اخبار العراق
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٠ أب ٢٠٢٦
تعديات جنسية متكررة على موقوفات أو نساء تقدمن لرفع شكوى ومطالبات بتخصيص مقرات احتجاز تدار من قبل النساء
قضية صدمت الرأي العام العراقي خلال الأيام الماضية تتعلق بتعرض موقوفة (من مواليد عام 2000) في مركز شرطة النهضة بمحافظة الديوانية، للاغتصاب من ضابط الخفر وثلاثة منتسبين بعد احتجازها مساء 28 يوليو (تموز) الماضي. بعد أن أثار إطفاء كاميرات المراقبة في المركز شكوك قيادة الشرطة، باشرت التحقيق، وقد وجه الوكيل الأقدم لوزارة الداخلية حسين العوادي باتخاذ إجراءات قانونية عاجلة بحق ضابط وثلاثة منتسبين على خلفية الاعتداء، مؤكداً في بيان لوزارة الداخلية أن 'الوزارة لن تتهاون مع أي انتهاك يمس كرامة الإنسان أو يخالف القانون'.
ووفق البيان، فقد وجّه العوادي بإحالة المتورطين إلى الجهات التحقيقية والقضائية المتخصصة، واتخاذ أقصى الإجراءات القانونية والإدارية بحق كل من يثبت تورطه، مشدداً على أن 'هذه الأفعال لا تمثل مبادئ وزارة الداخلية، ولا أخلاقيات رجل الشرطة'.
وللوقوف على ما جرى، توجهنا بالسؤال لرئيسة لجنة المرأة والطفل في مجلس محافظة الديوانية سندس الموسوي التي كشفت أن السيدة كانت موقوفة بسبب دعوى قضائية وفق المادة 248 التي تتعلق بتضليل العدالة، وأُودِعت سجن النهضة لحين إطلاق سراحها بعد إكمال إجراء كفالتها. وتكمل الموسوي في حديث خاص قائلة 'في يوم الـ28 من يوليو، انتشرت على مواقع التواصل أخبار تفيد بوقوع اعتداء جنسي بحق فتاة تبلغ من العمر 26 سنة من قبل نقيب ومفوض وشرطيين، وفوراً توجهت إلى مكتب قائد الشرطة اللواء نجاح البياتي للاستفسار حول تفاصيل الجريمة، وأخبرنا أن أحد الضباط اتصل وأبلغهم عن حادثة إطفاء الكاميرات في المركز. كانت الساعة الرابعة فجراً حين توجهنا إلى المركز للتحقق، وهناك استفسرنا من الموقفات اللواتي أبلغنا عن خروج فتاة مدة ساعتين، وبعد التحقيق اعترف النقيب والشرطة بالجريمة اللاأخلاقية التي جرت تحت العلم العراقي وتحت مظلة القانون'.
الموسوي طلبت لقاء ضحية الاغتصاب الجماعي لمتابعة حالتها عن قرب، وتصفها بأنها 'فتاة نحيلة شاحبة الوجه تعرضت لظروف اجتماعية قاهرة مطلقة ولديها أربعة أطفال، يتيمة الأهل استغلت من قبل النقيب، فالنقيب لم يكتفِ بالاعتداء عليها بل أجبرها بعد تخويفها على ممارسة الفعل الفاحش مع أفراد الشرطة'.
قضية الانتهاكات التي من الممكن أن تتعرض لها النساء في أماكن الاحتجاز بسرية ومن دون أن يدري بها أحد، تتفاعل بصورة كبيرة في المجتمع العراقي الذي تفاوتت آراؤه بين من وجه أصابع الاتهام للمرأة التي تعرضت للاغتصاب، ومن عبّر عن استيائه بتدوينات على منصات التواصل، لا سيما أن مثل هذه الاعتداءات تحصل في أماكن يفترض أن تكون مساحة آمنة تلجأ إليها النساء اللواتي يتعرضن للاغتصاب أو الضرب أو التهديد وغيرها من أمور مسيئة للمرأة. فما حال المحتجزات اللواتي لا يملكن القدرة على الإفصاح عما يتعرضن له داخل السجون.
