اخبار العراق
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٦ حزيران ٢٠٢٦
تتحدث مصادر عن ربط واشنطن استمرار تعاونها مع بغداد وتقليص نفوذ الحركات المسلحة داخل مؤسسات الدولة
عاد ملف الفصائل المسلحة في العراق إلى واجهة المشهد السياسي والأمني مجدداً، بعد سلسلة تطورات متسارعة بدأت بإعلان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر فصل 'سرايا السلام' تنظيمياً عن التيار، مروراً بإشارات حكومية إلى قرب تسلم أسلحة عدد من الفصائل، وصولاً إلى تسريبات سياسية تحدثت عن ضغوط أميركية وغربية تمنع مشاركة أي جهة تمتلك جناحاً مسلحاً في الحكومة الجديدة قبل استكمال إجراءات نزع السلاح والاندماج الكامل في مؤسسات الدولة.
ويبدو أن ملف دمج الفصائل داخل المؤسسات الأمنية بات أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في العراق، ليس فقط لارتباطه بالأمن الوطني، وإنما لتقاطعه مع توازنات سياسية داخلية، ومصالح إقليمية، وضغوط دولية متزايدة تسعى إلى إعادة رسم العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة التي برزت خلال العقدين الماضيين.
وفي وقت تؤكد الحكومة أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل أولوية استراتيجية، تتباين مواقف القوى السياسية في شأن آليات التنفيذ وتوقيته وضماناته، وسط مخاوف من أن يتحول الملف إلى نقطة صراع جديدة بين الأطراف المتنافسة.
تشير المعطيات السياسية المتداولة في بغداد إلى أن البلاد دخلت مرحلة مختلفة عن الأعوام الماضية، إذ لم يعد النقاش يدور حول شرعية وجود الفصائل المسلحة أو دورها في مواجهة تنظيم 'داعش' الإرهابي المنهزم في العراق وسوريا، بل حول مستقبل هذه التشكيلات داخل الدولة وكيفية إعادة تنظيمها بما ينسجم مع متطلبات بناء المؤسسات.
ويرى مراقبون أن التطورات الأخيرة تعكس انتقال النقاش من مرحلة 'إدارة السلاح' إلى مرحلة 'إعادة هيكلة النفوذ'، خصوصاً بعد الحديث عن توجه عدد من الفصائل إلى تسليم أسلحتها والانخراط بصورة أكثر وضوحاً في المؤسسات الرسمية.
وتزامن ذلك مع ضغوط أميركية متزايدة، إذ تتحدث مصادر سياسية عن أن واشنطن تربط بين استمرار تعاونها مع الحكومة العراقية وبين تقليص نفوذ الفصائل المسلحة داخل مؤسسات الدولة ومفاصل القرار السياسي.
داخل قوى 'الإطار التنسيقي' تبدو المواقف أكثر تعقيداً من الصورة المتداولة إعلامياً. فبعض القوى ترى أن دمج الفصائل داخل المؤسسات الأمنية يمثل فرصة لتحويل القوى المسلحة إلى جزء من المنظومة الرسمية الخاضعة للقانون، بما يسهم في إنهاء الجدل المستمر في شأن السلاح خارج الدولة.
في المقابل، تتحفظ أطراف أخرى على آليات التنفيذ، خشية أن يؤدي الدمج إلى إضعاف نفوذها السياسي أو تقليص دورها الأمني الذي تشكل خلال الأعوام الماضية، خصوصاً بعد الحرب ضد تنظيم 'داعش' المتطرف.
وتؤكد شخصيات سياسية من داخل الإطار التنسيقي أن غالبية الفصائل لا تعترض مبدئياً على مبدأ الدولة واحتكارها للسلاح، لكنها تطالب بضمانات قانونية وسياسية تضمن عدم استهدافها مستقبلاً أو إقصائها من المشهد السياسي بعد التخلي عن أدوات القوة العسكرية.
قرار مقتدى الصدر المتعلق بـ'سرايا السلام' أضاف بعداً جديداً للنقاش، فأنصار القرار يرون فيه خطوة استباقية تهدف إلى تعزيز فكرة الدولة وإبعاد العمل العسكري عن النشاط السياسي، بينما يعتبره خصوم الصدر محاولة لإعادة التموضع السياسي في مرحلة تشهد تحولات داخلية وإقليمية مهمة.
ومع ذلك، فإن الخطوة الصدرية وضعت بقية الفصائل أمام اختبار حقيقي، خصوصاً أن الحكومة سارعت إلى الترحيب بها بوصفها نموذجاً يمكن البناء عليه في إطار مشروع حصر السلاح بيد الدولة.
