اخبار المغرب
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٦ حزيران ٢٠٢٦
يكتسب مشروعية لدى بعض التلاميذ بسبب ضبابية المستقبل ويصبح أكثر تقدماً بفضل التقنيات الحديثة والحكومة تراقب وتعاقب
منذ عقود، بدأ الغش في الامتحانات بالتفشي في المغرب تدريجاً إلى أن أصبح ظاهرة تم التطبيع معها، إذ صار التلميذ يتباهى بانتصاره على آليات المراقبة المشددة باستعمال تقنيات متطورة يصعب كشفها.
بدأت تلك الظاهرة بالانتشار بشكل لافت خلال تسعينيات القرن الماضي، وكانت تعتمد بالأساس على استعمال 'الحروزة' (مشتقة من الحرز المستخدم في أعمال السحر والشعوذة)، إذ تتم كتابة المقررات الدراسية أو جزء منها بشكل صغير جداً على أورق، وطيها بطريقة معينة وإخفاؤها في الملابس. وسهل انتشار الآلات الناسخة لاحقاً من تلك المهمة.
بنهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، انتقلت ظاهرة الغش إلى مرحلة جديدة مرتبطة باستخدام آليات تقنية جد متطورة كالهاتف النقال، وآلات حاسبة معدلة، بالإضافة إلى تقنية 'vip' (يصل سعرها إلى حدود 150 دولاراً) التي تتكون من جهاز بحجم بطاقة الائتمان وسماعة أذن صغيرة لا تظهر عند إدخالها في الأذن، وتسمح بتواصل التلميذ من قاعة الامتحان عن بعد بشخص يقوم بإملاء الأجوبة عليه.
شرعت وزارة التربية الوطنية باستخدام آلة ' Shield T3' المحلية الصنع، خلال امتحانات السنة الأولى للبكالوريا (الثانوية العامة) الأسبوع الجاري، لكن احتمال عدم فاعليتها خلّف موجة سخرية بين التلاميذ على مواقع التواصل، وأكد عديد منهم إخفاقها في رصد الآلات الإلكترونية. من جانب آخر اعترض جانب من الرأي العام على الطريقة التي أصبحت تستخدم بها آلات مكافحة الغش، داعياً الى احترام نفسية التلميذ في الأقل أثناء اجتيازه للامتحانات، بدل فحصه عن قرب بشكل يؤثر سلباً في تركيزه.
يرتبط الغش الدراسي بعوامل عديدة تتداخل فيها جوانب اجتماعية وثقافية، وأخرى تأطيرية مرتبطة بالتركيز على المعرفة على حساب الاستيعاب، بالإضافة إلى غياب الحث على القيم وتشجيع روح الإبداع، بالتالي يكرس النظام التعليمي المغربي مبدأ الحفظ دون الفهم الكافي.
يوضح أستاذ الفلسفة بالتعليم الثانوي التأهيلي والباحث في سوسيولوجيا القانون والتربية عثمان النجار أن الغش في السياق المدرسي مسألة سوسيولوجية كبيرة ومعقدة، ولا يمكن اختزالها في سبب واحد أو في مسؤولية المتعلم وحده، لأنها ترتبط ببنية المدرسة والمجتمع والثقافة السائدة.
وبخصوص الأسباب المباشرة لتلك الظاهرة، يشير الباحث إلى وجود ثلاثة عوامل رئيسة، أولها اختلالات النظام التعليمي نفسه، فهناك تركيز مفرط على الامتحانات والنقط، وعلى الكم المعرفي أكثر من بناء القدرات والفهم، لدرجة يصبح كما لو أن النجاح في الاختبار غاية في حد ذاته. وثانيها هيمنة ثقافة الشهادة والنقطة، إذ أصبحت قيمة الشهادة والنتيجة الاجتماعية أهم لدى المتعلمات والمتعلمين من قيمة المعرفة ذاتها ومن ضوابطها التربوية والأخلاقية، وصار المهم هو الحصول على النقطة مهما كانت الوسيلة. أما ثالثها فيعد في غاية الأهمية لارتباطه بالتطبيع الاجتماعي مع الغش، وضعف ثقافة الاستحقاق؛ فحين يتسامح المحيط الاجتماعي مع الغش، وتضعف الثقة في أن الجهد وحده يقود إلى النجاح، يتحول الغش من استثناء إلى ممارسة عادية لدى بعض التلاميذ.
