اخبار العراق
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
رأت مؤشرات على تراجع قوة صدام لكنها كانت تواجه في الوقت نفسه ضغوطاً أمنية واقتصادية من الجوار
كشفت وثيقة بريطانية تعود لخريف عام 1993 عن مشهد معقد في شمال العراق، حيث كانت القيادة الكردية تتحرك بين ثلاثة أخطار ومصالح متعارضة: نظام صدام حسين الذي بدأت تظهر عليه مؤشرات الضعف، من دون أن يفقد قدرته على البقاء، وإيران التي وصفها مسعود بارزاني بأنها 'لا تقل خطراً عن العراق'، مع تصاعد قصفها للمناطق الحدودية، وتركيا التي كانت، على رغم خلافاتها مع الأكراد، توسع تعاونها الأمني والاقتصادي مع الإدارة الناشئة شمال العراق.
البرقية التي أعدها دبلوماسي بريطاني عقب لقاءات مع قيادات كردية بارزة، في مقدمها بارزاني وجلال طالباني خلال زيارة لشمال العراق بين السادس والـ 14 من سبتمبر (أيلول) 1993، كشفت عن أن أنقرة قدمت مساعدات بقيمة 13.5 مليون دولار، وكانت تنسق أمنياً مع القيادة الكردية، في وقت كانت الأخيرة تطلب من التحالف الدولي موقفاً أكثر حزماً تجاه القصف الإيراني.
وفي المقابل، كان طالباني يتحدث عن تزايد الاضطرابات داخل العراق واقتراب ضعف نظام صدام، بينما حذّر بارزاني من التقليل من قدرة الرئيس العراقي على الصمود، بفضل ولاء الحرس الجمهوري وأجهزة الأمن، وخلال تلك الفترة، كان بارزاني زعيم الحزب 'الديمقراطي الكردستاني'، وطالباني زعيم 'الاتحاد الوطني الكردستاني'، وهما القوتان الرئيستان اللتان تقاسمتا إدارة المنطقة الكردية الناشئة في شمال العراق، بعد انتخابات 1992.
تنقل البرقية التي جرى الإفراج عنها في وقت سابق من الشهر الماضي، ضمن ملف أرشيفي بريطاني بعنوان 'سياسة إيران' يغطي الفترة من عام 1993 إلى عام 1995، تفاصيل المحادثات التي أجراها المسؤول البريطاني مع القيادات الكردية شمال العراق، وتكشف عن أن القلق من إيران احتل مساحة بارزة في تلك المحادثات، فقد وصف بارزاني إيران بأنها 'لا تقل خطراً عن العراق'، واتهمها بمعارضة التجربة السياسية الكردية في شمال العراق، والسعي إلى نشر أفكارها الإسلامية هناك، فيما تحدث عن تصاعد كبير في القصف الإيراني للمناطق الحدودية، وسقوط ضحايا وتضرر المحاصيل.
وأظهرت الوثيقة أن العلاقة مع تركيا كانت أكثر تعقيداً، فعلى رغم الخلاف حول حزب 'العمال الكردستاني'، أكد بارزاني أن العلاقة مع أنقرة ظلت جيدة، وكشفت البرقية عن اتصالات أمنية مباشرة ومساعدات تركية، ورأى بارزاني في طريقة التعامل معها مؤشراً إلى استعداد تركيا للتعامل مع الإدارة الكردية لفترة أطول.
لكن الجزء الأكثر حساسية في الوثيقة يتعلق بتقديرات مستقبل نظام صدام حسين، فقد تحدث طالباني عن اضطرابات متزايدة في مناطق عراقية خاضعة لسيطرة بغداد، ورأى أن موقع صدام يزداد ضعفاً، وفي الوقت نفسه أبدى بارزاني قدراً أكبر من الحذر، محذراً من التقليل من قدرة الرئيس العراقي على البقاء، ومشيراً إلى احتفاظه بولاء قطاعات مهمة من الحرس الجمهوري وأجهزة الأمن.
وذكرت البرقية البريطانية أن طالباني أكد أن العلاقات مع تركيا ظلت جيدة، على رغم الصعوبات المتعلقة بحزب العمال الكردستاني، ووفق ما نقلته الوثيقة عنه، فقد حاولت أنقرة استخدام المساعدات المقدمة إلى شمال العراق للضغط على الجانب الكردي في شأن موقفه من العقوبات المفروضة على العراق، لكن ذلك لم يحقق النتيجة المرجوة، وأضاف طالباني أن تركيا لم تكن بحاجة إلى ممارسة هذا النوع من الضغط.
