطة قد تكون الأهم بالنسبة إلى بغداد، لأن تصدير الكبريت الخام يمنحها إيراداً من المادة، بينما يمكن للتصنيع أن يوسع دائرة المستفيدين لتشمل الشركات والمصانع والعمال وسلاسل النقل والخدمات.
لم تكن عودة الكبريت العراقي إلى الأسواق الخارجية أمراً نظرياً. ففي عام 2022 صدر العراق شحنة من الكبريت إلى الهند بلغت نحو 4540 طناً، بقيمة قاربت 730 ألف دولار، في خطوة عكست إمكانية استعادة المنتج العراقي موقعاً في الأسواق الخارجية بعد أعوام من التراجع.
لكن الشحنة الواحدة لا تكفي لبناء صناعة تصديرية، فالقطاع يحتاج إلى انتظام في الإنتاج وقدرة على الوفاء بالعقود، وهو ما يرتبط مباشرة بإعادة تأهيل المنشآت وتطوير خطوط الإنتاج ووسائل التخزين والنقل.
ويحتاج العراق إلى بناء شبكة تسويق خارجية تتيح له الوصول إلى أكثر من سوق، بدلاً من الاعتماد على مشترٍ واحد أو عدد محدود من العقود. وهنا يمكن أن تمثل المحادثات مع المغرب جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة وضع الكبريت العراقي على خريطة التجارة الدولية.
في الداخل العراقي، لا يقتصر النقاش على تصدير الكبريت، فقد دعت النائبة عن كتلة النهج الوطني ضحى السدخان إلى الإسراع بتنظيم ملف استخراج وتصدير الكبريت، مؤكدة أهمية وضع أطر واضحة لاستثمار الثروة المعدنية وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد.
وترى السدخان أن فتح منافذ لتصدير الكبريت، ومنها المحادثات مع المغرب، يمكن أن يسهم في تحريك قطاع الاستخراج وتنويع مصادر الدخل غير النفطية، لكنها تشدد على ضرورة ألا يقتصر الأمر على تصدير المادة الخام.
وتدعو إلى إعادة تشغيل وتطوير المجمعات الصناعية وتحويل جزء من الكبريت إلى صناعات وأسمدة داخل العراق، بالتوازي مع العقود التصديرية.
وتتصل هذه الرؤية بمشكلة أوسع في الاقتصاد العراقي، حيث تشكل صادرات المواد الأولية جزءاً مهماً من النشاط الاقتصادي، بينما تبقى الصناعات التحويلية أقل تطوراً من الإمكانات المتاحة للبلاد.
اقتصادياً، تكمن أهمية الكبريت في قدرته على الارتباط بسلسلة صناعية واسعة، فالمادة تدخل في إنتاج الأسمدة، وحمض الكبريتيك، والصناعات الكيماوية، وبعض الصناعات المرتبطة بالمطاط والورق وغيرها.
ويعني ذلك أن الاستثمار في الكبريت لا يتوقف عند استخراج المادة وبيعها، بل يمكن أن يمتد إلى إنشاء صناعات تستخدمها كمدخل إنتاج. وتوفير هذه الصناعات داخل العراق يمكن أن يقلل الحاجة إلى استيراد بعض المنتجات، ويخلق وظائف، ويوسع قاعدة الشركات المحلية المرتبطة بالإنتاج والنقل والصيانة والخدمات.
لكن هذا المسار يحتاج إلى استثمارات كبيرة وتكنولوجيا وأسواق، فضلاً عن سياسات واضحة تمنح المستثمرين رؤية طويلة الأجل، لذلك يمكن أن يسير التصدير والتصنيع بالتوازي، عبر بيع جزء من الإنتاج للأسواق الخارجية لتوفير الإيرادات والسيولة، وتخصيص جزء آخر للصناعات المحلية بهدف زيادة القيمة المضافة.