يعاني النظام التعليمي في المغرب من اختلالات بنيوية مرتبطة بضعف مستوى المقررات الدراسية، وبجوانب أخرى مرتبطة بالفساد، إذ أخفقت الإصلاحات المتتالية في علاج جانب مهم منها، لكونها ركزت على جوانب تقنية وهمشت العوامل السيكولوجية والتربوية، يؤكد الناشط السياسي عادل بن الحبيب تركيز جل الإصلاحات على المناهج والبنيات والتجهيزات والجوانب التقنية، بينما بقيت مسألة بناء القيم والسلوك المدني أقل حضوراً في التطبيق العملي. لقد حاولت الإصلاحات تطوير المدرسة، لكنها لم تنجح بالقدر الكافي في جعل المتعلم يؤمن بأن النجاح الحقيقي مرتبط بالكفاءة والاستحقاق، لذلك استمرت الظاهرة على رغم تعاقب المشاريع الإصلاحية، لأنها مرتبطة بالإنسان والثقافة أكثر من ارتباطها بالمناهج وحدها.
من جانبه، يشدد الباحث في سوسيولوجيا التربية عثمان النجار على ضرورة عدم اختزال استفحال الظاهرة في فشل إصلاحات التعليم، فالغش مشكلة مجتمعية بقدر ما هو مشكلة مدرسية، والمدرسة، وحدها، قد تعجز عن محاربة ما يعيد المجتمع إنتاجه يومياً، لأن الغش لا يصنع داخل المؤسسة التعليمية فقط، بل يتغدى أيضاً من ثقافة اجتماعية تركز على النتيجة اكثر من الاستحقاق.
بالمقابل، يوضح الباحث أن ذلك لا يمنع من القول إن برامج إصلاح التعليم لم تنجح، انطلاقاً من دورها، في الحد من ظاهرة الغش لأنها ركزت على مراقبة السلوك أكثر من الاهتمام بتكوين الإرادة الأخلاقية، فلا يمكن بناء مدرسة نزيهة بمجرد الإكثار من القوانين والعقوبات، بل بتنشئة المتعلم على 'الإرادة الخيرة' بلغة إيمانويل كانط، التي تدفعه إلى احترام الواجب لذاته، فالمتعلم الذي يمتنع عن الغش خوفاً من العقاب يختلف عن المتعلم الذي يمتنع عنه اقتناعاً بأن الغش يتعارض مع الواجب الأخلاقي، لذلك ظلت الإصلاحات محدودة الأثر، لأنها سعت إلى ضبط الفعل أكثر مما سعت إلى بناء الضمير الذي يوجه الفعل، على حد تعبيره.
بمعاينة تصريحات عديد من التلاميذ، خلصت 'اندبندنت عربية' إلى وجود خطاب شبه عام يشدد على أن الغش يكاد يكون أمراً مشروعاً بدعوى صعوبة المقررات الدراسية، واستحالة الجواب عن بعض أسئلة الامتحانات. ويشير عديد منهم إلى وجود سبب غير مباشر مرتبط بعدم اكتراثهم الجدي بالتحصيل الدراسي بشكل عام، نظراً إلى الوضعية الاقتصادية والاجتماعية غير المرضية في البلاد، وبالخصوص ارتفاع نسبة العطالة، بالتالي فإنهم يتساءلون 'كيف يمكن أن يجتهد المرء في دراسته وهو يعلم علم اليقين أن مصيره إما البطالة أو الهجرة نحو الشمال'. لكن جانباً من هؤلاء الشبان يؤكد أن 'من يركز بشكل جيد داخل الفصل، ويقوم بمراجعة دروسه ولو بشكل عادي خلال الاستعداد للاختبار سيتمكن من الإجابة عن جل الأسئلة المطروحة في الامتحان'.
يشدد الناشط السياسي عادل بن حبيب على ضرورة التمييز بين التفسير والتبرير، موضحاً أن من حق التلميذ أن ينتقد صعوبة مقرر أو امتحان، وأن يطالب بتحسين شروط التعلم والتقويم، لكن ذلك لا يمنحه الحق في الغش، فالصعوبة قد تفسر دوافع اللجوء إلى الغش ولكنها لا تبرره أخلاقياً أو قانونياً، موضحاً أنه إذا قبلنا هذا المنطق، فإننا نضرب مبدأ تكافؤ الفرص في الصميم، لأن هناك تلاميذ يواجهون الصعوبات نفسها ويختارون الاعتماد على مجهودهم الشخصي.