جاء ذلك في ظل نظام العقوبات الدولية المفروض على العراق، بعد غزو الكويت عام 1990، والذي وضع أنقرة والقيادة الكردية في شمال العراق أمام مصالح متباينة، بين الحفاظ على العلاقات الاقتصادية والإنسانية مع المنطقة الكردية، والالتزام بالقيود المفروضة على بغداد.
وأوضح طالباني أن 'العدو الوحيد' الذي كانت تركيا وإدارة شمال العراق تتقاسمانه خلال تلك المرحلة، هو حزب 'العمال الكردستاني'، مما جعل التعاون بين الطرفين في مصلحتهما، لكن طالباني، بحسب الوثيقة، لم يقدم هذا التعاون بوصفه مقدمة لاتحاد سياسي دائم مع تركيا، بل قالت البرقية إنه رأى أن الأتراك لا يرغبون في رؤية تقسيم العراق، وأنهم مستعدون في الوقت نفسه للعمل مع الإدارة العراقية - الكردية القائمة في الشمال، وهذه النقطة تكشف طبيعة المعادلة التي كانت تتحرك في إطارها القوى الكردية آنذاك: تعاون عملي وأمني واقتصادي مع تركيا، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اتفاقاً حول المستقبل النهائي للعراق.
وتحدثت الوثيقة عن رؤية مماثلة لدى بارزاني، الذي أكد أن العلاقة مع تركيا ظلت جيدة على رغم 'المهيجات' أو نقاط الاحتكاك القائمة بين الجانبين، وكشفت البرقية عن أن بارزاني التقى قائد قوات الدرك التركية مرتين، فيما زار جلال طالباني في سبتمبر مدينة ديار بكر، ومدينة أخرى لم يتضح اسمها بصورة كاملة في النسخة المصورة، وذلك للحصول على تطمينات تتعلق بالتزام الإدارة الكردية تجاه مذكرة تفاهم في شأن أمن الحدود، وتقول الوثيقة إن المحادثات بين الطرفين كانت تسير بصورة عملية، إلى درجة الاتفاق على تشكيل لجنة فنية للتحقيق في شكاوى الجانبين.
وتشير هذه التفاصيل إلى أن العلاقة بين القوى الكردية وأنقرة لم تكن مقتصرة على قنوات سياسية عامة، بل امتدت إلى ترتيبات أمنية ميدانية مرتبطة بالحدود وبحزب العمال الكردستاني.
وتكشف الوثيقة أيضاً عن جانب اقتصادي مهم في هذه العلاقة، إذ نقلت عن بارزاني أن وفداً تركياً كان يزور شمال العراق برئاسة مسؤول تركي، من أجل تحديد أفضل طريقة لتوزيع حزمة مساعدات تبلغ قيمتها 13.5 مليون دولار، كانت حكومة تانسو تشيلر قد وافقت عليها حديثاً.
ولفت بارزاني بصورة خاصة إلى أن الوفد التركي أكد أن المساعدات المقررة تغطي عاماً واحداً فقط، من الـ 20 من سبتمبر 1993 إلى الـ 19 من سبتمبر 1994، واستخلص بارزاني من ذلك أن مساعدات أخرى يمكن أن تأتي في الأعوام التالية، ورأى الأمر مؤشراً إلى أن تركيا ملتزمة بعلاقة طويلة الأجل مع الإدارة العراقية - الكردية، وبذلك لم تكن المساعدات، في نظر القيادة الكردية، مجرد استجابة موقتة لأزمة إنسانية، وإنما كانت تُقرأ أيضاً بوصفها إشارة سياسية إلى أن أنقرة بدأت تتعامل مع واقع الإدارة الكردية في شمال العراق، باعتباره وضعاً قد يستمر.
عندما انتقلت المحادثات إلى إيران، تغيرت نبرة بارزاني بصورة واضحة، فقد نقلت الوثيقة عنه قوله إن إيران 'لا تقل خطراً عن العراق'، وهي عبارة تكشف مستوى القلق الذي كانت القيادة الكردية تنظر به إلى التحركات الإيرانية على حدود شمال العراق في تلك الفترة، وقالت البرقية إن بارزاني رأى أن الإيرانيين يعارضون بصورة حاسمة ما وصفه بـ 'التجربة الديمقراطية العراقية - الكردية'، وأنهم يهدفون إلى جلب 'نوعهم من الديمقراطية الإسلامية' إلى العراق.
