اخبار قطر
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ٣ أب ٢٠٢٦
واشنطن - الخليج أونلاين 'خاص'
منذ عودته إلى البيت الأبيض، أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتماد أسلوب بات سمة ملازمة لسياساته الخارجية؛ رفع سقف التهديد إلى الحد الأقصى، ثم ترك الباب مفتوحاً أمام التراجع أو التفاوض. ويبرز هذا النهج بوضوح في تعاطيه مع إيران، إذ تتوالى التصريحات التي تتحدث عن استعداد واشنطن لتوجيه ضربات عسكرية واسعة، قبل أن يعقبها حديث عن مفاوضات أو تفاهمات أو تعليق لأي عمل عسكري.
هذا التباين يثير تساؤلات متكررة حول ما إذا كان يعكس تخبطاً في قراءة المشهد، أم أنه جزء من استراتيجية مدروسة تهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية وأمنية بأقل تكلفة ممكنة.
في أحدث حلقات هذا المشهد، كشف ترامب أن الولايات المتحدة كانت على وشك تنفيذ هجوم وصفه بأنه 'الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية'، قبل أن يعلن تعليق العملية بعد التوصل إلى تفاهمات أولية، مشيراً إلى أن السعودية والإمارات وقطر، إلى جانب إيران، طلبت منه العدول عن تنفيذ الضربة.
وفي الوقت ذاته، أكد أن المفاوضات مع طهران لا تزال قائمة، وأن التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني يبقى هدفاً قائماً.
هذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها ترامب هذا الأسلوب. فمنذ ولايته الأولى، اعتمد سياسة 'الضغط الأقصى' على إيران، عبر العقوبات الاقتصادية والتهديدات العسكرية، لكنه تجنب في معظم المحطات الانزلاق إلى مواجهة شاملة، حتى بعد إسقاط إيران طائرة أميركية مسيرة عام 2019، عندما أعلن في اللحظات الأخيرة إلغاء ضربة عسكرية كانت مقررة رداً على الحادثة.
ويرى مراقبون أن ما يبدو تردداً هو في الواقع جزء من استراتيجية تفاوضية تقوم على خلق أقصى درجات الضغط النفسي والسياسي على الخصم، ثم استخدام هذا الضغط كورقة تفاوضية. ويستند هذا النهج إلى فلسفة طالما تبناها ترامب، تقوم على رفع سقف المطالب والتهديدات قبل الوصول إلى تسوية يراها تحقق أكبر قدر من المكاسب.
وبحسب هذا التفسير، فإن التلويح بالقوة لا يعني بالضرورة وجود قرار نهائي باستخدامها، بل يمثل وسيلة لإجبار الطرف الآخر على تقديم تنازلات. وفي الحالة الإيرانية، قد يكون الهدف دفع طهران إلى قبول قيود أكبر على برنامجها النووي، أو تقديم ضمانات أمنية تتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز، دون الاضطرار إلى خوض حرب مفتوحة.
في المقابل، لا يستبعد بعض المحللين أن يكون التردد ناتجاً أيضاً عن تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي، فقرار شن ضربة واسعة ضد إيران لا يقتصر تأثيره على العلاقة بين واشنطن وطهران، بل يحمل تداعيات قد تمتد إلى أمن الخليج، وأسواق الطاقة العالمية، وحركة الملاحة في مضيق هرمز، فضلاً عن احتمال توسع المواجهة لتشمل أطرافاً إقليمية أخرى.
ومن هذا المنطلق، يرى كثير من المراقبين أن ترامب يدرك أن أي عملية عسكرية كبيرة قد تفضي إلى فوضى يصعب احتواؤها، وهو ما قد ينعكس سلباً على المصالح الأميركية وحلفائها في المنطقة. ولذلك، فإن التهديد يصبح أداة للضغط أكثر منه مقدمة حتمية للحرب.
كما أن الحسابات الداخلية لا تبدو بعيدة عن هذا المشهد. فترامب، الذي يرفع شعار 'أميركا أولاً'، يدرك أن جزءاً كبيراً من قاعدته السياسية لا يؤيد الانخراط في حروب جديدة طويلة ومكلفة في الشرق الأوسط، خاصة بعد التجارب الأميركية في العراق وأفغانستان.
لذلك، فإن إظهار الحزم دون التورط في مواجهة مفتوحة قد يمنحه مكاسب سياسية داخلياً، من خلال تقديم نفسه رئيساً قوياً قادرًا على فرض شروطه من دون استنزاف القوات الأميركية.
في المقابل، يرى آخرون أن كثرة التهديدات التي لا تُترجم إلى أفعال قد تضعف من قوة الردع الأميركية على المدى البعيد، إذا خلص الخصوم إلى أن واشنطن تفضل دائماً التراجع في اللحظة الأخيرة.
إلا أن أنصار هذا الرأي يقرون في الوقت ذاته بأن اللجوء إلى القوة يظل خياراً قائماً إذا اعتقدت الإدارة الأميركية أن مصالحها الحيوية تعرضت لتهديد مباشر.
في المحصلة، يصعب الجزم بأن تراجع ترامب عن تنفيذ ضربات ضد إيران يعكس ارتباكاً في اتخاذ القرار.
فالمؤشرات الحالية توحي بأن الرئيس الأميركي يوظف سياسة 'حافة الهاوية'، التي تقوم على تصعيد الخطاب إلى أقصى حد، مع الإبقاء على هامش واسع للمناورة السياسية والدبلوماسية.
ويبدو أن الهدف ليس خوض حرب شاملة، بل استخدام التهديد بالحرب لانتزاع تنازلات وتحقيق أهداف تفاوضية، مع تجنب إشعال صراع قد يجر الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، يصعب التنبؤ بتداعياتها على المنطقة والعالم.























