اخبار المغرب
موقع كل يوم -الأيام ٢٤
نشر بتاريخ: ١٨ أيار ٢٠٢٦
الولادة القيصرية في المغرب.. بين الضرورة الطبية ومنطق 'اقتصاد الولادة'
في الوقت الذي تشدد فيه منظمة الصحة العالمية على تجنب العمليات القيصرية ما أمكن، وتبرر موقفها بمخاطر قصيرة الأمد مثل النزيف والعدوى ومضاعفات التخدير وصعوبات التنفس لدى المولود، إضافة إلى مخاطر بعيدة المدى كتمزق الرحم ومشكلات الحمل اللاحق والعقم، فإنها توصي بها في حالات محددة، إذ تعتبر التدخل الجراحي منقذا للحياة في حالات طبية محددة، من أجل ذلك تعتبر أن نسبتها ينبغي أن تتراوح ما بين 10 و15 في المائة من مجموع الولادات. فكم تبلغ نسبتها في المغرب؟
تكشف أرقام رسمية أوردها الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، أن نسب الولادات القيصرية بلغ سنة 2017، حوالي 61 بالمائة من مجموع عدد الولادات في صفوف المستفيدات من خدماته، التي قدر عددها في نفس السنة بـحوالي 31 ألف ولادة، بينما لم تكن تتعدى قبل ذلك 35 بالمائة (سنة2006)، و43 بالمائة (سنة2009)، وهو ما يعكس تسارعا واضحا في اعتماد هذا النمط من الولادة خلال فترة زمنية قصيرة. لكن كيف يمكن تفسير هذا الارتفاع اللافت، خصوصا أن الولادات القيصرية بالمستشفيات العمومية، لاتتجاوز نسبة 25 في المائة؟
تتداخل الكثير من العوامل التي تفسر هذا الارتفاع. فمن جهة، يتزايد الطلب الاجتماعي على الولادة 'المتحكم فيها' زمنيا. ومن جهة أخرى تفرض اعتبارات تنظيمية داخل المؤسسات الصحية، خصوصا في القطاع الخاص، ميلا أكبر نحو العمليات القيصرية باعتبارها إجراء قابلا للبرمجة وأقل ارتباطا بعنصر المفاجأة. كما تلعب ظروف العمل والضغط المهني دورا في توجيه الممارسة نحو هذا الخيار. وبين هذه العوامل المتداخلة، يتحول القرار الطبي في حالات كثيرة من استجابة لحاجة سريرية إلى اختيار يتجاوز الاعتبارات الطبية البحتة.
يؤكد هذا الاتجاه ما تكشفه الأرقام المتوفرة، إذ يستحوذ القطاع الخاص على نحو 90 في المائة من مجموع عمليات الولادة في صفوف المؤمنات، مع تسجيل معدل مرتفع للجوء إلى القيصرية يبلغ حوالي 66 في المائة، مقابل نحو 25في المائة فقط في القطاع العمومي. بل إن بعض المصحات الخاصة في مدن كبرى، مثل الدار البيضاء والرباط وفاس وأكادير، سجلت معدلات قاربت 80في المائة خلال سنة 2017.
ولا يقتصر هذا الارتفاع على تجاوز النسبة الموصى بها من طرف منظمة الصحة العالمية، والمحددة في حدود 15في المائة، بل يتجاوز أيضا المعدلات المسجلة في 36 بلدا متقدما، والتي لا تتعدى في المتوسط 27.9في المائة، من بينها تركيا وفرنسا واليابان وألمانيا وإسبانيا، بل إنه يفوق حتى بلدان مثل مصر (55.5 في المائة)، والأرجنتين (43.1 في المائة)، أو كولومبيا (36.9 في المائة).
في مقابل هذه المعطيات، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في إقرار التعريفة المرجعية الوطنية سنة 2006، التي حددت كلفة الولادة عبر عملية قيصرية في حدود 8000 درهم، وهو ما تزامن مع منحى تصاعدي في نسب اللجوء إلى هذا النوع من التدخلات. فماذا استفادت المصحات من هذا التحول؟
لا تقتصر الإجابة على مجرد ارتفاع رقم المعاملات، بل تمتد إلى إعادة تشكيل منطق تدبير الولادة داخل جزء من المنظومة الصحية. فالولادة القيصرية، بخلاف الولادة الطبيعية، إجراء قابل للبرمجة، يختزل الزمن الطبي، ويتيح للمصحات والأطباء التحكم في تدفق الحالات وتنظيم الموارد البشرية والتقنية بشكل أدق. وبالتالي تصبح كل عملية قيصرية خدمة ذات مردودية واضحة وقابلة للتوقع، وهو ما قد يفسر، جزئيا، الميل المتزايد نحو تفضيل هذا الخيار داخل بعض البنيات الصحية، في سياق تتداخل فيه الاعتبارات الطبية مع محددات تنظيمية واقتصادية.