قدمت رئيسة جمعية الأمل والناشطة في مجال حقوق المرأة هناء إدوارد مقترحاً لتأسيس موقف خاص للنساء في كل المحافظات، فهناك قسم للنساء ضمن سجن التسفيرات في المحافظة يديره رجال. وهذه الآلية، بحسب إدوارد، تسمح لانتهاكات متكررة للموقوفات والسجينات لا سيما التحرش والاغتصاب الجنسي، وتقول 'علينا أن نضغط لتأسيس مركز توقيف خاص بالنساء وبإدارة نساء متخصصات، يكون تحت الرقابة، وتأهيل الكوادر النسائية العاملة فيه'. وتكمل إدوارد: 'وإذا تعذر إيجاد مركز توقيف نسائي بسرعة، فلا بد من التفكير بآلية بديلة أسوة بما كان يعمل به سابقاً وهو إبقاء المحتجزة بكفالة المختار أو صيغة أخرى مناسبة'.
إدوارد توضح أن 'القائمين على مراكز التوقيف لا يلتزمون السياق المفروض بإحالة الموقوفة لأسباب الدعارة والبغاء، إلى الفحص الطبي مباشرة، بل يجري استغلالها في الاعتداء عليها. الموقوفة في أغلب الأحيان لا تستطيع تقديم الأدلة على الاعتداء عليها، إذ ستوجه لها اتهامات من المعتدين أنها قامت بإغوائهم، وهنا مكمن الخلل الأساس'.
وفي السياق، توضح لنا رئيسة لجنة المرأة والطفل في مجلس محافظة الديوانية سندس الموسوي أنه جرى إبلاغ قائد شرطة الديوانية بضرورة توفير سجن يدار من قبل كادر نسوي.
'عاشت الضحية ظروفاً اجتماعية قاسية وصعبة ولم تعش حياة طبيعية مثل أي طفلة، ولم تكمل تعليمها، فقد توفي والدها واضطرت حينها أن تعيش مع ابن عمها وزوجته لتنتقل بعدها للعيش في بيت أخيها. تزوجت مرتين وانفصلت لديها أربعة أطفال يعيشون مع والدهم'، هذا ما قالته لنا الصحافية والباحثة في مجال حقوق الإنسان منار الزبيدي، التي قابلت الضحية التي تنحدر من إحدى الأقضية التابعة لمحافظة الديوانية، وتقول إنها لا تملك أي مدخول وأن الضحية بحاجة إلى دعم نفسي، 'لا يمكن أن تنتهك كرامتها في مؤسسة أمنية ينبغي أن تكون حامية لها وتمثل سيادة الدولة'.
ترى الزبيدي أن المرأة التي تتعرض للانتهاكات تعجز عن تقديم شكوى، فالمجتمع في الغالب يلوم الضحية، وما حدث مع هذه المرأة يجعلنا نقيس الرأي العام وكيف يوجه غضبه على الضحية بدلاً من الجناة، وتقول 'هذه السيدة تعرضت لعنف مركب، فشريحة من الناس تناست الجريمة وانشغلت بإسقاط التهم عليها'.
وتشير الزبيدي إلى صعوبة أن تقدم أي امرأة تتعرض لهذا الموقف للشكوى، خصوصاً بغياب آلية للإبلاغ 'كيف تثبت مادياً أنها تعرضت لهذه الحالة، ولا نعلم ما هي الضغوط التي واجهتها'؟ الزبيدي تشير إلى أن هناك حالات انتهاك تظهر للإعلام وأخرى تبقى طي الكتمان، 'لذا نشدد على أهمية دور من يتمتع بصلاحية زيارة السجون وتفقدها، لتوثيق هذه الحالات مثل منظمات حقوق الإنسان والمفوضية العليا لحقوق الإنسان، ثم إن حق الحصول على المعلومة اليوم غائب فالإرادة السياسية ترفض تشريع هذا القانون، مما يجعل كثيراً من حالات الانتهاك غامضة وعرضة للتأويل'.
