اخبار المغرب
موقع كل يوم -الأيام ٢٤
نشر بتاريخ: ٢٥ أيلول ٢٠٢٦
هبة بنعمر
(صحافية متدربة)
تعيش فئة عريضة من عاملات وعمال شركة 'سيكوميك' (سيكوم سابقا) بمكناس، على وقع أزمة اجتماعية وإنسانية خانقة طال أمدها، لتبصم على واحدة من أكثر الملفات العمالية تعقيدا في المغرب؛ ملف يُلخص معاناة أسر بأكملها وجَدت نفسها فجأة في العراء، بعد سنوات طويلة من التفاني والعمل الشاق الذي امتد لدى البعض لعدة عقود دون أدنى حماية اجتماعية أو ضمانات صحية.
وفي شهادة حية تعكس حجم المعاناة اليومية والمسار النضالي المعقد، تسلط العاملة 'فتيحة'، المتحدثة بلسان زملائها وزميلاتها في العمل، الضوء على تفاصيل القصة الكاملة لعمال 'أفنوا زهرة شبابهم داخل أسوار الشركة'، بين الإغلاق المتكرر، والوعود الحكومية والمحلية المؤجلة، وصولا إلى الاعتصامات والملاحقات القضائية.
وفي تصريح خاص لـ'الأيام 24″، أكدت فتيحة، أن قصة عمال وعاملات 'سيكوميك' هي حكاية أشخاص قدموا من صحتهم ووقتهم الكثير لهذه المؤسسة الإنتاجية، حيث التحق بعضهم بالعمل في سن مبكرة جدا لم تتجاوز 12 أو 14 سنة، فيما قضت عاملات أخريات أزيد من 36 إلى 40 سنة في الخدمة.
وكشفت المتحدثة عن ممارسات سابقة سادت قبل تفاقم الأزمة، مشيرة إلى أن الشركة كانت تشهد نزاعات مطلبية تتدخل النقابة على إثرها لتحقيق بعض المكتسبات، غير أن الواقع المرير، بحسبها، كان يشمل تشغيل الأطفال في ظروف شاقة لساعات طويلة، مع اللجوء إلى 'إخفائهم داخل الشاحنات عند زيارات الزبناء المعاينين للعمل'، تجنباً للمساءلة.
وبخسب العاملة بدأت ملامح الأزمة الهيكلية في أواخر سنة 2016، حينما أُبلغ العمال بأن الشركة تتجه نحو الإفلاس، وأن الحل يكمن في إدخال شريك جديد لضمان استمرار الإنتاج، موضحة أن العمال رحبوا بهذه الخطوة حرصاً منهم على استمرار المؤسسة وحماية مناصب شغلهم.
وتابعت الأجيرة أنه بفعل هذا التحول، دخل الشريك المستثمر 'وليام' رفقة 'أنس الأنصاري' الذي قدم نفسه مديرا للشركة، غير أن شهرين فقط من العمل الكفيلين بكشف حقيقة الوضع؛ إذ اكتشف العمال اقتطاع مبالغ التغطية الصحية والضمان الاجتماعي من أجورهم دون تصريح فعلي لدى الصناديق المختصة.
وتضيف فتيحة بأسى: 'اكتشفت عاملات يلدن حرمانهن من التعويضات، ومقعدون أو مرضى يتقدمون بملفات صحية دون مجيب، بل إن هناك من كانت حالتهم تستدعي تدخلات جراحية مستعجلة وحُرموا منها بسبب عدم أداء مستحقات الضمان الاجتماعي'.
وبحسب المتحدثة عينها، بلغت الأزمة ذروتها في أكتوبر 2017 بحدوث إغلاق مفاجئ للمؤسسة، فبعد أن طُولب العمال بالتوجّه نحو شركة 'صوماج' والعودة يوم الاثنين لاستلام أجورهم، تفاجأ الجميع بالأبواب المغلقة وبضياع مستحقات شهر كامل من العمل، ليجدوا أنفسهم مطرودين إلى الشارع.
وتابعت العاملة أن نضال العمال الميداني استمر لأربعة أعوام متواصلة، قبل أن تتدخل جهات حكومية ومحلية لإعادة تشغيل الشركة عبر تغيير اسمها من 'سيكوم' إلى 'سيكوميك'. وبحسب تصريح العاملة، فقد تم ضخ دعم مالي قدره 200 مليون سنتيم من الجماعة ومبلغ مماثل من الجهة لدعم استمرارية العمل وتحت إشراف إدارة جديدة.
من جهة أخرى، ورغم مطالبة العمال بتسوية وضعيتهم القانونية السابقة وتصفية مستحقات العقود القديمة قبل التوقيع على عقود جديدة، قوبلت مطالبهم بتطمينات السلطات المحلية وممثلي النقابة بشأن تفعيل 'المادة 19' من مدونة الشغل كضامنة لحقوقهم، غير أن فتيحة تؤكد أن تجربة الواقع أثبتت عدم جدوى هذه المادة في حمايتهم، حيث استمر حرمانهم من التغطية الصحية والضمان الاجتماعي من سنة 2018 إلى 2021، ما أسفر عن بروز حالات أزمات صحية حادة، ووفيات، وعاهات ناجمة عن بتر أطراف دون حماية اجتماعية.
هذا وفي أكتوبر 2021، تكرر السيناريو ذاته، حيث اشتغل العمال شهراً كاملاً وجزءاً من شهر نونبر دون التوصل بأجورهم، قبل أن يجدوا بوابات الشركة موشومة بالإغلاق مجدداً.
وأمام استمرار الوضع وضياع الأجور ومستحقات السنوات الطويلة، قرر العمال نقل نضالهم إلى الميدان عبر تنظيم اعتصام مفتوح أمام 'فندق ريف'، التابع بحسب تصريحها، لمالك الشركة الأصلي والمُفوَّتة إليه، باعتباره المسؤول المباشر عن تسوية حقوقهم.
وتشير فتيحة إلى أن العمال تعرضوا خلال اعتصامهم لـ'عنف جسدي ولفظي ونفسي' جراء استهدافهم بالماء والحجارة والزجاج من قِبل محسوبين على الفندق، متسائلة عن غياب الحماية؛ إذ يواصلون العيش داخل خيام بدائية من الكرتون تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء في انتظار منصف.
وعن أحدث مستجدات الملف، تفيد العاملة فتيحة بأن العمال واصلوا رفع شعاراتهم وتحميل المسؤولية لـ'أنس الأنصاري' فيما آلت إليه أوضاعهم من تشديد وتشريد، واستمروا في التظاهر والمطالبة بحقوقهم بالتزامن مع فترة الانتخابات سنة 2026، إلا أن هذه الوقفات الاحتجاجية قوبلت بشكايات بدعوى 'عرقلة الحملة الانتخابية'، ما أسفر عن استدعاء عدد من العمال وتوقيف بعضهم، قبل تقديمهم أمام الوكيل العام للملك ومتابعتهم في حالة سراح.
ورداً على هذه المتابعات، نظم العمال مؤخراً مسيرة جماهيرية تضامنية للتنديد بالتضييق والمطالبة بإسقاط المتابعات وتلبية المطالب المشروعة، وفي هذا الصدد، أوردت المتحدثة أن السلطات المحلية (عن طريق القائد) تواصلت معهم للتهدئة وعدم التصعيد، مع تقديم وعد جديد صريح يتعهد بـ'العمل على تسوية الملف النهائي فور انتهاء الاستحقاقات الانتخابية'، لكن كل تلك الوعود لم يتحقق منها أي شيء.



