وتتجلى هذه الاستفادة، أولا، في الارتفاع اللافت لنفقات العمليات القيصرية المتحملة من طرف الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، والتي انتقلت من 13 مليون درهم سنة 2006 إلى 130 مليون درهم سنة 2017، أي زيادة بعشرة أضعاف خلال 11عاما. ولا يمكن تفسير هذا المنحى فقط بارتفاع عدد الولادات أو تعقيد الحالات، بل يعكس توسعا في الاعتماد على هذا النمط من التدخل، خاصة داخل القطاع الخاص الذي يهيمن على الجزء الأكبر من هذه العمليات.
ولا تقف دلالة هذه الأرقام عند حدود تضخم الكلفة، بل تمتد لتكشف عن هامش مالي معتبر كان بالإمكان التحكم فيه، إذ تشير تقديرات الصندوق إلى أن نحو 70 مليون درهم كان يمكن توفيرها سنويا لو لم تتجاوز نسبة القيصريات 25في المائة، وهي النسبة المسجلة في المستشفيات العمومية. ما يعني أن جزءا من هذه النفقات لا يرتبط بالضرورة بتعقيد الحالات الطبية، بقدر ما يعكس تحولا في أنماط الممارسة، حيث تتقاطع الاعتبارات الطبية مع محددات تنظيمية واقتصادية.
تبعا لذلك، وفي سنة 2019 بادر الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي إلى وضع شرط إعداد ملف طبي للتعويض قبل قبوله تعويض الولادات القيصرية، لكن رد فعل أطباء القطاع الخاص، كان صادما، فما الذي حدث؟
في سنة 2019، فجر قرار الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (كنوبس) اشتراط إرفاق ملفات التعويض عن العمليات القيصرية بتقارير طبية مفصلة نقاشا حادا داخل المنظومة الصحية، كاشفا عن توتر عميق بين منطق الضبط المالي ومنطق الاستقلالية الطبية. فقد برر الصندوق هذه الخطوة بضرورة الحد من الارتفاع غير المبرر في نسب القيصريات، عبر فرض آلية تحقق تلزم الأطباء بتبرير اللجوء إلى هذا التدخل الجراحي. غير أن رد فعل أطباء القطاع الخاص جاء رافضا بقوة، معتبرين أن القرار لا يندرج ضمن آليات التنظيم، بل يشكل مساسا بجوهر الممارسة الطبية، عبر التشكيك في نزاهة الأطباء ومحاولة نقل سلطة التقدير الطبي إلى جهة إدارية.
هذا الرفض لم يكن تقنيا فقط، بل اتخذ طابعا مبدئيا، حيث شددت الهيئات المهنية على أن الطبيب، بحكم تكوينه وخبرته والتزامه الأخلاقي، يظل الجهة الوحيدة المخول لها اتخاذ القرار العلاجي، خاصة في حالات معقدة مثل الولادة. كما رأت في تدخل الصندوق نوعا من “الوصاية” التي قد تفتح الباب أمام تقييد القرار الطبي بمعايير محاسباتية، بدل أن يبقى محكوما بالاعتبارات السريرية. في المقابل، لم يخفِ الصندوق قلقه من تضخم النفقات وارتفاع نسب القيصريات، ما يعكس تناقضا بنيويا بين حماية التوازنات المالية وضمان حرية الممارسة الطبية.
وقد بلغ هذا التوتر ذروته قبل أن يتدخل وزير الصحة آنذاك، أنس الدكالي، لإطلاق مسار حوار بين الأطراف المعنية، انتهى بالتراجع عن المذكرة المثيرة للجدل، والإبقاء على العمل بالاتفاقيات الوطنية القائمة. كما تم الاتفاق على الاحتكام إلى الوكالة الوطنية للتأمين الصحي، باعتبارها هيئة التحكيم المختصة، مع التأكيد على تسريع إخراج بروتوكولات علاجية وآليات للمراقبة الطبية.
تكشف هذه الواقعة أن النقاش حول الولادة القيصرية في المغرب لم يعد محصورا في البعد الطبي، بل أصبح مجالا لتقاطع رهانات مهنية، مالية، وتنظيمية. فهل يتعلق الأمر فقط بالدفاع عن استقلالية الطبيب، أم بصراع ضمني حول من يملك سلطة تحديد متى تكون القيصرية ضرورة طبية، ومتى تتحول إلى ممارسة قابلة للضبط؟
وبناء على ما سبق يُطرح السؤال التالي: هل تملك السيدات الحوامل بالمغرب فعلا حرية الاختيار بين ولادة طبيعية أو قيصرية؟ ليتضح بأنه بين ضغط الواقع داخل المستشفى العمومي، وكلفة الولادة في المصحات الخاصة، وتضارب الآراء الطبية، يصبح القرار رهين توازنات معقدة تتجاوز إرادة الحامل نفسها.



