الزبيدي ترى أنه من الضروري وجود كادر نسوي في السجون ومراكز التوقيف، 'هناك 500 منتسبة و30 ضابطة في محافظة الديوانية، من الضروري أن يخصص سجن للنساء برقابة عالية لحماية الموقوفات والمنتسبات في الوقت ذاته'.
من جهتها، تعتقد مؤسسة منصة 'حقوق المرأة العراقية' ورئيسة منظمة 'ساندها' تمارا عامر أن 'هذه القضية لا تتعلق بسيدة واحدة فقط، بل تطرح سؤالاً أكبر حول مدى قدرة النساء في أماكن الاحتجاز على الإبلاغ عن الانتهاكات والشعور بالأمان. هذه الجريمة، تمثل انتهاكاً خطراً لحقوق الإنسان وإساءة لاستخدام السلطة'.
وتشدد عامر على أهمية وجود رقابة مستقلة على مراكز الاحتجاز، حتى لا تتكرر مثل هذه الحوادث، وتقول 'خلال عملنا في مجال حقوق الإنسان، وثقنا وتابعنا كثيراً من الشكاوى المتعلقة بإساءة استخدام السلطة، سواء داخل أماكن الاحتجاز أو خارجها، وهذا لا يعني أن كل أفراد المؤسسات الأمنية يمارسون الانتهاكات'، لكنها تؤكد أن 'غياب المساءلة أو بطء المحاسبة قد يسمح بتكرارها'.
وتعتقد عامر أن حماية سمعة المؤسسات الأمنية لا تكون بإخفاء الانتهاكات، بل بكشفها ومحاسبة المسؤولين عنها، ولا تخفي وجود تحديات تمنع الكشف عن الانتهاكات منها ضعف الرقابة على أماكن الاحتجاز، وصعوبة الوصول إلى محامين في بعض الحالات، وعدم وجود آليات آمنة وسرية للإبلاغ عن الانتهاكات، إضافة إلى الخوف من الانتقام إذا قدمت المحتجزة شكوى ضد أحد المسؤولين عنها. ولهذا فإن أي ادعاء بوقوع انتهاكات داخل أماكن الاحتجاز يجب أن يُحقق فيه على حِدَة وبشفافية، لأن الدولة تتحمل مسؤولية حماية كل شخص موجود تحت سلطتها.
تواجه النساء في العراق عدم القدرة على التبليغ ضد قضايا التحرش والاعتداء مع أن المظلة القانونية تسمح بذلك، لكن هناك عوائق اجتماعية تقف حاجزاً يمنع المرأة من الإفصاح عن الاعتداء. وفي هذا الخصوص تقول عامر إنه من الناحية القانونية يحق لأي امرأة التقدم بشكوى والمطالبة بمحاسبة من ارتكب الجريمة بحقها. إلا أن الواقع يكشف عن عقبات كبيرة تحول دون وصول كثير من النساء إلى العدالة، أبرزها 'الخوف من الوصمة الاجتماعية والضغوط الأسرية والتهديدات وضعف الثقة بالإجراءات القانونية. وفي بعض الحالات، قد تتعرض النساء للتحرش أو سوء المعاملة حتى خلال محاولتهن الإبلاغ داخل مراكز الشرطة، فضلاً عن الصعوبات التي تزداد عندما يكون المتهم من أصحاب النفوذ أو يشغل منصباً رسمياً، الأمر الذي يعمق شعور الضحايا بالخوف من الانتقام أو من عدم إنصافهن'.
وترى أن وجود نصوص قانونية مثل المادة 393 وما ارتبط بها من أحكام تسمح للمغتصب بالإفلات من العقاب عبر الزواج من الضحية، يعكس الحاجة إلى مراجعة التشريعات بما يضمن حماية الضحايا وعدم تحويلهن إلى رهائن لمعاناتهن، العدالة الحقيقية لا تتحقق بوجود نصوص قانونية فحسب، بل تتطلب تشريعات منصفة وتحقيقات مستقلة وشفافة وحماية فعّالة للناجيات وضمان محاسبة كل من يثبت تورطه من دون استثناء أو تمييز'.
