اخبار المغرب
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٣ نيسان ٢٠٢٦
يزاولون مهناً شاقة مقابل أجور زهيدة ويخشون الوقوع بين أيادي السلطات بسبب أوضاعهم القانونية
يدفع كواسي، وهو شاب إيفواري في عقده الثاني، عربة يدوية تحمل رملاً وأسمنتاً في ورش للبناء في ضواحي العاصمة المغربية الرباط، عيناه تمسحان المكان مسحاً خشية الوقوع بين أيادي السلطات، باعتباره مهاجراً غير نظامي قدم من بلده كوت ديفوار إلى المغرب منذ سنتين.
يزاول كواسي وغيره كثر من مهاجري دول أفريقيا جنوب الصحراء مهناً هامشية شاقة تتطلب في كثير من الأحيان التحمل والصبر والجلد، في ظروف اجتماعية واقتصادية ونفسية صعبة، وفي فضاءات اشتغال تسمح لهم بـ'التخفي' عن أعين السلطات وعدم التنافي الصريح مع القوانين.
وتفيد معطيات رسمية أن مواطني أفريقيا جنوب الصحراء يمثلون 59.9 في المئة من الأجانب المقيمين بالمغرب عام 2024، مقابل 26.8 في المئة فقط عام 2014، وتتصدر جنسيات السنغال وكوت ديفوار ثم مالي قائمة الجنسيات الأفريقية الأكثر حضوراً في البلاد.
يحكي الشاب الإيفواري كواسي عن المهن التي مارسها منذ أن وطئ المغرب في هجرة كان يأمل في أن توصله إلى الضفة الإسبانية عبر سبتة، لكن جرت 'رياح الهجرة السرية' بما لا تشتهي سفن هذا المهاجر، فمكث في أحد الأحياء الشعبية نواحي الرباط سنتين، ويبدو أنه سيواصل العيش في المملكة.
يقول كواسي إن أول مهنة اضطر إلى مزاولتها كانت تنظيف الشوارع من دون سند قانوني أو مسوغ اجتماعي، إذ كان يحمل المكنسة ويكنس الأزقة بشكل عشوائي، في انتظار من يرأف لحاله ويمنحه دريهمات تقيه الجوع وتغنيه عن مد اليد مباشرة.
وأكمل كواسي سرده بأن تجربة كنس الأزقة لم تستمر سوى بضعة أشهر، إذ كان مدخولها ضئيلاً وغير مستقر، ليجد ضالته موقتاً في أشغال البناء، عندما قبل أحد المقاولين بتشغيله في أعمال تتطلب قوة بدنية في ورش العمل المختلفة.
وحول الأجر الذي يتقاضاه، كشف المهاجر الإيفواري أنه يشتغل ستة أيام ويرتاح يوم الأحد فحسب، ويتقاضى تقريباً 60 دولاراً في الأسبوع، مما يعني نحو 250 دولاراً في الشهر، وهو عائد مادي لا يكفي تلبية حاجاته، لكنه يؤمن بأن 'الأعمش أفضل من الأعمى' بحسب تعبيره.
أمادو، شاب آخر من السنغال، اختار مهنة هامشية أخرى لم تكن متداولة كثيراً من قبل في المجتمع المغربي، وهي قضاء حاجات الأسر من تسوق من المحال التجارية، والتبضع عند البقالات، أو حتى حمل الأثقال المنزلية، وتصبين الزرابي وحمل قنينات الغاز، وغيرها من الأشغال التي تتطلب قوة عضلية.
يقول أمادو في هذا الصدد إن 'ما يحصل عليه من مال لا يسمن ولا يغني من جوع، لأنه يتعامل مع أسر فقيرة في الأحياء الشعبية، ويقبل بما تجود به أيادي ربات البيوت، فضلاً عن وجبات الأكل أحياناً'، مردفاً أن هذا الوضع يضطره دوماً إلى تدبر حرف موقتة أخرى لمواجهة كلف 'الإيجار الجماعي' ومصاريف المأكل والمشرب.
في هذا السياق، أفاد الباحث في علم الاجتماع محمد شقير، أن جزءاً كبيراً من المهاجرين القادمين من دول أفريقية مثل السنغال وكوت ديفوار ومالي وغيرها، يعتبرون المغرب في الغالب محطة عبور موقتة في اتجاه أوروبا، قبل أن تتعثر محاولاتهم في الهجرة غير النظامية.
وأوضح أن فشل هؤلاء المهاجرين في بلوغ الضفة الأوروبية يدفعهم إلى الاستقرار اضطرارياً داخل المغرب، خصوصاً في مدن كبرى مثل الدار البيضاء وطنجة والرباط، حيث تنشأ لديهم أوضاع اجتماعية وهشاشة اقتصادية تدفع بعضهم إلى التسول من أجل تأمين الحد الأدنى من العيش.