على الجانب الآخر، تنظر القوى السنية والكردية إلى ملف دمج الفصائل من زاوية مختلفة. فغالبية هذه القوى تدعم مبدأ احتكار الدولة للسلاح وتوسيع سلطة المؤسسات الرسمية، لكنها تدعو في الوقت نفسه إلى تنفيذ أي عملية دمج وفق معايير مهنية وقانونية واضحة، بعيداً من المحاصصة السياسية أو إعادة إنتاج الولاءات الحزبية داخل الأجهزة الأمنية.
ويرى عدد من السياسيين السنة والأكراد أن نجاح عملية الدمج يجب أن يقترن بإصلاحات مؤسساتية أوسع تشمل تطوير العقيدة العسكرية، وتعزيز استقلالية الأجهزة الأمنية، ومنع أي ازدواجية في القرار الأمني.
لا يمكن فصل الجدل الدائر في بغداد عن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة. فالولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية تنظر إلى ملف الفصائل المسلحة بوصفه معياراً أساسياً لقياس قدرة الدولة العراقية على فرض سيادتها وحصر استخدام القوة بيد المؤسسات الرسمية.
وتعتقد هذه الدول أن وجود تشكيلات مسلحة مرتبطة بأحزاب سياسية يضعف من قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات مستقلة ويؤثر في بيئة الاستثمار والتعاون الأمني الدولي.
في المقابل، ترى أطراف عراقية أن الضغوط الخارجية تتجاوز أحياناً حدود الدعم السياسي لتتحول إلى تدخل مباشر في تشكيل الحكومات وتوزيع المناصب، الأمر الذي يثير حساسية واسعة داخل الأوساط السياسية.
يقول أستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية ميثم البهادلي إن ما يجري اليوم يمثل 'أهم محاولة عراقية منذ عام 2003 لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة'. ويضيف أن المشروع يواجه تحديات كبيرة، لكنه يختلف عن المبادرات السابقة لأنه يأتي في ظل متغيرات داخلية وإقليمية ودولية متزامنة.
ويرى أن جزءاً من القوى السياسية بات مقتنعاً بأن استمرار وجود تشكيلات مسلحة مستقلة لم يعد مقبولاً دولياً، كذلك يفرض أعباءً على الدولة العراقية في علاقاتها الخارجية.
ويؤكد البهادلي أن نجاح أي مسار يتوقف على قدرة الحكومة على بناء الثقة بين الأطراف المختلفة وتقديم ضمانات قانونية واضحة، فضلاً عن وجود توافق سياسي شامل يمنع استغلال الملف في الصراعات الانتخابية أو الحزبية.
ويعتقد أن الضغوط الأميركية تمثل عاملاً مؤثراً لكنها ليست العامل الوحيد، لأن جزءاً مهماً من النخبة السياسية العراقية بات يدرك أن استقرار الدولة يتطلب وجود مرجعية أمنية واحدة وقرار عسكري موحد.
من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي علي الشمري أن الجدل الحالي لا يتعلق بالسلاح فقط، بل بطبيعة الدولة العراقية نفسها، موضحاً أن القوى السياسية تنظر إلى الملف من زوايا مختلفة، فهناك من يتعامل معه باعتباره استحقاقاً وطنياً لبناء دولة المؤسسات، بينما تراه أطراف أخرى تهديداً لمكتسبات سياسية وأمنية تحققت خلال السنوات الماضية.
ويشير إلى أن غالبية القوى باتت تتفق نظرياً على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، إلا أن الخلاف الحقيقي يدور حول التفاصيل التنفيذية وآليات الدمج والضمانات المقدمة للفصائل. ويضيف أن دمج آلاف المقاتلين داخل المؤسسات الأمنية يحتاج إلى برامج تدريب وإعادة تأهيل وهيكلة إدارية معقدة، فضلاً عن معالجة الملفات المالية والقانونية والتنظيمية المرتبطة بهذه التشكيلات.
ويعتقد الشمري أن نجاح الحكومة في هذا الملف سيشكل نقطة تحول مهمة في تاريخ الدولة العراقية، لأنه سينهي واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل منذ عام 2003. لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن أي خطوات متسرعة أو غير مدروسة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصاً إذا شعرت بعض الأطراف بأنها مستهدفة سياسياً أو أن عملية الدمج تستخدم لإعادة توزيع النفوذ بين القوى المتنافسة.
وبين الضغوط الأميركية، وحسابات القوى السياسية، ومخاوف الفصائل المسلحة، تبدو الحكومة العراقية أمام واحدة من أكثر الملفات تعقيداً منذ أعوام، فنجاح مشروع الدمج لا يتوقف على تسليم السلاح فحسب، بل على قدرة الدولة على استيعاب هذه التشكيلات داخل منظومة أمنية موحدة، وإقناع مختلف الأطراف بأن المرحلة المقبلة تقوم على المؤسسات لا على موازين القوة الموازية.






