ولا تتبنى الوثيقة البريطانية هذه الاتهامات باعتبارها حقائق مستقلة، وإنما تسجلها بوضوح بوصفها تقييمات ومواقف عبّر عنها بارزاني خلال المحادثات، وبحسب الرواية المنقولة عنه، كانت إيران تعتقد أن الولايات المتحدة تستخدم شمال العراق قاعدة لنشر أفكار معادية للدول الإسلامية، وهو ما ربطه بارزاني بالتصعيد الذي شهدته المناطق الحدودية.
وكشفت الوثيقة أن بارزاني اشتكى من زيادة كبيرة في القصف الإيراني للمناطق الحدودية، وقال إن هذه الهجمات تسببت في سقوط عدد كبير من الضحايا، وألحقت أضراراً بجزء كبير من المحاصيل الزراعية، وأبدى بارزاني خيبة أمله مما عدّه غياب رد كافٍ من التحالف الدولي على التحركات الإيرانية، ورأى أن هذا الصمت شجع الإيرانيين على تنفيذ مزيد من الهجمات، ولهذا، بحسب البرقية، رأى بارزاني أن التحالف يحتاج إلى إرسال 'إشارة قوية جداً' إلى الإيرانيين، وتكشف هذه العبارة أن القيادة الكردية لم تكن تنظر إلى القصف الحدودي باعتباره مشكلة محلية يمكن احتواؤها فقط، بل كانت تسعى إلى إدخاله ضمن حسابات القوى الدولية الموجودة في المنطقة بعد حرب الخليج.
ولم تكتف الوثيقة بنقل تصريحات القيادات الكردية، بل قدم معدّها تقييماً بريطانياً مستقلاً في قسم 'التعليق'، وأكدت البرقية أن إيران ظلت مصدر قلق رئيساً للإدارة العراقية - الكردية، وأن قصف المناطق الحدودية كان 'مكثفاً ومربكاً'، مشيرة إلى أن قوات البيشمركة المحلية لم تكن تمتلك الأسلحة الثقيلة الضرورية للدفاع عن المنطقة، وهو ما جعل التفوق العسكري الإيراني على الحدود عاملاً ضاغطاً على الإدارة الكردية.
وهنا تظهر فجوة مهمة بين علاقتي الإدارة الكردية بجارتيها، ففي الوقت الذي كانت الحدود الإيرانية مصدر قصف وقلق أمني وفق الوثيقة، وصفت لندن العلاقة مع تركيا بأنها 'ربما قوية كما كانت دائماً'، لكن البرقية لم تغفل شكوك المؤسسة العسكرية التركية تجاه القيادة الكردية العراقية، مشيرة إلى أن الجيش التركي ظل مرتاباً منها.
وبعيداً من تركيا وإيران، تقدم الوثيقة نافذة مهمة على الطريقة التي كان قادة شمال العراق ينظرون بها إلى مستقبل نظام صدام حسين، بعد عامين تقريباً من حرب الخليج وانتفاضات عام 1991، فقد نقلت البرقية عن طالباني قوله إن موقف صدام أصبح ضعيفاً بصورة متزايدة، وقال طالباني إنه تلقى تقارير عن اضطرابات في ما وصفته الوثيقة بـ 'القلب السنّي' للعراق، بين بغداد وتكريت، إضافة إلى تنامي الاضطرابات داخل الجيش حتى على المستويات العليا، لكن الوثيقة تشير في نهايتها إلى أن هذه المعلومات كانت في جانب مهم منها تقديرات منقولة إلى القيادة الكردية، وليست حقائق أثبتها الدبلوماسي البريطاني بصورة مستقلة.
من جهته، قدّم بارزاني قراءة اقتصادية لأوضاع المناطق الواقعة تحت سيطرة حكومة بغداد، وقال إن الوضع الاقتصادي فيها كان أسوأ بكثير من شمال العراق، وكشفت الوثيقة أنه قدّر أسعار الغذاء في بغداد بما يتراوح بين ضعفين ونصف وثلاثة أضعاف الأسعار في الشمال.
وكذلك أشار إلى فارق كبير في سعر صرف الدينار في مقابل الدولار، قائلاً إن الدولار كان يساوي نحو 70 ديناراً في بغداد، في مقابل نحو 35 ديناراً في الشمال، ورأى بارزاني أن 'شقوقاً' بدأت تظهر في النظام العراقي، وأن الوضع السياسي يتدهور بسرعة، وتحدث عن محاولات صدام إعادة ترتيب حكومته وإجراء مصالحة داخل أسرته من خلال زواج أحد أبنائه، لكن البرقية تقول إن هذه المحاولة، بحسب تقييم بارزاني، لم تنجح، وإن التوتر بين أبناء صدام كان يتزايد.