من جانبه، يوضح الباحث عثمان النجار أن اعتبار الغش حقاً مشروعاً لدى بعض التلاميذ موصول بربط النجاح بالمصير المهني والاجتماعي، وبالضغوط الأسرية والمادية المحيطة بالدراسة، لا سيما لدى الفئات الاجتماعية الهشة والفقيرة، أيضاً تراجع ثقافة القراءة والاعتماد المتزايد على الحلول الجاهزة، إلى جانب عدم مواكبة المقررات الدراسية للتحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، وكلها عوامل تغذي هذا التصور، مما يعبر، بحسبه، عن حالة 'الأنوميا' أو اللامعيارية التي يعرفها المجتمع، فعندما تكون هناك فجوة بين الأهداف الثقافية للمجتمع والوسائل البنيوية لتحقيق ذلك يحدث ضغط بنيوي، وفق عالم الاجتماع الأميركي روبيرت ميرتون، وهذا الضغط بين الوسائل والأهداف يؤدي إلى الإحباط، بالتالي يشجع البعض على استخدام وسائل غير مشروعة أو غير قانونية لبناء تصور حول النجاح أو تحقيقه في الواقع.
ويخلص الباحث إلى أنه لا يمكن اعتبار الغش حقاً مشروعاً مهما كانت المبررات، وبلغة ليورا إسرائيل في كتابها 'سلاح القانون'، فإن القانون يمكن أن يكون مورداً للمطالبة بالتغيير، لا ذريعة لتجاوز القواعد التي تنظم المنافسة العادلة.
مع تفشي ظاهرة الغش تم اعتماد آليات مراقبة مشددة تضم آلات التشويش على الإنترنت ورصد الآلات الإلكترونية، بالإضافة إلى سن قوانين زجرية تصل إلى الحكم بالسجن، إذ ينص القانون على معاقبة كل من ثبتت بحقه تهمة الغش في الامتحانات بالسجن من ستة أشهر إلى خمس سنوات، أو بغرامة تتراوح بين 5 آلاف و100 ألف درهم (ما بين 500 و10 آلاف دولار).
يوضح الباحث في سوسيولوجيا التربية، أنه بقدر ما تطور الدولة وسائل المراقبة والزجر يبتكر الأفراد في مقابل ذلك أساليب جديدة للتحايل، لا سيما إن لاحظ الأفراد أن هناك شرخاً كبيراً بين آليات محاربة الغش وبين الظروف العامة للدراسة والتعلم، فـ'كل ممنوع مرغوب' كما يقال، مشيراً إلى أن 'محاربة تلك الظاهرة تظل مسألة تقنية بالأساس، إن كانت تلك الأدوات فعالة بالشكل التي يتم تصويرها به، كذا فإن الإفراط في المقاربة الزجرية قد يحدث توتراً وتشويشاً على المتعلمات والمتعلمين لحظة الامتحان، بخاصة أننا أمام فئة عمرية لم تصل بعد إلى النضج الكامل وتتسم بحساسية نفسية كبيرة. على هذا الأساس يبدو لي أن التصدي الحقيقي للظاهرة يقتضي إرادة جادة لبناء الإنسان وترسيخ قيم النزاهة والاستحقاق، لأن الوعي الأخلاقي يظل أكثر فاعلية من الآلة مهما بلغت درجة تطورها'.
من جانبه يشير الباحث الأكاديمي المتخصص في علم النفس محمد قصير إلى أن المؤسسة التعليمية الحديثة لا تكتفي بإنتاج المعرفة، إنها أيضاً تنتج أنماطاً من السلوك، وتُعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والنجاح والفشل والاعتراف الاجتماعي، لذلك فإن الامتحان ليس مجرد اختبار للمعارف، بل هو طقس اجتماعي تُوزَّع داخله القيم والمراتب والفرص، موضحاً أنه حين ندخل جهازاً جديداً إلى فضاء الامتحان فنحن لا نضيف مجرد أداة، بل نُعيد تعريف العلاقة بين التلميذ والمؤسسة، ويصبح السؤال أقل ارتباطاً بالتعلم وأكثر ارتباطاً بالاكتشاف والعقاب، ويصبح القسم فضاء مراقبة أكثر منه فضاء معرفة.
ويستدرك الباحث 'ليس الاعتراض هنا على محاربة الغش، فالغش اعتداء على العدالة وعلى قيمة الجهد، لكن الإشكال يبدأ حين تتحول المراقبة إلى بديل عن الإصلاح'، متسائلاً 'كيف يمكن لمؤسسة أن تستثمر في رصد الإشارات الإلكترونية، بينما لا يزال بعض التلاميذ يجلسون على طاولات مكسّرة؟ وكيف ننتظر من المدرسة أن تُنتج النزهة، بينما يعيش المتعلم تجربة يومية يشعر فيها أن الجودة ليست موزعة بعدالة؟'.



