واستطرد أن فئة أخرى من المهاجرين، بفعل محدودية المستوى التعليمي وعدم إتقان لغة البلد، تلجأ إلى العمل في مهن هامشية وموقتة لا تتطلب تكويناً مهنياً، من بينها بيع سلع أفريقية في المقاهي أو التجوال في الشوارع لعرضها، إضافة إلى الاشتغال في قطاع البناء كعمال يوميين أو 'عطاشة' كما يسميها المغاربة.
وأبرز شقير أن المهاجرات الأفريقيات يدخلن بدورهن في أنشطة مهنية غير منظمة، حيث يشتغلن في 'صالونات' تصفيف الشعر أو إنجاز الضفائر الأفريقية للزبونات المغربيات، أو يعملن في المطاعم بمهام تنظيف وغسل الأواني، كما تعمل بعضهن نادلات في المقاهي أو خادمات داخل البيوت.
ويمكن إيجاز 'مهن البقاء' أو 'مهن الكفاف' التي يزاولها المهاجرون الأفارقة غير النظاميين في قطاع البناء والتشييد، الذي يعد المشغل الأكبر لليد العاملة الأفريقية الرخيصة بالمملكة، وفي قطاع التجارة الصغيرة العشوائية مثل بيع الهواتف أو حافظات النقود وغير ذلك، وقطاع الخدمات من مقاه ومطاعم، وأيضاً في العمل المنزلي، وبعض الحرف اليدوية مثل مهنة الإسكافي وغيرها.
وتفيد معطيات غير رسمية في هذا الصدد أن اليد العاملة المكونة من المهاجرين الأفارقة غير النظاميين تتمركز كثيراً في الأحياء الفقيرة والهامشية للمدن الكبرى في محور الرباط - الدار البيضاء، لكن أيضاً في مدن الجنوب مثل تزنيت وإنزكان، بسبب حملات ترحيل هؤلاء المهاجرين إلى هذه المدن المتوسطة من طرف السلطات، ويزاول نحو 45 في المئة منهم مهن البناء، و15 في المئة مهن الخدمات، وفق المعطيات ذاتها.
يرى شقير أن هذه الفئات من المهاجرين الأفارقة بالمغرب غالباً ما تقبل بساعات عمل طويلة وأجور منخفضة، بحكم وضعيتها القانونية غير المستقرة، وهو ما يفتح الباب أمام أشكال من الاستغلال من طرف بعض المشغلين، بخاصة في ظل عدم التصريح بهم لدى صناديق الضمان الاجتماعي، وعدم احترام قوانين الشغل المنظمة للعلاقات المهنية.
هذا الوضع الاجتماعي والمهني المعطوب الذي تحدث عنه شقير، شكل غير مرة موضوع تقارير حقوقية نبهت إلى هشاشة هذه الفئات من المهاجرين جراء غياب التغطية الصحية، وساعات العمل الطويلة وضعف الدخل وهيمنة العمل غير المهيكل أو 'العمل الأسود'.
وسبق للمجلس الوطني لحقوق الإنسان (مؤسسة رسمية) أن دق ناقوس الخطر في شأن معاناة المهاجرين المتحدرين من أصول أفريقية، الذين يعانون ضعفاً في الحماية الاجتماعية، وفي الولوج إلى التصريح بالشغل، فضلاً عن الهشاشة القانونية التي تفاقم وضعيتهم المتردية.
بدورها أثارت جمعيات ومنظمات حقوقية مغربية الأوضاع المهنية الهشة للمهاجرين الأفارقة غير النظاميين، خصوصاً اشتغال هذه الفئات في مهن غير منظمة بأجور منخفضة، وتحت ظروف استغلال مهني واضحة، وفي حرف ومهن تفتقر في كثير من الأحيان إلى عقود ووثائق العمل الرسمية.
وحتى المهاجرين الأفارقة الذين يتخرجون في الجامعات المغربية يجدون أنفسهم في بعض الأحيان أمام وضع اجتماعي ومهني صعب ومعقد، يعوق حصولهم على الوظائف المناسبة لشهاداتهم على رغم كفاءاتهم ومستوياتهم الدراسية.
وليست الصورة الكاملة رمادية تماماً، فالمهاجرون الأفارقة ليسوا كلهم مثل كواسي وأمادو، إذ إن هناك فئات استطاعت تحقيق النجاح المهني المنشود داخل المجتمع المغربي، ومنهم من خلقوا فرص عمل جيدة لهم، ومنهم من أسسوا مقاولات وشركات، ومن أنشأوا مطاعم ومحلات تجارية، وآخرون اشتغلوا في التدريس وفي مراكز النداء، مما أسهم في تنمية الرواج الاجتماعي والاقتصادي للبلد المستضيف.



































