اخبار السودان
موقع كل يوم -أثير نيوز
نشر بتاريخ: ٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
ما حدث في فنزويلا لم يكن مجرد أزمة سياسية عابرة، بل إشارة مبكرة إلى شكل الحروب القادمة. حين جرى شلّ شبكات الاتصال والطاقة، وتعطلت منظومات القيادة، بدا المشهد وكأن الدولة أُطفئت من الداخل قبل أن تُواجَه عسكريًا. تجربة نيكولاس مادورو كشفت أن إسقاط القدرة على التواصل واتخاذ القرار قد يكون أسبق وأخطر من إسقاط المواقع العسكرية.
وهنا عندنا في السودان، حيث تدور حرب مفتوحة يظهر الوجه الآخر للخطر نفسه: هل تتآكل الدولة بفعل غير السلاح، ونتسال في الوقت ذاته هل نحن دولة مكشوفة تقنيًا، بلا دروع سيبرانية تحمي ما تبقى من مؤسساتها وبنيتها الحيوية ام ماذا يحدث .
من فنزويلا إلى السودان، تتأكد حقيقة واحدة: الحرب الحديثة لا تحتاج دائمًا إلى اجتياح، بل إلى شلّ الأعصاب الرقمية التي تُبقي الدولة واقفة.
حين تبدأ الحروب من لوحة مفاتيح
لم تعد الحروب الحديثة تبدأ بإطلاق النار، بل بضغطات صامتة على لوحة مفاتيح. ضغطة قد تُطفئ شبكة كهرباء، وأخرى قد تعزل القيادة عن الميدان، وثالثة قد تُعطّل ميناءً أو مطارًا. هذه ليست سيناريوهات خيالية، بل وقائع أثبتتها تجارب دول دخلت الصراع من بوابة التقنية، لا من بوابة الجيوش.
هذا الواقع يجعل السودان عرضة لتأثير أي تصعيد تقني إقليمي، حتى لو لم يكن طرفًا مباشرًا فيه. فالدولة التي تنزف ميدانيًا تصبح أكثر هشاشة أمام أي ضغط سيبراني أو تعطيل رقمي. ان
التحول الرقمي بلا دروع يشكل نغمه لا نعمه
اندفعت دول كثيرة في المنطقة نحو التحول الرقمي، وهو مسار ضروري للتنمية وتحسين الخدمات، لكنه تحوّل في بعض الحالات إلى مغامرة غير محمية. حين تُربط الكهرباء، والمياه، والموانئ، والاتصالات بأنظمة ذكية دون طبقات أمان مستقلة، يصبح التطور نفسه نقطة ضعف. ما حدث في فنزويلا يوضح أن الدولة الذكية بلا أمن سيبراني قوي هي دولة سريعة الشلل.
دروس الجوار: ليبيا واليمن
ما شهدته ليبيا واليمن يقدّم إنذارًا إضافيًا. المسيّرات الرخيصة، والتشويش الإلكتروني، وتعطيل الأنظمة، لعبت أدوارًا أكبر من الجيوش الجرّارة. في اليمن، امتد الأثر إلى البحر الأحمر، وفي ليبيا فُرض توازن بالقوة التقنية لا بالسلاح الثقيل. الرسالة واضحة: من لا يحمي فضاءه الرقمي، يُدار صراعه من الخارج.
البحر الأحمر: الاقتصاد في مرمى الهجمات التقنية
الاضطرابات حول البحر الأحمر كشفت أن الاقتصاد أصبح ساحة قتال. تشويش الملاحة أو تعطيل أنظمة الموانئ لا يحتاج إلى حرب معلنة، لكنه كفيل بإرباك التجارة ورفع الأسعار وتعطيل الإمدادات. في هذه البيئة، لم يعد الأمن السيبراني مسألة تقنية بحتة، بل جزءًا من الأمن المعيشي والغذائي للمواطن.
الاحتياطي الأمني: خط الدفاع المنسي
التحصّن الحقيقي لا يقوم على نظام واحد، بل على احتياطي أمني متعدد وقوي:
شبكات تشغيل مستقلة للخدمات الحيوية.
قنوات اتصال بديلة تعمل عند الطوارئ.
فرق وطنية مدرّبة على اكتشاف الاختراق وعزله فورًا.
خطط واضحة لاستمرار الخدمات الأساسية مهما كانت الظروف.
بدون هذا الاحتياطي، يتحول أي هجوم رقمي محدود إلى أزمة وطنية شاملة.
الإنسان… الحلقة الأضعف والأهم
أخطر ثغرة في أي نظام ليست تقنية فقط، بل بشرية. ضعف التدريب أو غياب الوعي قد يفتح الباب لاختراق لا تنفع معه أحدث الأجهزة. لذلك، يبقى الاستثمار في الكفاءات، ونشر ثقافة الأمن الرقمي، حجر الأساس لأي تحصين حقيقي.
ما حدث في فنزويلا، وما يجري في السودان، وما يُرى في ليبيا واليمن، كلها فصول من قصة واحدة: الدول التي تدخل العصر الرقمي دون دروع سيبرانية، تدخل الحروب القادمة مكشوفة. في زمن تُدار فيه الصراعات عن بُعد، لا يُقاس الأمن بعدد الجنود، بل بقدرة الدولة على حماية شبكاتها وقرارها. ومن يترك هذا الباب مفتوحًا، قد يكتشف أن الحرب بدأت… بعد أن انطفأت الشاشات. واصبح هو مكتوف الايدي يتفرج فقط
لاحول ولاقوة له
وحينها لن ينفع الندم
ولن تجدي النظريات


