إلى ذلك لفتت الناشطة في مجال قضايا المرأة أمل كباشي إلى أن أهم التحديات التي تواجه النساء في مراكز التوقيف هو عدم وجود أماكن خاصة للاحتجاز للنساء مع كوادر نسوية للمراقبة والإدارة في مراكز الشرطة، وتقول 'عمليات الرصد لدينا مستمرة لكن نواجه صعوبات في الحصول على المعلومات الدقيقة وتعاون جدي من مؤسسات إنفاذ القانون'. كباشي ترى أن هذه الحادثة لا بد أن تخلق الحافز للمؤسسات المعنية في وزارة الداخلية والعدل، لتوفير أماكن احتجاز مناسبة وتعيين مزيد من النساء في سلك الشرطة، إضافة إلى أهمية بناء نظام للمحاسبة وعدم إفلات الجناة من العقاب، والعمل على رفع وعي موظفي إنفاذ القانون حول مبادئ حقوق الإنسان وحقوق المحتجزين لا سيما النساء.
يوضح المحامي رياض الخالدي أن إدانة المتهمين، في حال ثبتت، تُعد من الجرائم الجسيمة ويأخذ القضاء بعين الاعتبار الظروف المشددة المنصوص عليها في القانون، ومنها إذا كان الجاني موظفاً أو مكلفاً بخدمة عامة، واستغل وظيفته أو سلطته في ارتكاب الجريمة، أو إذا ارتُكبت الجريمة على شخص كان تحت سلطته أو حراسته'. وفي حال ثبوت هذه الظروف فإنها تؤدي إلى تشديد العقوبة وفقاً لأحكام قانون العقوبات العراقي، فضلاً عن العقوبات التبعية التي قد تصل إلى العزل أو الفصل من الوظيفة.
الخالدي يوضح أن المواد القانونية التي تنظم جريمة الاغتصاب تقع ضمن أحكام المادة (393) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل، التي تعاقب على 'مواقعة الأنثى بغير رضاها'.
كذلك نصت المادة على تشديد العقوبة في حالات معينة 'ومنها إذا كان الجاني من الأشخاص الذين لهم سلطة على المجني عليها أو كانت الضحية تحت رعايته أو حراسته أو استغل وظيفته وفي بعض الظروف المشددة قد تصل العقوبة إلى الإعدام إذا توافرت الحالات التي نص عليها القانون'.
يختم الخالدي ويقول إن جريمة الاغتصاب ليست من الجرائم التي تتوقف على شكوى المجني عليها، وإنما تُعد من جرائم الحق العام التي تتحرك فيها الدعوى الجزائية من قبل السلطات المتخصصة متى توافرت الأدلة أو بلغها وقوع الجريمة. بالتالي، فإن عدم تقديم الشكوى أو حتى تنازل المجني عليها لا يؤدي بذاته إلى إسقاط الدعوى أو العقوبة، إذا كانت الجريمة قد ثبتت بأدلتها القانونية.
ولعل الانتهاك الذي مورس بحق موقوفة في سجن النهضة بالديوانية لن يكون الأخير، فمع كتابة هذا التقرير جرى توقيف أربعة منتسبين في شرطة محافظة النجف على ذمة التحقيق، بينهم ضابطان، بتهمة 'هتك عرض' فتاة تبلغ من العمر 15 سنة داخل أحد مراكز الشرطة، بعدما لجأت إليهم هرباً من ذويها، بسبب خلافات اجتماعية. وقد اعترف أحد المنتسبين الموقوفين خلال التحقيقات الأولية بارتكاب الجريمة برفقة زملائه داخل مركز الشرطة.






