ومع أن بارزاني تحدث عن تدهور اقتصادي وسياسي، فإنه قدم في الوقت نفسه تحذيراً مهماً للدبلوماسيين البريطانيين، وذكرت الوثيقة أن بارزاني كان يعرف رئيس الوزراء العراقي الجديد شخصياً، لكنه لم يعتبره الرجل القادر على مواجهة المشكلات أو حلها، لكن بارزاني شدد، بحسب البرقية، على أنه لا ينبغي التقليل من قدرة صدام على البقاء في السلطة، وفسر ذلك بأن صدام لا يزال يحتفظ بقدر كبير من ولاء الحرس الجمهوري وقوات الأمن الداخلي، التي كان أفرادها، بحسب تقديره، يعتقدون أنهم سيسقطون معه إذا سقط النظام، وهذا التقييم يميز موقف بارزاني جزئياً عن التصور الأكثر تفاؤلاً الذي نقلته الوثيقة عن طالباني في شأن ضعف صدام، فحتى مع حديثه عن مؤشرات تراجع النظام، ظل بارزاني يرى أن أجهزة القوة التي يعتمد عليها الرئيس العراقي لم تتفكك بعد.
لكن الخلاصة البريطانية جاءت أكثر تحفظاً من تقديرات الزعيمين الكرديين، فقد ذكرت البرقية أنه حتى بعد استبعاد ما وصفته بالتفكير القائم على التمنيات الكردية، ظل بارزاني وطالباني 'متفائلين بصورة لافتة' في شأن محنة صدام حسين، وأوضحت الوثيقة أن تقييماتهما للوضع الاقتصادي في مناطق الحكومة العراقية استندت إلى حد كبير إلى محادثات مع أكراد يعيشون على خطوط التماس، ومن بينهم سكان كفري الذين كانت لهم اتصالات يومية مع المناطق الواقعة تحت سيطرة بغداد، واستشهد معدّ البرقية بشخص يدعى سامي عبدالرحمن، الذي قالت الوثيقة إنه كان يعتقد حتى شهرين فقط أن صدام 'غير قابل للإزاحة'، قبل أن يخبر المسؤول البريطاني بأنه أصبح يعتقد أن الرئيس العراقي سيرحل في نهاية المطاف.
غير أن لندن لم تر في هذا التحول في المزاج دليلاً كافياً على قرب سقوط النظام، بل قالت الوثيقة إن القيادة العراقية - الكردية 'أقله في الوقت الراهن'، احتفظت بقدر كاف من الواقعية، لإدراك أن أي تغيير سيحتاج إلى وقت، وأن عملية التغيير نفسها ستكون محفوفة بالأخطار.
وبمجموعها، تكشف البرقية البريطانية صورة شديدة التعقيد لشمال العراق في خريف عام 1993، فمن جهة كانت القيادة الكردية تسعى إلى تثبيت علاقة عملية مع تركيا، على رغم مشكلة حزب 'العمال الكردستاني' والشكوك التركية، ومن جهة أخرى كانت تنظر إلى إيران باعتبارها تهديداً مباشراً، وتطلب موقفاً أقوى من التحالف الدولي تجاه القصف الإيراني للمناطق الحدودية.
وفي الخلفية بقيت بغداد حاضرة باعتبارها الخطر الأكبر والأكثر رسوخاً، حتى عندما كان بارزاني وطالباني يريان مؤشرات على ضعف النظام، وتكشف الوثائق أن أنقرة لم تكن بالنسبة إلى القوى الكردية مجرد دولة مجاورة، بل شريكاً أمنياً ومصدراً للمساعدات، وقناة ضرورية لبقاء الإدارة الناشئة، بينما ظهرت طهران في تصريحات الزعيمين باعتبارها قوة تسعى إلى التأثير في البنية السياسية والأيديولوجية لشمال العراق، وتستخدم الضغط العسكري عبر الحدود.
أما صدام حسين، الذي كانت بعض المؤشرات الاقتصادية والسياسية توحي لمعارضيه بأنه يقترب من مرحلة حرجة، فقد ظل في التقدير البريطاني أكثر قدرة على الصمود مما كان يتصوره بعض خصومه.






