ولا ترتبط إعادة تشغيل قطاع الكبريت بالاقتصاد وحده، فعمليات استخراج ومعالجة الكبريت يمكن أن تنتج عنها انبعاثات من ثاني أكسيد الكبريت، فضلاً عن أخطار تتعلق بتلوث الهواء والمياه إذا لم تدر العمليات وفق ضوابط بيئية صارمة.
وتفرض هذه الأخطار على أي خطة لتوسيع الإنتاج أن تتضمن أنظمة للسيطرة على الانبعاثات ومعالجة المخلفات ومراقبة المياه والهواء في المناطق المحيطة بالحقول والمنشآت. كما يمثل النقل والشحن جانباً حساساً، خصوصاً مع طبيعة المادة ومتطلبات السلامة أثناء التخزين والمناولة.
وكانت النائبة السدخان قد دعت إلى حسم الملفات اللوجستية وتأمين السلامة البيئية في عمليات النقل والشحن، بما يحمي المناطق المحيطة بالحقول والموانئ ويقلل احتمالات تعطيل عمليات التصدير.
في هذا السياق، يكشف الباحث الاقتصادي محمد الشمري أن التحرك نحو المغرب يضع العراق أمام فرصة لإعادة بناء قطاع الكبريت على أسس مختلفة عن المرحلة السابقة.
وبحسب الشمري، فالهدف لا يقتصر على إعادة الإنتاج إلى مستويات أعلى، بل يتطلب إنشاء منظومة تبدأ من استخراج المادة في المشراق، مروراً بالتخزين والنقل والتسويق، وصولاً إلى التصدير والتصنيع المحلي، كما أن تنويع الأسواق سيكون عاملاً حاسماً في تقليل أخطار الاعتماد على سوق واحدة.
ويتابع، 'يمكن للعراق إذا نجح في استعادة إنتاج مستقر، أن يبحث عن أسواق في آسيا وأفريقيا والمنطقة العربية، إلى جانب المغرب، مستفيداً من الطلب المرتبط بالأسمدة والصناعات الكيماوية'. لكن ذلك يتطلب بيانات دقيقة حول حجم الإنتاج القابل للتصدير، وكلفة الاستخراج، والأسعار العالمية، وقدرة المنشآت الحالية، وكلفة النقل إلى الأسواق المستهدفة.
إلى ذلك، كشف أستاذ الاقتصاد الدولي علي الكعبي أن المحادثات العراقية - المغربية تعيد الكبريت إلى واجهة السياسة الاقتصادية بعد أعوام من التراجع، لكنها في الوقت ذاته تفتح ملفاً أكبر يتعلق بموقع الثروة المعدنية في الاقتصاد العراقي.
وذكر أن المغرب يمكن أن يشكل سوقاً للكبريت العراقي، وربما مدخلاً لعلاقات صناعية وتجارية أوسع، أما بالنسبة إلى بغداد فإن الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب معالجة الاختناقات التي أبقت جزءاً كبيراً من احتياطاتها بعيداً من الأسواق.
وتابع، 'يمنح اضطراب حركة التجارة في المنطقة ظرفاً استثنائياً لإعادة اختبار قدرة العراق على دخول أسواق جديدة، لكن نجاح الخطوة سيعتمد على عوامل داخلية: إعادة تأهيل المشراق، انتظام الإنتاج، تطوير النقل والتخزين، تأمين المعايير البيئية، وبناء سياسة تصديرية لا تنفصل عن استراتيجية التصنيع'.
في المشراق، لا تكمن قيمة الكبريت في الكميات المدفونة تحت الأرض فقط، بل في قدرة العراق على تحويلها إلى إنتاج وصناعة وتجارة. وإذا نجحت بغداد في ربط السوق الخارجية بالصناعة المحلية، فقد يتحول الكبريت من مورد معدني متعثر إلى أحد المسارات التي تسهم في تنويع الاقتصاد العراقي، خصوصاً في بلد لا يزال يعتمد بصورة كبيرة على النفط في تمويل إيراداته.






































